أمل شبيب
لم تكن الكلفة الأكبر للحرب الأميركية على إيران في الصواريخ التي أُطلقت فقط، ولا في الطائرات التي شاركت في العمليات، ولا في الأموال التي أنفقتها واشنطن خلال أشهر القتال، بل إن الكلفة الأعمق ظهرت بعد ذلك.
ظهرت في المخازن التي لم تعد ممتلئة كما كانت، وفي خطوط الإنتاج التي تحتاج إلى سنوات لرفع قدرتها، وفي العقود التي تضخمت قيمتها لتعويض ما استُهلك، وفي الحسابات التي بات على صانع القرار الأميركي أن يجريها قبل التفكير في فتح جبهة جديدة.
هنا تحديداً تكمن إحدى أهم نتائج الحرب على إيران التي تعرفها الولايات المتحدة، حتى وإن لم تكن مستعدة للاعتراف الكامل بها: لقد جعلت كلفة الحرب نفسها جزءاً من القرار السياسي الأميركي.
فالولايات المتحدة ربما لم تفقد قوتها العسكرية، وربما لم تتحول إلى دولة عاجزة عن شن عمليات واسعة، وربما لا تزال تمتلك ترسانة وقدرات عسكرية هائلة لا يُستهان بها.
لكن القوة شيء، وفائض القوة شيء آخر.
أن تمتلك القدرة على الضرب، لا يعني أن بإمكانك استهلاك هذه القدرة بلا حدود.
وأن تستطيع فتح حرب، لا يعني أن مخزونك العسكري والصناعي يسمح لك بخوض حرب ثانية بالوتيرة نفسها، فيما أنت مطالب في الوقت ذاته بالحفاظ على جاهزيتك لجبهات أخرى، وحماية شبكة واسعة من القواعد والمصالح والحلفاء.
وهنا تصبح الحرب على إيران أكثر من مواجهة انتهت أو هدأت ميدانياً.
إنها حرب تركت أثراً في هامش الحركة الأميركي، وفرضت على واشنطن أن تنظر إلى أي مغامرة عسكرية جديدة من زاوية مختلفة، زاوية لا تتعلق فقط بما يمكن ضربه، بل أيضاً بما يمكن تحمّل كلفته، وما يمكن تعويضه، وما قد لا يكون متاحاً عند الحاجة إليه.
حرب لم تستنزف الصواريخ فقط
خلال الحرب، استهلكت الولايات المتحدة كميات ضخمة من الذخائر الهجومية والدفاعية المتقدمة، في واحدة من أكثر الحملات العسكرية استهلاكاً للموارد خلال العقود الأخيرة.
لكن المسألة لا تتعلق بعدد الصواريخ التي أُطلقت فحسب، بل بما كشفته الحرب عن العلاقة بين الاستهلاك العسكري والقدرة على التعويض.
فكل عملية عسكرية واسعة تستهلك أكثر من ذخائر جاهزة في المخازن. إنها تستنزف جزءاً من الاحتياطي الاستراتيجي، وتضغط على المصانع، وتعيد ترتيب الأولويات داخل المؤسسة العسكرية، وتدفع وزارة الدفاع إلى فتح عقود جديدة، ورفع طلبات الشراء، وتسريع خطط الإنتاج.
وهنا تظهر المفارقة.
الذخيرة التي تستطيع واشنطن استخدامها اليوم، لا يمكن بالضرورة تعويضها غداً بالسرعة نفسها. والسلاح الذي يُنتج خلال سنوات، يمكن استهلاكه خلال أسابيع أو أشهر.
لهذا، فإن الفجوة بين سرعة الاستهلاك وسرعة الإنتاج تصبح في حد ذاتها مشكلة استراتيجية. فحتى لو امتلكت الولايات المتحدة المال الكافي لإعادة بناء ترسانتها، فإن الأموال لا تستطيع وحدها اختصار الوقت الذي تحتاجه المصانع، ولا تأمين المواد الأولية فوراً، ولا توفير المحركات والمكونات المتخصصة، ولا مضاعفة القدرات الصناعية بقرار سياسي سريع.
لقد أظهرت الحرب أن المخزون العسكري ليس رقماً ثابتاً يمكن تعويضه بمجرد توقيع عقد جديد، بل هو منظومة متكاملة من الإنتاج وسلاسل التوريد والاختبارات والعمالة المتخصصة والبنية الصناعية.
وإذا كان إطلاق الذخائر قراراً عسكرياً يمكن اتخاذه خلال دقائق، فإن إعادة إنتاجها قد تحتاج إلى سنوات.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
المال يعوّض... لكن الزمن لا يُعوّض
قد تستطيع الولايات المتحدة تخصيص عشرات المليارات لإعادة بناء ترسانتها، وقد ترفع وزارة الدفاع طلباتها، وتوسع شركات الصناعات العسكرية خطوط إنتاجها، وتبرم عقوداً ضخمة مع الشركات المصنعة.
لكن لا يمكن تحويل المال إلى صاروخ في اليوم التالي.
فهناك محركات تحتاج إلى التصنيع، ومواد أولية يجب تأمينها، وسلاسل توريد لا يمكن توسيعها بين ليلة وضحاها، وخطوط إنتاج تحتاج إلى تجهيز، واختبارات لا يمكن تجاوزها، وعمالة متخصصة لا يمكن توفيرها بقرار إداري. ولهذا، فإن رفع الإنتاج لا يعني استعادة المخزون فوراً.
فالولايات المتحدة قد تنجح في زيادة قدرتها على الإنتاج، لكنها ستظل بحاجة إلى وقت طويل حتى تستعيد المخزونات التي استُهلكت خلال الحرب، خصوصاً أن بعض الأنظمة العسكرية المتقدمة لا تُنتج بكميات كبيرة أصلاً، وأن توسيع إنتاجها يتطلب إعادة بناء منظومة صناعية كاملة.
وقد انعكس ذلك في حجم الطلبات الأميركية الجديدة، وفي البرامج التي تهدف إلى رفع القدرة الإنتاجية وتعويض ما استُهلك خلال الحرب. إلا أن رفع الإنفاق لا يعني أن النتائج ستظهر فوراً، لأن إعادة بناء المخزونات مشروع متعدد السنوات، لا خطة طارئة تُنجز بقرار واحد.
وهنا يمكن فهم معنى الاستنزاف بطريقة مختلفة: الاستنزاف لا يعني بالضرورة أن تفقد الدولة قوتها، بل أن يصبح تعويض القوة أبطأ من استهلاكها. ويعني أيضاً أن كل مواجهة جديدة قد تبدأ باستهلاك جزء من المخزون الذي لم تكتمل عملية استعادته بعد.
وهذا بالضبط ما جعل الحرب على إيران مكلفة بالنسبة إلى واشنطن. فالمشكلة لم تكن بالضرورة أن الولايات المتحدة ستنفد من الذخائر خلال الحرب، بل أن الحرب تركت وراءها مخزونات أقل، واحتياجات أكبر، ووقتاً أطول لاستعادة التوازن.
إيران لم تترك لواشنطن المخزون نفسه الذي دخلت به الحرب
المهم هنا أن واشنطن لم تدخل الحرب على إيران من وضع مثالي أصلاً. فخلال السنوات السابقة، استخدمت الولايات المتحدة كميات كبيرة من الذخائر في دعم أوكرانيا، وفي عملياتها في البحر الأحمر، وفي حماية قواعدها وانتشارها العسكري في مناطق مختلفة.
وكانت مخزونات عدد من الذخائر المتقدمة موضع نقاش داخل المؤسسة الدفاعية الأميركية قبل اندلاع الحرب الإيرانية، نتيجة اتساع الإلتزامات العسكرية وتعدد الجبهات المحتملة. ثم جاءت الحرب على إيران لتضيف استهلاكاً ضخماً جديداً إلى هذه المعادلة.
وهكذا لم تبدأ الفاتورة من الصفر، بل جاءت الحرب لتراكم ضغوطاً كانت موجودة أصلاً، ولتضع المؤسسة العسكرية الأميركية أمام سؤال أكثر تعقيداً من مجرد حساب الذخائر المستخدمة في المعركة. فواشنطن لم تكن أمام خيار واضح بين "الحرب" و"العجز". كانت أمام سؤال آخر: ماذا سيبقى بعد الحرب؟ كم سيبقى من الاحتياطي الدفاعي؟ ما حجم المخزون الذي يمكن تخصيصه لجبهة أخرى؟ كم تحتاج المصانع لاستعادة ما استُهلك؟ وماذا سيحدث إذا اندلعت أزمة جديدة قبل اكتمال عملية إعادة البناء؟
هنا تحديداً تتضح أهمية الحرب على إيران.
فهي لم تختبر القدرة الأميركية على تنفيذ العمليات فقط، بل اختبرت أيضاً قدرة الولايات المتحدة على مواصلة إدارة أكثر من جبهة في وقت واحد، من دون أن تتحول كل مواجهة إلى استنزاف يضغط على المواجهات الأخرى. وهذا تحدٍّ لا يرتبط بالذخائر وحدها، بل يمتد إلى الطائرات والسفن والقواعد ووسائل الاستطلاع والدفاع الجوي والقدرة على حماية القوات المنتشرة في الخارج. فالحرب الحديثة لا تُدار بالسلاح الموجود في المخازن فقط، بل بالقدرة على إبقاء هذا السلاح متاحاً في أكثر من مسرح عمليات في الوقت نفسه.
عندما تدخل جبهة جديدة إلى الحساب
هنا يصبح كل شيء مختلفاً. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى غرب آسيا باعتباره المسرح الوحيد المحتمل للحرب. هناك المحيط الهادئ والصين، وهناك أوروبا، وهناك الالتزامات تجاه الحلفاء، وهناك أزمات يمكن أن تندلع من دون إنذار مسبق. ولهذا، فإن كل ذخيرة استُهلكت في إيران لا تُنظر إليها فقط باعتبارها سلاحاً استُخدم وانتهى، بل باعتبارها جزءاً من احتياطي استراتيجي لم يعد موجوداً بالكمية نفسها.
وقد حذّرت تحليلات أميركية من أن تراجع المخزونات بعد الحرب على إيران يمكن أن يضغط على قدرة واشنطن على الاستجابة السريعة في جبهات أخرى، ولا سيما في غرب المحيط الهادئ، حيث تتطلب أي مواجهة محتملة مع الصين كميات كبيرة من الذخائر بعيدة المدى ووسائل الدفاع الجوي. قد لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض مواجهة جديدة، أو أن خصومها باتوا يمتلكون تفوقاً عسكرياً تلقائياً. لكن المسألة تتعلق بشيء أكثر دقة: كلما انخفض الاحتياطي، ارتفعت كلفة الخطأ.
وكلما طال الوقت اللازم لتعويض المخزون، أصبح قرار فتح حرب جديدة أكثر ارتباطاً بما يمكن أن تستهلكه هذه الحرب من قدرات تحتاجها واشنطن في أماكن أخرى.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم. الحرب على إيران لم تجعل الولايات المتحدة أقل قوة فقط من حيث كمية الذخائر المتاحة، بل جعلتها أكثر حذراً في طريقة توزيع هذه القوة.
وهذا فارق استراتيجي كبير. فالدولة التي تمتلك القوة، لكنها مضطرة إلى التفكير في مكان استخدامها وتوقيته ومدته، ليست كالدولة التي تستطيع استخدامها من دون حسابات معقدة.
من إيران إلى اليمن
هنا، في هذه النقطة تحديداً، يدخل اليمن إلى الصورة. ليس لأن اليمن استفاد ببساطة من تراجع أميركي، ولا لأن واشنطن فقدت قدرتها على التدخل، بل لأن كلفة التدخل أصبحت جزءاً أكثر وضوحاً من الحساب الأميركي.
ففي أيلول/سبتمبر الجاري، أفادت تقارير بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعماً عسكرياً مباشراً لمواجهة القوات المسلحة اليمنية، لكن واشنطن لم توافق على تنفيذ ضربات أميركية مباشرة، واكتفت بعرض تبادل المعلومات الاستخبارية والمساعدة في تحديد الأهداف.
هذه الواقعة لا تكفي وحدها للقول إن القرار الأميركي سببه المباشر نقص الذخائر التي استُهلكت في الحرب على إيران، لكنها تصبح شديدة الدلالة عندما توضع في السياق الأوسع.
فواشنطن خارجة من حرب طويلة ومكلفة، استهلكت كميات كبيرة من الذخائر، وفرضت على المؤسسة العسكرية الأميركية برامج واسعة لإعادة بناء المخزونات، فيما لا تزال الولايات المتحدة أمام التزامات متعددة في أكثر من منطقة.
ثم تجد نفسها أمام احتمال فتح مواجهة جديدة في اليمن، حيث لا يتعلق الأمر بضربة عابرة أو عملية محدودة بالضرورة، بل بجبهة يمكن أن تتوسع، وبمسرح عمليات معقد يمتد من البر إلى البحر، ويطال خطوط الملاحة والطاقة والقواعد والمنشآت الحيوية.
هنا لا يعود السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تضرب؟
ربما تستطيع.
لكن السؤال الأهم يصبح: كم ستكلفها الضربة؟ وماذا لو لم تكن ضربة واحدة؟ ماذا لو تحولت إلى حملة عسكرية؟ وماذا لو احتاجت الحملة إلى دفاع جوي كثيف؟ وماذا لو امتدت العمليات إلى البحر الأحمر؟ وماذا لو تطلبت حماية السفن والقواعد والمنشآت والمنشآت النفطية والحلفاء؟
عندها تتحول العملية من قرار عسكري محدود إلى التزام استهلاكي جديد. وهذا هو بالضبط ما يجعل الحساب مختلفاً بعد الحرب على إيران.
فواشنطن لا تنظر إلى اليمن باعتباره هدفاً منفصلاً عن بقية المشهد، بل باعتباره جبهة جديدة قد تفرض عليها استهلاكاً إضافياً في لحظة تحاول فيها إعادة بناء قدراتها التي استُهلكت في مواجهة سابقة.
اليمن ليس جبهة عابرة
لا تكمن أهمية اليمن في امتلاكه موقعاً جغرافياً حساساً فقط، بل في أن القوات المسلحة اليمنية أثبتت خلال السنوات الماضية أن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى عنصر ضغط استراتيجي. فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي، وباب المندب ليس مجرد نقطة على الخريطة. إنهما جزء من شبكة واسعة من المصالح الدولية، ترتبط بالطاقة والتجارة والنقل البحري وأمن الموانئ وخطوط الإمداد. ولهذا، فإن أي مواجهة واسعة في اليمن لا يمكن أن تُحصر بسهولة داخل حدودها الجغرافية.
فأي تصعيد قد يفرض على الولايات المتحدة وحلفائها حماية طرق الملاحة، وتأمين السفن، وتعزيز الدفاعات الجوية، ونشر المزيد من الطائرات والسفن ووسائل الاستطلاع، والاستعداد في الوقت نفسه لردود مضادة قد تطال مواقع وقواعد ومصالح مرتبطة بالوجود الأميركي في المنطقة. أي أن الحرب لن تكون مجرد مجموعة من الضربات الجوية، بل ستكون التزاماً عسكرياً مفتوح الاحتمالات. وهنا تحديداً تصبح كلفة الحرب على إيران حاضرة في الحساب.
فكل حملة جديدة تعني ذخائر جديدة، وانتشاراً عسكرياً إضافياً، وضغطاً على الأساطيل والقواعد، واستهلاكاً في وسائل الدفاع الجوي، واستنزافاً في الموارد التي تحتاجها واشنطن لجبهات أخرى.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المسألة مرتبطة بقدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربة إلى اليمن فحسب، بل بقدرتها على تحمّل ما قد يأتي بعد الضربة. فالمشكلة ليست دائماً في بداية الحرب، أحياناً تكمن المشكلة في اليوم التالي.
القوة لا تختفي... لكنها تصبح أغلى
هنا لا يُقرأ المشهد على أن الولايات المتحدة فقدت قوتها، بل الأدق أن نقول إن تكلفة استخدام القوة ارتفعت. فالولايات المتحدة لا تزال قادرة على توجيه ضربات دقيقة، وتحريك حاملات الطائرات، واستخدام القاذفات والصواريخ بعيدة المدى، وتشغيل منظومات الدفاع الجوي المتقدمة.
لكن السؤال الذي فرضته الحرب على إيران هو: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في ذلك؟ وبأي مخزون؟ وعلى أي جبهة؟ وفي أي توقيت؟
هذه هي المسافة بين القوة العسكرية الخام وبين القدرة على إدارة حرب طويلة.
فالدولة لا تحتاج فقط إلى السلاح الذي تملكه، بل تحتاج أيضاً إلى السلاح الذي تستطيع تعويضه، وإلى الاحتياطي الذي تستطيع الاحتفاظ به، وإلى القدرة على القتال اليوم من دون أن تكشف نفسها أمام أزمة أكبر غداً.
وقد أظهرت تقديرات أميركية أن الكلفة المالية للحرب على إيران ارتفعت إلى عشرات المليارات من الدولارات، بالتوازي مع تصاعد الإنفاق على الذخائر وتعويض الخسائر وإعادة بناء القدرات العسكرية. وهذا يعني أن الفاتورة لم تكن عسكرية فقط، بل مالية وصناعية واستراتيجية أيضاً.
فالمال الذي يُنفق على تعويض ما استُهلك، لا يمكن إنفاقه في الوقت نفسه على كل الأولويات الأخرى. والقدرة الإنتاجية التي تُوجَّه إلى إعادة بناء المخزون، لا تكون متاحة بالسهولة نفسها لتلبية طلبات جديدة أو احتياجات طارئة. أما الوقت الذي تحتاجه المصانع لاستعادة قدرتها، فلا يمكن اختصاره بمجرد الرغبة السياسية. وهنا تصبح القوة أكثر كلفة، لا لأنها اختفت، بل لأن استخدامها بات يفرض ثمناً أكبر على المستقبل.
اليمن يكشف ما بعد إيران
لهذا، فإن المشهد اليمني لا ينبغي قراءته باعتباره قصة منفصلة عن الحرب على إيران. إنه واحد من الاختبارات التي جاءت بعدها. فحين تكون المخزونات في وضع مريح، يمكن لصانع القرار أن ينظر إلى جبهة جديدة بطريقة مختلفة. أما حين تكون المخزونات تحت الضغط، وحين تحتاج بعض الأنظمة إلى سنوات لإعادة بنائها، تصبح كل حرب جديدة مشروعاً له حساب مختلف.
وهنا تحديداً تكمن أهمية اليمن.
ليس لأن واشنطن عاجزة عن مواجهته، بل لأن أي مواجهة واسعة معه ستحتاج إلى موارد عسكرية حقيقية، في لحظة تحاول فيها الولايات المتحدة أصلاً إعادة بناء قدراتها التي استُهلكت في إيران. فاليمن لا يفرض على واشنطن سؤالاً عسكرياً فقط، بل يضعها أمام معادلة استنزاف.
وكلما اتسعت الجبهة، ازدادت حاجتها إلى وسائل الدفاع الجوي، والسفن، والطائرات، والاستطلاع، وحماية القواعد، وتأمين الممرات البحرية، والاستعداد لمواجهة التصعيد المضاد.
أي أنها تعني استهلاكاً جديداً. والاستهلاك الجديد لا يُقاس فقط بما يُطلق في يوم واحد، بل بما يتركه على المخازن وخطوط الإنتاج والجاهزية العسكرية للأشهر والسنوات المقبلة.
من هنا، يصبح الامتناع الأميركي عن التدخل العسكري المباشر في اليمن قابلاً للقراءة بوصفه جزءاً من حساب أوسع، لا بوصفه دليلاً على عجز أميركي مطلق. فواشنطن قد تملك القدرة على التدخل، لكنها لا تريد بالضرورة أن تدفع ثمن تدخل قد يتحول إلى مواجهة طويلة، في وقت لم تُغلق فيه بعد فاتورة الحرب على إيران.
بين طلب الرياض وحسابات واشنطن
بالنسبة إلى الرياض، قد يبدو التدخل الأميركي المباشر خياراً ضرورياً لوقف التهديدات التي تواجهها بسبب اعتداءاتها المتكررة على اليمن، وتحتاج الى حماية منشآتها وخطوطها الحيوية، ومحاولة منع اتساع نفوذ القوات المسلحة اليمنية على امتداد الساحل والطرق البحرية.
لكن بالنسبة إلى واشنطن، فإن الطلب السعودي لا يُقرأ بالضرورة من الزاوية نفسها. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى المعركة باعتبارها شأناً سعودياً فقط، بل تضعها ضمن حسابات إقليمية ودولية أوسع.
هناك الحرب على إيران، وأسعار الطاقة، وأمن الملاحة، وانتشار القوات الأميركية في المنطقة، ومخزونات الذخائر التي تحتاج إلى إعادة بناء، وهناك جبهات أخرى قد تتطلب حضوراً أميركياً في أي لحظة. ومن ثم، فإن إرسال القوات الأميركية إلى مواجهة مباشرة في اليمن قد لا يعني مجرد تقديم مساعدة لحليف، بل يعني فتح مسار عسكري جديد، يمكن أن يفرض على واشنطن التزامات لا يمكن التحكم في سقفها بسهولة.
وهنا يصبح القرار الأميركي أكثر حذراً.
فقد تقدم واشنطن دعماً استخبارياً، أو تساعد في تحديد الأهداف، أو تقدم دعماً سياسياً، أو تعمل على احتواء التصعيد، لكنها قد تتردد في الانتقال من الدعم غير المباشر إلى المشاركة العسكرية المباشرة، لأن الفرق بين الدورين ليس فرقاً في الشكل فقط، بل فرق في حجم الكلفة والالتزام والنتائج المحتملة. وهذا ما يجعل عدم التدخل المباشر في اليمن قابلاً للفهم ضمن سياق الحرب على إيران، حتى من دون الجزم بأن الاستنزاف العسكري هو العامل الوحيد الذي حسم القرار. فالقرارات الكبرى لا تُصنع عادةً بسبب عامل واحد، لكن عندما تتراكم الضغوط، يصبح كل عامل جزءاً من الحساب.
الحرب التي تُقاس بما بعدها
وهنا يمكن إعادة قراءة الحرب الأميركية على إيران من زاوية مختلفة تماماً. ليس فقط من خلال الأهداف التي ضُربت، ولا من خلال عدد الطائرات والصواريخ المستخدمة، ولا من خلال البيانات العسكرية التي رافقت العمليات. بل من خلال السؤال الذي بقي بعدها: ماذا فعلت الحرب بهامش الحركة الأميركي؟
لقد دفعت واشنطن ثمناً عسكرياً وصناعياً ومالياً كبيراً، وأجبرتها على إطلاق برامج واسعة لإعادة بناء المخزونات، ورفعت طلبات شراء الذخائر إلى مستويات كبيرة في عدد من الأنظمة، ووضعت أمام المؤسسة العسكرية مشكلة زمنية لا يمكن حلها بالمال وحده، والأهم أنها جعلت التفكير في أي حرب جديدة أكثر ارتباطاً بما استُهلك في الحرب السابقة.
وهذا هو جوهر المسألة.
إيران لم تكن مجرد جبهة استهلكت الذخائر الأميركية. كانت حرباً جعلت واشنطن تنظر إلى الحرب التالية بعين مختلفة.
فإذا كانت الحرب السابقة قد احتاجت إلى كميات هائلة من الذخائر، وإذا كان تعويض بعضها يحتاج إلى سنوات، فإن فتح حرب جديدة يعني ببساطة أن المخزون الذي يجري استعادته قد يبدأ بالنقصان من جديد قبل أن تكتمل عملية إعادة البناء.
وهنا يصبح القرار السياسي أكثر تعقيداً. لأن الحرب أصبحت أغلى، ولأن هامش الخطأ أصبح أضيق، ولأن كل جبهة جديدة باتت تُقاس، بصورة أوضح، بما ستسحبه من مخزون الحرب التالية.
من إيران إلى اليمن... الفاتورة نفسها
خرجت واشنطن من حرب مكلفة، وتعمل اليوم على إعادة بناء مخزوناتها، فيما تواجه في الوقت نفسه جبهات واحتمالات متعددة. الحرب على إيران اختبرت المسافة بين امتلاك القوة والقدرة على استخدامها من دون استنزاف. واليمن يضع هذه المسافة أمام اختبار جديد.
فكلما ظهر خيار عسكري جديد أمام واشنطن، لن يكون السؤال فقط عن الهدف الذي يمكن ضربه، بل عن الذخيرة التي ستُستهلك، وعن المخزون الذي سيبقى، وعن السنوات التي ستحتاجها المصانع لتعويض ما فُقد، وعن الجبهات الأخرى التي قد تحتاج إلى هذه الموارد.
وهنا تصل فاتورة الحرب إلى أكثر نقاطها حساسية: لم تعد كلفة الحرب على إيران محصورة في إيران، لقد انتقلت إلى الحسابات الأميركية بشأن الحروب التالية.
ومن إيران إلى اليمن، لا يظهر فقط تراجع القوة الأميركية، بقدر ما يظهر شيء أكثر دقة: أن القوة، بعد حرب مكلفة بهذا الحجم، لم تعد مجانية الاستخدام. ربما لم تُسقط الحرب القوة الأميركية، لكنها جعلتها أقل حرية، وأعلى كلفة، وأكثر اضطراراً إلى التوقف أمام حسابات الاستنزاف. وحين تطلب الرياض تدخلاً مباشراً، لا تجد أمامها بالضرورة واشنطن التي دخلت الحرب على إيران. بل واشنطن التي خرجت منها، وهي تحمل فاتورة لم تُغلق بعد، ومخزونات تحتاج إلى سنوات، وجبهات لا يمكن تجاهلها.
وهنا، من إيران إلى اليمن، لا تتغير خريطة المواجهة فقط، بل يتغير أيضاً معنى القوة الأميركية نفسها. فالقوة التي تستطيع الضرب، لكنها تحسب ثمن كل ضربة، ليست القوة نفسها التي تدخل الحرب وهي مطمئنة إلى ما لديها وما يمكن أن تعوّضه. لقد أصبحت كلفة الحرب جزءاً من القرار.
ولم تعد المسألة تتعلق فقط بمن تستطيع واشنطن أن تضربه، بل بمن تستطيع أن تواجهه، وكم تستطيع أن تدفع، وماذا سيبقى لديها بعد انتهاء المعركة.
/إنتهى/