وكالة تسنيم الدولية للانباء:
لعقود من الزمن، كانت الشبكة الواسعة من القواعد العسكرية الأميركية في غرب آسيا واحدة من أهم أدوات واشنطن لفرض القوة في المنطقة؛ من البحرين وقطر والكويت إلى الإمارات والسعودية والعراق والأردن وعُمان. لكن الحرب الأخيرة بين إيران وأميركا طرحت سؤالاً جوهرياً أمام واشنطن والدول العربية: هل هذه القواعد ذاتها التي كان يُفترض أن تكون ضامنة للأمن باتت الآن نقاط ضعف وأهدافاً قابلة للوصول؟
وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها عن وضع القواعد الأميركية أن الحرب جعلت القوات الأميركية في بعض هذه المنشآت غير قادرة على العيش والعمل بشكل طبيعي لفترات طويلة. في قطر، استُهدفت قاعدة العديد، وفي البحرين، استُهدفت البنى التحتية للاتصالات المرتبطة بمقر الأسطول الخامس، وفي السعودية، تضررت معدات الاتصالات وطائرات التزويد بالوقود.
ينبغي النظر إلى هذا التحول على أنه أبعد من مجرد أضرار لحقت بعدة مبانٍ عسكرية. فالمسألة الأساسية هي تحوّل المعادلة من «القاعدة كميزة» إلى «القاعدة كنقطة ضعف».
عندما تتحول القاعدة نفسها إلى هدف
كان منطق الوجود العسكري الأميركي في الخليج الفارسي يقوم على عدة مقومات: نشر القوات بالقرب من نقاط الأزمة، وإمكانية الرد السريع، والسيطرة على خطوط الاتصال والملاحة البحرية، وخلق ردع أمام المنافسين الإقليميين.
لكن إذا تمكن الطرف المقابل من استهداف هذه القواعد الثابتة ذاتها بالصواريخ والمسيّرات، فإن ميزتها الجغرافية قد تتحول إلى نقطة ضعف.
يكتب مركز تشاتام هاوس البريطاني عن وضع النظام الجديد في الشرق الأوسط: «تعاملت طهران مع هذه الحرب كتهديد وجودي، فأغلقت مضيق هرمز واستهدفت القواعد الأميركية والبنى التحتية للطاقة في الخليج الفارسي. ومع طول أمد الحرب، تبنّت إيران تدريجياً موقفاً استباقياً، وأفضى ذلك في النهاية إلى هجمات صاروخية مفاجئة وقاتلة على القوات الأميركية في الكويت والأردن.»
ويضيف هذا المركز: «تكمن الأهمية الطويلة الأمد لهذه الحرب ليس فقط في نتيجة ميدان المعركة، بل في الاصطفافات الإقليمية التي أطلقتها. من غير المرجح أن يُستعاد النظام الذي كان قائماً في الخليج الفارسي قبل الحرب. ومن المرجح أن تعيد واشنطن تشكيل هندستها الأمنية في الخليج الفارسي. فهذا الهيكل القائم على نشر قوات في الخطوط الأمامية وقواعد كبيرة وتفوق تقليدي كان أكثر هشاشة مما كان متوقعاً.»
وأفاد تشاتام هاوس بشأن وضع القواعد الأميركية: «أكثر من اثنتي عشرة قاعدة أميركية تكبّدت خسائر كبيرة. لقد أثبتت إيران أن القدرات غير المتماثلة منخفضة التكلفة قادرة على اختراق الدفاعات الجوية المتقدمة وإلحاق خسائر غير متناسبة. لذلك، من المرجح أن تتجه واشنطن نحو قواعد أقل وأكثر تخفياً، ونشر متفرق، وقدرات ضربات دقيقة، ودفاع صاروخي، واستخدام الذكاء الاصطناعي.»
لهذا التحليل أهمية استراتيجية من جهة، إذ يتعين على أميركا أن تدفع تكاليف باهظة للدفاع عن قاعدة ما للحفاظ عليها، بينما لا تحتاج إيران بالضرورة إلى استثمار مماثل لتهديد تلك القاعدة ذاتها.
في مثل هذه الظروف، لم تعد القاعدة الكبيرة والثابتة مجرد رمز للقوة؛ بل صارت إحداثياتها معروفة للعدو، وبنيتها التحتية مركزية، وتكلفة إعادة بنائها مرتفعة.
قواعد تُنتج انعدام الأمن
المسألة الأخرى هي تأثير هذا الوضع على الدول المضيفة.
لطالما اعتبرت دول الخليج الفارسي العربية، على مدى العقود الماضية، الوجود العسكري الأميركي جزءاً من هندستها الأمنية. لكن نيويورك تايمز ذكرت مؤخراً أنه بعد أشهر من الحرب والهجمات الصاروخية والمسيّرات، باتت دول الخليج الفارسي العربية تواجه قيوداً على الضمانات الأمنية الأميركية أكثر من أي وقت مضى، وبعضها يسعى إلى خيارات أخرى، من بينها الحوار المباشر مع طهران.
وبعبارة أبسط، فإن القاعدة التي كان يُفترض أن تكون درعاً دفاعياً للدولة المضيفة، قد تصبح في حال نشوب حرب أحد أهم الأسباب التي تحوّل تلك الدولة إلى ساحة صراع.
وهذا هو التناقض ذاته الذي يواجه الآن دول المنطقة؛ فاستضافة القوات الأميركية في الظروف العادية قد تخلق نوعاً من الردع، لكن في حرب مباشرة بين إيران وأميركا، قد يضع ذلك الوجود العسكري ذاته الدولة المضيفة على قائمة أهداف الطرف المقابل.
ومن هذه الزاوية، ينبغي أخذ تغيّر حسابات الدول العربية على محمل الجد. فقد أفادت صحيفة فايننشال تايمز أيضاً بمساعي دول الخليج الفارسي لإعادة النظر في مقاربتها تجاه إيران والتحرك نحو آليات أمنية إقليمية.
وواشنطن أيضاً وصلت إلى مراجعة
الأمر الأهم أن المسألة لا تقتصر على تصور الدول العربية؛ فأميركا نفسها بصدد مراجعة نموذج انتشارها العسكري في المنطقة.
هذا التغيير هو في الواقع قبول بحقيقة جديدة؛ فالقاعدة الكبيرة والثابتة لم تعد بالضرورة علامة على القوة؛ قد تكون هدفاً كبيراً وثابتاً. وتشير بعض التقارير إلى أن أميركا انتقلت إلى قواعد أبعد مثل الأردن، وإن كانت هناك أيضاً عرضة للخطر.
حتى التقارير المنشورة عن نقل القوات الأميركية وتفريقها يمكن فهمها في هذا الإطار.
وكانت نيويورك تايمز قد ذكرت سابقاً أن الهجمات الإيرانية دفعت القوات الأميركية في بعض قواعد المنطقة إلى متابعة نشاطها من داخل المنشآت بأسلوب العمل عن بُعد والمتفرق.
من «رمز القوة» إلى «عامل الخروج»
في هذا السياق، هناك نتيجة جيوسياسية أهم قيد التشكل.
إذا كانت القواعد الأميركية ذاتها هي التي تعرّض الدول العربية للهجوم، فإن دافع دول المنطقة للاعتماد على هذا النموذج الأمني سينخفض.
هذا لا يعني أن أميركا طُردت فجأة من غرب آسيا أو أن جميع حلفائها العرب ابتعدوا عن واشنطن؛ فمثل هذه النتيجة لا تزال سابقة لأوانها. لكن الأرضية لإعادة تعريف الوجود الأميركي في المنطقة أصبحت أوضح من أي وقت مضى.
تكمن أهمية هذا التحول في أن الحرب الأخيرة لم تُظهر فقط قدرة إيران على مهاجمة عدة منشآت أميركية؛ بل وضعت أحد أسس الهندسة العسكرية الأميركية في المنطقة أمام سؤال جدي.
انسحاب أميركا بسبب الهجمات الشديدة الإيرانية
يقول محلل بارز وعضو سابق في برلمان كوريا الجنوبية في هذا الصدد: «هل تعلمون ما سبب الطلب الأميركي العاجل من كوريا الجنوبية لإرسال سفن قتالية؟ لقد دُمّرت جميع القواعد العسكرية الأميركية في 8 دول في منطقة الخليج الفارسي؛ ومقر قيادة الأسطول الخامس في البحرين غير قابل لإعادة البناء.»
ويقول العميد حسين محبي، المتحدث باسم الحرس الثوري، بشأن هذه التغييرات أيضاً: «أميركا نقلت قواتها ومعداتها من هذه القواعد مضطرةً، ونقلت قواتها إلى قواعد أبعد. مثلاً إلى قاعدة الأزرق في الأردن، وإلى قواعد أخرى، وإلى قرب حدود الكيان الصهيوني، وإلى خليج العقبة، وإلى سوريا. لكن حتى هناك لم يتحقق أمنها.»
ويقول «تريتا بارسي»، الناشط السياسي في أميركا، عن وضع المنطقة: «لقد حان وقت نهاية "المنقذ الأميركي". لقد مات النظام الأمني الأميركي في الشرق الأوسط. والتظاهر بخلاف هذه الحقيقة يتحول إلى خطر على أمن المنطقة. لقد أظهرت حرب إيران أن هذا النظام لا يمكن الاعتماد عليه ولا هو فعّال. فالقواعد الأميركية في دول مجلس التعاون الخليجي، بدلاً من أن تكون مصدراً للأمن، أصبحت مصدراً لانعدام الأمن.»
ربما تكون أهم رسالة للحرب هي هذه؛ فمسألة مستقبل أميركا في غرب آسيا ليست مجرد الحفاظ على التفوق العسكري؛ بل المسألة هي ما إذا كانت قادرة على الحفاظ على هذا التفوق دون الاعتماد على الشبكة ذاتها التي أصبحت هشاشتها واضحة الآن أم لا.
النقطة الجوهرية والمهمة هي أنه لم يكن لأحد قبل هذا الجرأة والشجاعة للتحرك ضد هذه القواعد، لكن إيران الآن حوّلتها إلى مستودعات مهجورة.
القاعدة الأميركية التي كانت يوماً رمزاً للحضور والقوة والردع لواشنطن، يمكن الآن في الحسابات الجديدة أن تكون في الوقت ذاته نقطة ضعف، وهدفاً قابلاً للوصول، وحتى عاملاً لزيادة تكاليف الوجود الأميركي في غرب آسيا. وهو وضع فرضته إيران على أميركا بشجاعة.
/انتهى/