أمل شبيب
ليست كل المعارك التي تغيّر مسار الحروب كبيرة على الخريطة. أحياناً، تختصر تلة واحدة في جنوب لبنان ومضيق بحري في الخليج الفارسي قصة صراع إقليمي كامل، الأولى لأن السيطرة عليها تمنح الكيان الإسرائيلي موقعاً استراتيجياً يريد تحويله إلى ورقة سياسية وعسكرية، والثاني لأن التحكم بممره البحري يضع الولايات المتحدة أمام اختبار يتعلق بالطاقة والتجارة وأمن الملاحة العالمية.
بين "علي الطاهر" وهرمز، تظهر معادلة واحدة: عندما يصبح الحسم الكبير بعيداً، تتحول النقاط الصغيرة إلى أهداف كبرى.
في جنوب لبنان، لم تعد مرتفعات "علي الطاهر" مجرد موقع عسكري. فقد تحولت إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الأميركي–اللبناني–الإسرائيلي، وإلى عقدة تتقاطع فيها حسابات "الجيش الإسرائيلي" والمفاوضات مع لبنان والدور الأميركي، ضمن مشهد إقليمي واسع.
وفي هرمز، وصلت المسألة إلى مستوى مختلف تماماً، فواشنطن التي دخلت الحرب بهدف إضعاف القدرات الإيرانية، وجدت نفسها بعد ستة أشهر أمام هدف أكثر إلحاحاً هو ضمان الملاحة في مضيق تقول التقارير إنه كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20% من الطاقة العالمية. ومع استمرار التهديدات والهجمات على السفن، تحولت حماية المضيق إلى واحدة من أهم أولويات الحرب الأميركية.
هنا تحديداً تكمن المفارقة: القوة الأعظم في العالم والجيش الأقوى في المنطقة يواجهان جغرافيا لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مساحة على الخريطة، بل باعتبارها جزءاً من معادلة عسكرية وسياسية واقتصادية أوسع.
علي الطاهر... التلة التي رفضت الإستسلام
لم تبدأ أهمية "علي الطاهر" مع التصعيد الأخير. موقعها الجغرافي جعلها منذ البداية نقطة مرتفعة ذات قيمة عسكرية، لكن ما جرى خلال الأشهر الماضية نقلها إلى مستوى آخر.
في حزيران الماضي، أعلنت المقاومة الإسلامية في حزب الله أنها أحبطت محاولات إسرائيلية للتقدم باتجاه كفرتبنيت و"علي الطاهر" عبر عدة محاور، في معارك جرت تحت غطاء مدفعي وجوي كثيف.
وبعد ذلك، دخلت التلة في صلب ترتيبات وقف إطلاق النار والمفاوضات الأميركية–اللبنانية–الإسرائيلية.
حاول ولا يزال "الجيش الإسرائيلي" السيطرة على التلة، لكن محاولاته لم تحسم المعركة حولها. ولم تنته القصة عند حدود العمليات العسكرية، فاستمر الموقع في إنتاج التوتر السياسي والعسكري، فيما تحدثت مصادر سياسية في "تل أبيب" عن أن التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان يحظى بتفهم أميركي، شرط ألا يؤدي إلى إعادة إشعال الحرب وأن يترافق مع تقدم في المفاوضات التي ترعاها واشنطن.
أي أن التلة دخلت في معادلة تتجاوز العملية العسكرية نفسها: تحرك ميداني يتبعه صراع على تثبيت الوقائع، ثم تفاوض سياسي وحسابات أميركية لمنع اتساع الحرب، وهذا بالضبط ما يجعلها أكبر من مجرد مرتفع.
لماذا يريد الكيان الإسرائيلي "علي الطاهر"؟
الإجابة الإسرائيلية نفسها تكشف جزءاً من الصورة.
فمركز "ألما" الإسرائيلي قال إن المنطقة شهدت في آب هجوماً بمسيّرة متفجرة استهدف قوات إسرائيلية موجودة قرب التلة، وإن الجيش الإسرائيلي رد بضربات في المنطقة.
وفي 27 آب، نقلت وكالات عالمية ومحلية في لبنان أن الطيران الإسرائيلي شن غارات على أحراج "علي الطاهر"، في سياق استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب.
أما المؤسسة البحثية الإسرائيلية التابعة لـ "معهد الاستخبارات ومكافحة الإرهاب،" فقد نشرت في 31 آب تحليلاً مخصصاً لـ"علي الطاهر"، وصفت فيه المرتفعات بأنها ذات أهمية استراتيجية بسبب إشرافها على منطقة النبطية ووقوعها على طرق تصل جنوب لبنان بمناطق أخرى، ونقلت تقديرات بوجود "بنى تحتية تحت الأرض ومقار وأنفاق مرتبطة بحزب الله".
هذه ليست رواية لبنانية عن أهمية الموقع، بل قراءة صادرة عن مؤسسات إسرائيلية نفسها.
ولهذا تصبح المعركة أكثر وضوحاً: الكيان الإسرائيلي لا يتعامل مع "علي الطاهر" باعتبارها مجرد مساحة يريد السيطرة عليها، بل باعتبارها موقعاً يمكن أن يؤثر في منظومة القيادة والاتصال والإمداد والانتشار في المنطقة.
وهنا تبدأ المشكلة:
السيطرة شيء... والاحتفاظ بالسيطرة شيء آخر.
في الحرب، يمكن للجيش أن يصل إلى موقع، لكن الوصول إليه لا يعني بالضرورة أن الموقع أصبح مكسباً استراتيجياً نهائياً، لأن السيطرة تحتاج إلى قوات وحماية وإمداد وتحصين ومنع الهجمات المضادة، والأهم إلى قدرة سياسية على تثبيت النتيجة.
وهذه تحديداً هي المعضلة التي تجعل "علي الطاهر" ملفاً تفاوضياً.
إذا كان بالإمكان الوصول إلى الموقع عسكرياً، فلماذا يحتاج مصيره إلى مفاوضات أميركية – لبنانية – إسرائيلية؟
لأن السؤال لم يعد فقط: من يستطيع الوصول إلى التلة؟ بل: ماذا سيحدث بعد ذلك؟
هل تتحول إلى منطقة احتلال جديدة؟ هل تُسلّم للجيش اللبناني؟ هل تصبح جزءاً من ترتيبات أمنية جديدة؟ وهل يؤدي تثبيت واقع عسكري فيها إلى تصعيد أوسع؟
لهذا تحولت "علي الطاهر" إلى عقدة تفاوضية بقدر ما هي هدف عسكري.
لبنان داخل المعادلات الإقليمية
قد يبدو للوهلة الأولى أن "علي الطاهر" مجرد ملف لبناني محلي، لكن الحرب الإقليمية ألغت إمكانية الفصل الكامل بين جبهات المنطقة.
فلبنان لم يعد معزولاً عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، بل أصبح جزءاً من شبكة الحسابات الإقليمية، بحيث إن أي تصعيد كبير في الجنوب لا يُقاس فقط بنتائجه داخل الحدود اللبنانية، بل بما يمكن أن يفتحه من تداعيات أوسع على توازنات المنطقة.
ولهذا، فإن الحسابات المتعلقة بأي توسع عسكري لا تتوقف عند حدود التلة نفسها، بل تشمل احتمالات اتساع المواجهة وما يمكن أن تفرضه من أثمان سياسية وعسكرية وإقليمية.
وهنا يظهر معنى الردع الحقيقي: ليس فقط في إطلاق الصاروخ، بل في أن يدخل احتمال اتساع المواجهة وثمن الخطوة التالية في حساب القرار قبل أن تبدأ العملية.
من علي الطاهر إلى هرمز
إذا كانت "علي الطاهر" تكشف الكلفة العسكرية والسياسية للصراع على نقطة في البر، فإن هرمز يكشف الكلفة الاقتصادية والاستراتيجية للصراع على نقطة في البحر.
هناك، لا نتحدث عن تلة تشرف على طرق إمداد، بل عن واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.
ولهذا، بعد ستة أشهر من الحرب الأميركية–الإيرانية، تغيرت أولويات واشنطن.
فبحسب ما نقلته وكالة "أسوشييتد برس"، بدأت أهداف الحرب الأميركية بتدمير القدرات النووية والعسكرية الإيرانية وتقليص دعم حلفائها، لكن بعد مرور نصف عام تحولت حماية مضيق هرمز إلى أحد أهم أهداف واشنطن، فيما بقيت أهداف أساسية أخرى غير مكتملة.
وهذه الحقيقة وحدها تقول الكثير: الحرب بدأت بأهداف كبرى، لكن جغرافيا المضيق فرضت نفسها لاحقاً كواحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية.
واشنطن تُصعّد في هرمز... محاولة لكسر ورقة القوة الإيرانية
لم يكن التصعيد الأميركي في مضيق هرمز مجرد تحرك عسكري عابر، بل جزءاً من معركة أوسع تخوضها واشنطن لمحاولة تقليص عناصر القوة الإيرانية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. فالولايات المتحدة تدرك أن هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل ورقة استراتيجية كبرى في يد إيران، قادرة بحكم موقعها الجغرافي على التأثير في الملاحة الدولية والطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي نهاية آب، كشفت تقارير أميركية أن إدارة ترامب كانت تدرس تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران لمنعها من إعادة بناء منظومات الرادار والصواريخ.
وهنا تكمن المفارقة: واشنطن لا تتحرك في هرمز لأنها نجحت في إخراج إيران من المعادلة، بل لأنها ما زالت تحاول ذلك.
فلو كانت إيران قد فقدت قدرتها على التأثير، لما احتاجت الولايات المتحدة إلى دراسة ضربات جديدة، ولما بقي هرمز حاضراً بقوة في حسابات البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية الأميركية. فالمسألة لم تعد فقط كيف تضرب واشنطن إيران، بل كيف تمنعها من الاحتفاظ بالأوراق التي تمنحها القدرة على التأثير.
ومن بين هذه الأوراق يبرز مضيق هرمز. فهرمز ليس هدفاً منفصلاً عن المواجهة مع إيران، بل إحدى ساحات الصراع على قدرتها على فرض المعادلة. ولهذا فإن الضغط العسكري الأميركي حول المضيق لا ينبغي قراءته باعتباره دليلاً على حسم، بل محاولة مستمرة لتغيير ميزان القوة وانتزاع ورقة استراتيجية من يد طهران.
فالولايات المتحدة تستطيع أن تضرب، لكنها لا تستطيع أن تلغي الجغرافيا. وتستطيع أن تستهدف منظومات عسكرية، لكنها لا تستطيع أن تمحو الموقع الذي منح إيران قدرة استثنائية على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
إن قوة إيران في هرمز لا تختصر في منشأة أو منصة يمكن تدميرها، بل في الجغرافيا والموقع والقدرة على فرض الحضور في أي معادلة تتعلق بالمضيق.
ولهذا يصبح هرمز اختباراً لقدرة واشنطن على تحويل تفوقها العسكري إلى نفوذ استراتيجي مستقر. فكل ضربة أميركية جديدة، وكل خطة لمنع إيران من إعادة بناء قدراتها، تؤكد أن المعركة لم تُحسم، وأن السؤال الحقيقي يبدأ بعد الضربة:
هل تستطيع واشنطن انتزاع ورقة القوة الإيرانية، أم أن طهران ستعيد بناء قدراتها وتحافظ على موقعها في المعادلة؟
والممر البحري لا يحتاج إلى إغلاق كامل كي يتحول إلى سلاح. يكفي أن يصبح المرور فيه محفوفاً بالمخاطر، وأن ترتفع كلفة التأمين، وتتردد شركات الشحن، وتتأخر ناقلات النفط، ويرتفع سعر البرميل. في هذه اللحظة، تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى ضغط سياسي.
فالقوة ليست فقط في القدرة على الرد، بل في القدرة على البقاء داخل المعادلة وإعادة إنتاج عناصر القوة.
في هرمز، لا تواجه واشنطن ممراً مائياً فحسب، إنها تواجه جغرافيا تحولت إلى ورقة قوة.
علي الطاهر وهرمز... جغرافيا صغيرة وكلفة كبيرة
في "علي الطاهر"، الأداة هي الجغرافيا، وفي هرمز، الأداة هي الممر البحري. في الأولى، يمكن أن تتحول السيطرة إلى ورقة تفاوض، وفي الثانية، يمكن أن يتحول التهديد الملاحي إلى ورقة اقتصادية. لكن في الحالتين، أصبحت الجغرافيا نفسها جزءاً من معادلات الصراع الإقليمي وكلفة أي مواجهة فيه.
فلبنان دخل بقوة في شبكة الحسابات الإقليمية، بحيث أصبح أي تصعيد كبير في الجنوب مرتبطاً بتوازنات أوسع تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية وحدها. تماماً كما أن مضيق هرمز، بحكم موقعه الاستراتيجي، يبقى في صلب الحسابات المرتبطة بإيران وأمن الخليج الفارسي والملاحة الدولية.
وفي الحالتين، لا تتوقف المعركة عند حدود الموقع نفسه، بل تمتد إلى ما يمكن أن يفتحه أي تغيير فيه من تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية أوسع.
نقطتان على الخريطة... وحرب أكبر من الجغرافيا
ومن "علي الطاهر" إلى هرمز، لا تبدو المسافة بين جنوب لبنان والخليج الفارسي مجرد مسافة جغرافية، بل مسافة تختصر طبيعة الحرب الجديدة في المنطقة.
تلة تحتاج إلى عمليات ومفاوضات وحسابات أميركية، ومضيق يحتاج إلى أسطول وحضور عسكري وإجراءات لحماية الملاحة، وفي الحالتين، القوة العسكرية موجودة، لكن الحسم بعيد ومكلف.
وهنا تكمن المفارقة: كلما تعذّر الوصول إلى حسم كبير، ازدادت أهمية المواقع والنقاط التي تتحول إلى محور للعمليات والحسابات السياسية والعسكرية. لكن استمرار الصراع حول هذه النقاط يكشف في الوقت نفسه أن الحرب الأكبر لم تُحسم.
فلو كان الحسم سهلاً، لما بقي هرمز عنواناً مركزياً في حسابات واشنطن بعد ستة أشهر من الحرب، ولما بقيت علي الطاهر بنداً في العمليات والمفاوضات والحسابات الأميركية والإسرائيلية.
فالقصة لا تكمن في التلة وحدها، كما لا تكمن في المضيق وحده، بل في جغرافيا محدودة المساحة أصبحت قادرة على فرض نفسها على حسابات القوى الكبرى، وجعل أي خطوة فيها مرتبطة بما قد تفتحه من تداعيات أوسع.
وهنا يبدأ الردع الحقيقي: ليس فقط عندما يملك طرف القدرة على إطلاق النار، بل عندما يعرف الخصم أن كل خطوة إلى الأمام قد تفتح أمامه مواجهة أكبر من النقطة التي أراد السيطرة عليها، وأن ثمن الخطوة التالية قد يكون أكبر من المكسب الذي يسعى إليه.
ومن هنا يصبح عناد الموج امتداداً لوعورة الجبل، من مرتفعات "علي الطاهر" في جنوب لبنان إلى مضيق هرمز، تتكرر المعادلة نفسها: مواقع صغيرة في مساحتها، لكنها كبيرة في تأثيرها، تتحول إلى اختبارات حقيقية لقدرة القوة العظمى والجيش الأقوى في المنطقة على فرض إرادتهما.
فحين لا يكون بالإمكان كسر المعادلة، يصبح السعي إلى تغييرها نفسه اختباراً، وحين تصبح حتى النقطة مكلفة، تتحول الجغرافيا إلى طرف في المعركة.
وهنا يصطدم طموح ترامب للهيمنة بجبل لا ينحني وموج لا يُروَّض.
/إنتهى/