وكالة تسنيم الدولية للانباء:
أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) رئيس الهيئة الحاكمة في سوريا، في رحلته الثانية خلال أقل من شهر إلى المملكة العربية السعودية، وصل أمس على رأس وفد يضم مسؤولين حكوميين وعسكريين وأمنيين إلى الرياض، عاصمة السعودية، والتقى محمد بن سلمان، ولي العهد، وعددًا آخر من المسؤولين.
بحسب تقارير مصادر إخبارية، وقّع في هذه الرحلة عدة اتفاقيات، من بينها اتفاق تعاون دفاعي، مع السعودية في الرياض. يأتي هذا التطور في وقت تحتاج فيه دمشق بشدة إلى الدعم المالي؛ وهو ما يطرح السؤال: ماذا يشمل هذا «التعاون الدفاعي» بالضبط؟ لا سيما في ضوء تقارير مسرّبة تشير إلى طلب السعودية إرسال مسلحين سوريين إلى اليمن.
تفاصيل الرحلة الثانية للجولاني إلى السعودية خلال أقل من شهر
تركيبة الوفد المرافق الذي ضم أسعد الشيباني (وزير الخارجية)، ومرهف أبو قصرة (وزير الدفاع)، ومحمد يسر برنية (وزير المالية)، وباسل عبد الحنان (وزير الصناعة)، وكذلك عبد القادر طحان (رئيس جهاز الاستخبارات العامة)، تشير إلى جدول أعمال واسع يشمل قضايا سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية.
في حين اكتفت البيانات الرسمية الأولية بتصريحات عامة حول المحادثات الثنائية بين الجولاني، وولي العهد السعودي، نقلت وسائل إعلام سعودية عن توقيع عشرات الاتفاقيات، دون الكشف عن تفاصيل دقيقة عنها.
التمهيد للتعاون مع الرياض في الملف اليمني
تأتي هذه الرحلة بعد أيام فقط من إعلان الشيباني أن بلاده تدرس الانضمام إلى «تحالف مكة» (المكوّن من السعودية وتركيا وباكستان).
كما يأتي هذا الحدث بعد أقل من شهر من نشر تقارير متعددة — رغم نفي المسؤولين السوريين لها — مفادها أن المملكة العربية السعودية طلبت مشاركة مقاتلين سوريين في الحرب في اليمن.
في بيان صدر لاحقًا عن وزارة الخارجية السورية، ورد أن اتفاقية تعاون بين وزارتي الدفاع السورية والسعودية قد وُقّعت.
ورغم أن الوزارة لم تحدد طبيعة هذا التعاون، يبدو أنه يتسق مع الطلب السعودي السابق ويمكن أن يعمل كمقدمة «دفاعية» للانضمام إلى هذا التحالف.
حزم الدعم الاقتصادي السعودي لدمشق
بخصوص الاتفاقيات الاقتصادية، تأتي هذه الإجراءات في إطار الدعم المعلن من السعودية للسلطات الانتقالية السورية. بحسب إعلان خالد الفالح وزير الاستثمار السعودي في فبراير الماضي، شمل هذا الدعم سابقًا توقيع نحو 80 اتفاقية ومذكرة تعاون بقيمة تجاوزت 40 مليار ريال سعودي (ما يعادل نحو 10.7 مليارات دولار). كما شمل هذا الدعم موافقة «صندوق التنمية السعودي» على حزمة من القروض التسهيلية بقيمة 406 ملايين دولار (في إطار خط ائتماني أوسع بقيمة 1500 مليون دولار)، والتبرع بما يعادل 1.65 مليون برميل من النفط الخام، والمشاركة مع قطر في سداد الديون المتأخرة لسوريا لـ«البنك الدولي»، وتأمين جزء من رواتب موظفي القطاع العام السوري.
الرياض؛ أحد الخيارات القليلة لتمويل دمشق السريع
حزم الدعم والاستثمار السعودية بالغة الأهمية للسلطات الانتقالية السورية، لا سيما في ضوء الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي اجتاحت سوريا. تشمل هذه الأزمات التدهور المستمر في مستويات المعيشة الذي تفاقم مع إلغاء دعم الوقود والكهرباء والخبز، وارتفاع البطالة، وانخفاض القدرة الشرائية، وارتفاع الأجور الذي لا يواكب قفزات الأسعار.
لا تقتصر أهمية الدعم السعودي على تمويل مشاريع إعادة الإعمار، بل لديه القدرة على منح حكومة الجولاني فرصة أكبر لمواجهة الضغوط المعيشية وتخفيف التوترات الاجتماعية؛ توترات ظهرت سابقًا في شكل تظاهرات غاضبة في مناطق مختلفة. يتماشى هذا المسار أيضًا مع اتفاق الحكومة السورية ومجموعة «البنك الدولي» في 18 أكتوبر الماضي على إنشاء «صندوق ائتماني لدعم إعادة إعمار سوريا»؛ صندوق يعمل بإدارة البنك الدولي ووفق الأولويات التي تحددها دمشق، وتأمل سوريا أن تلعب دول الخليج الفارسي، لا سيما السعودية وقطر، الدور الرئيسي في تمويله.
تأتي رحلة الجولاني إلى المملكة العربية السعودية بعد أيام من إقرار «توماس باراك»، المبعوث الأمريكي في سوريا والعراق، بأن جذب المستثمرين الأجانب إلى سوريا لا يزال صعبًا للغاية.
وعزا باراك هذه الصعوبة إلى ضعف النظام المصرفي، وانعدام الضمانات الأمنية، واستمرار بعض القيود الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الاستثمار في قطاع الطاقة قد يستغرق 10 إلى 15 عامًا ليصبح مربحًا.
هذا يعني أنه في ظل انسحاب الشركات الأجنبية، تُعتبر الرياض، نظرًا لقدرتها المالية وتغطيتها السياسية، أحد الخيارات القليلة المتاحة لدمشق للحصول على تمويل سريع واستثمارات طويلة الأجل.
الثمن المتوقع من الرياض
مع ذلك، يطرح اتساع الملفات الأمنية والعسكرية السؤال: ما هي المكافأة والثمن المتوقعان من السعودية في هذا السياق؟ لا سيما أنها تتمتع حاليًا بنفوذ كبير في الملف السوري.
/انتهى/