وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة بات يشكل أحد أعقد التحديات الاقتصادية والسياسية لإدارة دونالد ترامب عشية الانتخابات النصفية للكونغرس؛ إذ سجلت أسعار البنزين قفزة بنسبة 34.2% خلال العام الماضي، في حين ارتفعت أسعار وقود التدفئة بنسبة بلغت 74.2%.
وتشير بيانات مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي الصادرة في 14 أكتوبر، إلى أن المستوى العام لأسعار السلع والخدمات في البلاد ارتفع بنسبة 3.7% على مدار الأشهر الاثني عشر الماضية. ومع ذلك، جاء نمو أسعار الطاقة متجاوزاً بمراحل معدل التضخم العام، مما فرض ضغوطاً خانقة على الميزانية المعيشية للأسر الأمريكية.
ويُعزى هذا الارتفاع الحاد في كلفة الطاقة بشكل رئيسي إلى الاضطرابات التي ضربت تجارة النفط والغاز العالمية، جراء الحرب التي تشنها أمريكا والكيان الصهيوني ضد إيران. وتأتي هذه التطورات الحساسة في وقت يتأهب فيه الناخب الأمريكي للإدلاء بصوته، حيث من شأن هذا الغلاء أن يعيد صياغة تقييم الشارع للأداء الاقتصادي للحكومة والنواب الحاليين.
أسعار البنزين تتخطى ذروة عهد بايدن
تظهر قراءة البيانات الصادرة عن جمعية السيارات الأمريكية (AAA) أن متوسط أسعار البنزين في الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر قد تجاوز أعلى مستوياته المسجلة طوال فترة رئاسة جو بايدن.
ويحمل هذا التطور حساسية سياسية بالغة لإدارة ترامب، التي لطالما ركزت حملاتها الانتخابية على وعود خفض تكاليف المعيشة وتحسين الواقع الاقتصادي للمواطن الأمريكي.
وتشكل زيادة البنزين بنسبة 34.2% وقفزة وقود التدفئة بنسبة 74.2% عبئاً مضاعفاً، لا سيما على العائلات التي تعتمد على المشتقات النفطية لتدفئة منازلها مع دخول فصل الشتاء. كما أن كلفة الطاقة المرتفعة مرشحة للانتقال السريع إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى عبر قنوات النقل، والإنتاج، والتوزيع، مما يقوض القدرة الشرائية للمستهلكين.
وفي الواقع، عندما تعجز الأجور عن مواكبة قفزات الأسعار، يجد المستهلك نفسه أمام تراجع حقيقي في قدرته الشرائية حتى دون انخفاض دخله الاسمي. ولهذا السبب، يترجم المواطن الأمريكي ارتفاع أسعار الطاقة كخسارة مباشرة من دخله وضغط إضافي على ميزانية أسرته.
الطاقة.. الكلفة الخفية للحرب في صناديق الاقتراع
إن ارتدادات أسواق الطاقة العالمية على السياسة الداخلية الأمريكية ليست أمراً جديداً أو مقتصرة على الإدارة الحالية، فقد واجهت الحكومات المتعاقبة في أمريكا وأوروبا مراراً مآزق اقتصادية وانتخابية مماثلة بسبب تقلبات النفط والغاز.
وقد استخدم "إيزابيل شنابل"، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، مصطلح "التضخم الأحفوري" لتوصيف هذه الظاهرة، وهو مفهوم يختزل الأثر المباشر لأسعار الوقود الأحفوري وتقلباتها على التضخم العام في الاقتصاد.
ووفقاً لهذه الرؤية، فإن ارتهان الاقتصادات للنفط والغاز يجعلها عرضة لصدمات العرض والطلب العالمي، بحيث تمتد الآثار وتنعكس كارتفاع في التكاليف على المستهلك النهائي، حتى في الدول التي تُعد من كبار منتجي الطاقة عالمياً.
وفي هذا السياق، تؤكد التحليلات أن الطفرة في إنتاج النفط المحلي داخل الولايات المتحدة لا تضمن تحصين المستهلك الأمريكي من تقلبات السوق الدولية، نظراً لكون أسعار الوقود محلياً تظل مرتبطة عضويًا بحركة العرض والطلب على الساحة الدولية، ومن ثم، لا يمكن للإنتاج الداخلي وحده أن يصد صدمات الطاقة العالمية عن الاقتصاد الأمريكي.
الاضطراب السياسي.. كلفة جديدة تثقل الاستثمار في الطاقة
إلى جانب معضلة الأسعار، برز غياب الاستقرار في السياسات النفطية الأمريكية كأحد أبرز مخاوف المستثمرين. حيث حذر "المجلس الأطلسي" في تقرير له حول سياسات الطاقة الأمريكية من أن "الاضطراب السياسي بات يمثل كلفة إضافية في قطاع الطاقة"، إشارةً إلى أن التغيير المستمر للحكومات والتخلي عن خطط الإدارات السابقة بات يربك المشاريع الاستثمارية.
ووفقاً للتقرير، فإن الإعفاءات الضريبية والدعم الحكومي الموجه لتقنيات معينة في قطاع الطاقة يفقدان جدواهما ويرفعان من مخاطر الاستثمار ما لم يستندا إلى رؤية مستدامة وطويلة الأجل. على سبيل المثال، فإن المشاريع التي صُممت بناءً على تسهيلات ائتمانية أو منح حكومية من إدارة ما، قد تفقد جدواها الاقتصادية بمجرد تبدل السلطة ومراجعة تلك السياسات.
وتكتسي هذه المسألة أهمية قصوى في مشاريع الطاقة الضخمة التي يتطلب استرداد رؤوس أموالها سنوات طويلة؛ إذ يحتاج المستثمرون إلى إطار تشريعي مستقر وقابل للتنبؤ، وإلا فإن التقلبات السياسية ستؤدي حتماً إلى رفع كلفة التمويل والتشغيل.
وفي هذا الصدد، شدد المجلس الأطلسي على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى ما هو أبعد من شعار "استغلال كافة موارد الطاقة"، وتحديداً صياغة بيئة استثمارية مستدامة تبني دعمها على كفاءة الأداء وإنتاجية الطاقة بدلاً من التفضيلات والمناكفات السياسية.
الانتخابات النصفية.. الاختبار الاقتصادي الصعب لترامب
تتحول أسعار البنزين ووقود التدفئة إلى ورقة ضغط انتخابية رئيسية في وقت طالما قدم فيه ترامب الأداء الاقتصادي وانتعاش الأسواق المالية كأبرز إنجازات عهده.
واليوم، تأتي الكلفة الاقتصادية للحرب مع إيران لتهدد هذه الصورة؛ فالناخب الأمريكي يرى في فاتورة البنزين وكلفة تدفئة منزله واقعاً ملموساً يمس حياته اليومية وميزانيته الشهرية بشكل مباشر، وهو ما يفوق لديه أهمية الكثير من المؤشرات الاقتصادية الكلية.
من هذا المنطلق، لا تبدو انتخابات الكونغرس النصفية مجرد استفتاء على سياسات ترامب المحلية، بل ستكشف بدقة مدى قدرة التحولات الجيوسياسية وهزات أسواق الطاقة العالمية على صياغة الخريطة السياسية الداخلية في أمريكا.
وفي المحصلة، تثبت تجربة غلاء الطاقة الراهنة أن أعتى منتجي النفط والغاز في العالم لا يمكنهم النأي بأنفسهم تماماً عن صدمات السوق الدولية. ويظل تنويع سلة الطاقة، وتطوير المصادر البديلة، وإرساء سياسات استثمارية مستقرة، هي السبل المثلى للحد من هشاشة الاقتصادات أمام هذه الهزات.
أما على المدى القصير، فإن الارتفاع الراهن في تكاليف الوقود قد يتحول إلى المحرك الأساسي للاستياء الاقتصادي لدى الناخبين، وهو العامل الذي يرفع الكلفة السياسية للحرب على إدارة ترامب مع اقتراب الحسم في صناديق الاقتراع.
/انتهى/