.
إلى جانبها يجلس زوجها متحدثًا باسمها، بينما تُجبر هي على الصمت. حبسٌ لا يقيّد الجسد فقط، بل يكسر الحق في الكلام، ويحوّل البيت إلى مساحة رقابة دائمة.
سمية، الصحفية التي عوقبت فقط لأنها نقلت الحقيقة، أُفرج عنها في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 من سجن الدامون بعد ثمانية أيام من الاعتقال. غير أن الإفراج لم يكن نهاية العقوبة، بل بدايتها. فبموجب شروط فرضتها النيابة العسكرية الإسرائيلية، مُنعت من الحديث لوسائل الإعلام، ومن الخروج من المنزل، ومن استخدام الهاتف المحمول، أو شبكة الإنترنت، أو أي من أدوات العمل الصحفي. شروط جعلت استمرارها في مهنتها مستحيلاً، وأدت عمليًا إلى فقدان عملها الإعلامي منذ الإفراج عنها وحتى اليوم.

طيلة العامين الماضيين، لم تكن سمية قادرة على ممارسة أي شكل من أشكال العمل الصحفي، في انتهاك واضح لحقها في العمل وحرية التعبير، المكفولين في الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ما تتعرض له سمية جوابرة ليس حالة فردية، بل جزء من سياسة ممنهجة تستهدف الصحفيين الفلسطينيين، عبر الاعتقال، أو الحبس المنزلي، أو الملاحقة المستمرة. الخطر لا يتوقف عند حدود الإقامة الجبرية؛ إذ يلوح شبح إعادة الاعتقال في أي لحظة، كما حدث فعليًا مع أسرى محررين، لا سيما من القدس والداخل الفلسطيني، حيث أعيد اعتقالهم رغم خضوعهم للحبس المنزلي، دون احتساب فترة الإقامة الجبرية ضمن مدة الاعتقال، في جريمة قانونية إضافية مسكوت عنها.

في هذا السياق، يؤكد الحقوقي حلمي الأعور أن الحبس المنزلي يُعد شكلًا من أشكال الاعتقال التعسفي، وانتهاكًا صريحًا لحرية الرأي والتعبير، ويهدف إلى إسكات الصحفي الفلسطيني دون محاكمة عادلة، وتفريغ الميدان من الشهود على الجرائم. ويضيف أن فرض الإقامة الجبرية لفترات طويلة بعد الإفراج من السجن، مع منع الصحفي من العمل أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تحت طائلة الاعتقال والغرامة، هو عقاب غير مسبوق، يضرب جوهر الحق في العمل والحياة الكريمة.

بين قيد السجن وقيد البيت، يبقى الصحفي الفلسطيني مستهدفًا، وصوت الحقيقة محاصرًا بالصمت. سمية تعيش حالة خوف دائمة، خاصة خلال الاقتحامات الليلية، إذ سبق لقوات الاحتلال اقتحام منازل أسرى محررين، ما يجعلها في ترقّب دائم لأي لحظة قد يُكسر فيها باب بيتها.
اجتماعيًا واقتصاديًا، انعكس الحبس المنزلي على حياتها بشكل قاسٍ. تراجع الوضع الاقتصادي للأسرة بعد أن كان يعمل فيها شخصان، ليبقى مصدر الدخل محصورًا بشخص واحد فقط. أما البيت، فتحوّل إلى زنزانة، والباب إلى حدود لا تُكسر.

أفراد العائلة جميعهم يستطيعون الخروج، وحدها سمية تبقى خلف الباب. تسترق النظرات من نافذة بيتها، تراقب أطفالها وهم يلعبون في الخارج، بينما تُمنع هي حتى من ملامسة الشارع. قيود لا تُرى، لكن ثقلها النفسي أشد من الحديد. عزلة قاسية تترك أثرها اليومي على روح امرأة تدفع ثمن حريتها من داخل بيتها، في سجن بلا جدران وبلا نهاية واضحة.

قضية سمية جوابرة ليست استثناءً، بل نموذجًا صارخًا لاستهداف الصحفيين الفلسطينيين، حيث بات نقل الحقيقة سببًا للملاحقة، والعمل الإعلامي تهمة يُعاقَب عليها الفلسطيني، في محاولة مستمرة لإسكات الصوت، وتغييب الشهادة، ومحو الرواية.
/انتهى/