وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأنه تنطلق في مدينة إسطنبول التركية أعمال الدورة الثانية والأربعين للجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري لمنظمة التعاون الإسلامي (كومسيك - COMCEC)، والتي تستمر من 31 أكتوبر إلى 3 نوفمبر 2026. وتعد هذه اللجنة إحدى أهم آليات التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، حيث تهدف إلى تعزيز الروابط التجارية، وتحفيز الاستثمارات، وتنسيق السياسات الاقتصادية بين الدول الإسلامية.
وتكتسب مشاركة وزير الشؤون الاقتصادية والمالية الإيراني، السيد علي مدني زاده، في هذه القمة أهمية مزدوجة؛ إذ تمثل فرصة للمساهمة في صياغة مواقف متعددة الأطراف تجاه الواقع الاقتصادي الجديد للمنطقة والعالم الإسلامي، إلى جانب كونها منصة حيوية لمتابعة العلاقات الثنائية مع الدول الجارة والحليفة، مع التركيز على توسيع التبادل التجاري وتسهيل ممرات النقل والعبور.
اقتصادات الدول الإسلامية تحت وطأة التحولات الإقليمية
تتصدر أجندة هذه الدورة مناقشة الأوضاع الاقتصادية للدول الأعضاء المتأثرة بالتحولات التي شهدتها المنطقة في الأشهر الأخيرة؛ وهي تحولات ألقت بظلالها على الأسواق من خلال ارتفاع أسعار الطاقة، ونمو تكاليف الإنتاج والشحن، وتصاعد الضغوط التضخمية، فضلاً عن حالة عدم اليقين المخيمة على المشهد الاقتصادي.
وفي تصريح له قبيل توجهه إلى تركيا، أشار مدني زاده إلى هذه التحديات قائلاً: "إن التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الأحداث الأخيرة في المنطقة ستكون من المحاور الأساسية للنقاش؛ حيث تواجه دول عديدة اليوم موجات تضخم وركود حاد، إلى جانب قفزات ملحوظة في الأسعار، لا سيما في قطاع الطاقة".
ويؤدي ارتفاع تكلفة الطاقة بالضرورة إلى زيادة أعباء الإنتاج والشحن، مما يرفع السعر النهائي للسلع، خاصة في الدول المعتمدة على الاستيراد. ومع اضطراب خطوط الإمداد والشحن، تصبح التجارة الخارجية محفوفة بمخاطر وتكاليف أعلى. وفي ظل هذه المعطيات، يبرز التعاون الاقتصادي بين دول منظمة التعاون الإسلامي كأداة أساسية لتنويع مصادر توريد السلع، وتوسيع الأسواق التصديرية، وتقليل الاعتماد على ممرات تجارية محدودة.
فجوة بين واقع التجارة البينية والقدرات الفعلية
تأسست لجنة "كومسيك" عام 1981 كإحدى اللجان الدائمة الأربع للمنظمة، ويرأسها رئيس الجمهورية التركية، وتضم في عضويتها 57 دولة تعمل معاً لتطوير شراكاتها الاقتصادية. ورغم هذه القدرات الهائلة، لا تزال التجارة البينية تواجه عوائق تحول دون استثمار طاقاتها القصوى.
وتشير تقارير الأمانة العامة لـ"كومسيك" إلى أن حصة التجارة البينية للدول الأعضاء من إجمالي تجارتها الخارجية ارتفعت من 19.16% في عام 2023 إلى 20.36% في عام 2024. ورغم هذا النمو، لا يزال المؤشر بعيداً عن المستهدف البالغ 25% والذي حددته خطة عمل المنظمة.
وقد بلغ صافي حجم التجارة البينية في عام 2024 نحو تريليون وأربعة مليارات دولار، وتصنف إيران ضمن الدول العشر الأولى من حيث حجم التبادل التجاري داخل المنظمة، مما يعكس ثقلها وموقعها المتقدم في شبكة العلاقات الاقتصادية للعالم الإسلامي.
وتناقش القمة الحالية آليات تفعيل أدوات تمويل تجاري ناجعة لزيادة صادرات الدول الأعضاء، وتسهيل وصول المصدرين إلى الموارد المالية، وتعزيز دور القطاع الخاص، إلى جانب تطبيق نظام الأفضليات التجارية للدول الأعضاء (TPS-OIC).
الدبلوماسية الاقتصادية: من الأطر متعددة الأطراف إلى المحادثات الثنائية
يتطلع وزير الاقتصاد الإيراني إلى استثمار القمة كمنصة لتعزيز الشراكات الثنائية؛ حيث أعلن عن عقده سلسلة لقاءات مع عدد من وزراء الاقتصاد والتجارة المشاركين، بالإضافة إلى مسؤولين تركيين. وأوضح أن هذه اللقاءات تأتي استكمالاً للمشاورات المكثفة التي أُجريت في الأسابيع الماضية، بهدف تذليل العقبات أمام الصادرات والواردات، وتنشيط حركة الترانزيت.
كما تطرق الوزير إلى واقع العقوبات المفروضة على البلاد، مؤكداً أن هذه التحركات الدبلوماسية تسعى لتوسيع التعاون الاقتصادي وتحييد أثر الضغوط الأمريكية على البرامج التنموية لإيران؛ إذ يمثل تمتين الروابط مع الجوار والعالم الإسلامي شرياناً حيوياً للحفاظ على حركية التجارة الإيرانية في ظل القيود الدولية.
تركيا: شريك تجاري وحلقة وصل إقليمية
تمثل تركيا شريكاً اقتصادياً استراتيجياً لإيران بفضل حدودهما البرية المشتركة وشبكة نقلها الواسعة التي تربط الأسواق الآسيوية بأوروبا. وتظهر بيانات وزارة الخارجية التركية أن حجم التبادل التجاري الثنائي بلغ نحو 5.5 مليارات دولار في عام 2025 (3 مليارات دولار صادرات تركية، مقابل 2.5 مليار دولار واردات من إيران).
ومع أن هذه الأرقام تعكس مستوى جيدا من التبادل، إلا أن الطموحات تتطلب معالجة العقبات التنفيذية عند الحدود، وتحديث الإجراءات الجمركية، وتطوير الشحن البري والسككي، وإيجاد حلول للتسويات المالية.
وتبرز هنا أهمية الممرات البرية؛ فإيران لا تكتفي بتلبية احتياجات أسواقها المتبادلة مع تركيا، بل تشكل جسراً يربط أسواق آسيا الوسطى وشرق آسيا بتركيا ومنها إلى أوروبا. ويعد معبر "بازركان" الشريان الرئيسي للشحن البري بين البلدين، ولا تنحصر أهميته في التجارة الثنائية بل يتعداها ليكون ركيزة أساسية في ربط تركيا بالعمق الآسيوي.
وفي هذا السياق، شهد شهر أغسطس الماضي اجتماعاً مشتركاً للوفود الإيرانية والتركية عند معبر بازركان الحدودي، نوقشت خلاله ملفات رفع الطاقة الاستيعابية لمرور الشاحنات، والتوسع في استخدام "دفاتر النقل الدولي البري" وتفعيل نظام العبور الإلكتروني (e-TIR) للحد من فترات الانتظار. ويؤكد ذلك أن تطوير الممرات لا يقتصر على فتح طرق جديدة، بل يرتكز على التنسيق الجمركي، وتقليص زمن توقف الشاحنات، وتوحيد المعايير في المنافذ البرية.
الممرات التجارية: أولوية استراتيجية في المشهد الراهن
يعكس تركيز وزير الاقتصاد على تنشيط التجارة البرية وتعزيز ممرات النقل ثوابت السياسة الاقتصادية لطهران في ظل المتغيرات الإقليمية، حيث صرح قبيل سفره: "إن تفعيل الممرات وتطوير العلاقات التجارية عبر الحدود البرية يعدان حالياً في صدارة أولوياتنا الراهنة".
وتحمل هذه الرؤية مكاسب استراتيجية للاقتصاد الإيراني؛ فهي تمنح الفعاليات الاقتصادية خيارات أوسع وأكثر مرونة للاستيراد والتصدير، وتضاعف من عوائد الترانزيت الإيراني عبر استثمار الموقع الجغرافي المتميز للبلاد. ومن جهة أخرى، وفي ظل التوترات السياسية والأمنية التي قد تهدد خطوط الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد الدولية، فإن امتلاك ممرات برية بديلة ومتنوعة يعزز من مناعة التجارة الخارجية وقدرتها على التكيف.
من الحوار إلى التوافقات العملية
تنعقد الدورة الثانية والأربعون لـ"كومسيك" في وقت تشترك فيه الدول الأعضاء في مواجهة تحديات متشابهة كالتضخم، وارتفاع كلفة الطاقة، وضغوط التمويل. وفي ظل هذه الأجواء، يبرز تعميق الشراكات كأداة لرفع مرونة الاقتصادات الإسلامية.
بالنسبة لطهران، تتيح هذه القمة فرصتين متكاملتين: الأولى في المساهمة في صياغة حلول جماعية للتحديات الراهنة، والثانية في استثمار اللقاءات الثنائية لتنشيط الممرات البرية مع الجوار؛ مما يخرج الدبلوماسية الاقتصادية من إطارها النظري لترتبط مباشرة باحتياجات التجارة الخارجية الفعلية، سواء عبر فتح أسواق جديدة أو خفض تكاليف عبور البضائع وتفعيل ممرات النقل الإقليمية.
/انتهى/