أمل شبيب
أدوات مختلفة، والجريمة واحدة: حين تتحول حياة الأبرياء إلى ساحة للحرب
في لحظة واحدة، يمكن أن يتغيّر كل شيء. أن تتحول يد كانت تحمل جهاز اتصال إلى يد تنزف، وأن تنطفئ عينا امرأة كانت تقترب من شاشة صغيرة بحثاً عن رسالة، وأن تنقلب مدرسة كانت تضج بأصوات الطلاب إلى ركام لا يُسمع فيه سوى صراخ الأمهات.
فخلف كل رقم في نشرة الأخبار، هناك بيت كان ينتظر صاحبه، وأم كانت تحضّر الغداء، وطفل كان يحلم بأن يكبر، ودفتر بقي مفتوحاً على صفحة لن تُقرأ أبداً.
من هنا تبدأ الحكاية، من مشهدين تفصل بينهما الجغرافيا، ويختلف فيهما السلاح والأداة والزمان، لكن الألم فيهما يتحدث اللغة نفسها.
في لبنان، وبتاريخ 17 سبتمبر 2024، رنّت أجهزة البيجر قبل أن يتحول ذلك الرنين خلال لحظات إلى انفجارات حصدت أرواحاً وأصابت آلاف الأشخاص، وتبعتها في اليوم التالي موجة تفجير أجهزة لاسلكية.
أجهزة يفترض أنها وُجدت لتسهيل الاتصال أصبحت جزءاً من عملية تفجير واسعة تركت خلفها شهداء وجرحى، بينهم أطفال ونساء، وأشخاص فقدوا أبصارهم أو أطرافهم، وآلاف اضطروا إلى إعادة بناء حياتهم من نقطة لم يختاروها. (
وبعد نحو عام ونصف، وفي 28 فبراير 2026، جاء مشهد آخر من مكان مختلف تماماً: مدرسة "شجرة طيبة" في مدينة ميناب الإيرانية. طلاب داخل الصفوف، كتب ودفاتر وحقائب وأحاديث عادية، ثم وقع الاستهداف، وسقط الركام فوق المدرسة، وبدأ البحث بين الأنقاض عن أطفال كان يفترض أن يعودوا إلى منازلهم، لا أن تُحمل أسماؤهم إلى المقابر. استشهد أكثر من 165 طالبة وطالب، وأصيب أكثر من 100 آخرين.
رقم ثقيل إلى درجة أن العقل يكاد يعجز عن استيعابه، لكنه، مهما كبر، يبقى عاجزاً عن نقل حجم الكارثة، لأن كل واحد من هؤلاء الطلاب لم يكن رقماً، بل حياة كاملة كان يفترض أن تمتد أمامه.
وهنا يصبح السؤال أكبر من حادثتين منفصلتين: ماذا يعني أن يصل العنف إلى المكان الذي يفترض أن يكون أكثر أمناً؟ ماذا يعني أن يتحول جهاز اتصال إلى أداة تفجير، وأن تتحول المدرسة إلى ركام؟
وماذا يحدث عندما تتجاوز الحرب ساحات المواجهة لتدخل البيوت والمستشفيات والمدارس، ويصبح المدني، من حيث لا يدري، جزءاً من معادلة الرعب؟

عندما رنّ البيجر للمرة الأخيرة
لم يكن من يملكون أجهزة البيجر يعرفون أن الصوت الذي يفترض أن يعني وصول رسالة، سيتحول خلال لحظات إلى رسالة موت.
في الضاحية الجنوبية لبيروت، ومناطق من جنوب لبنان والبقاع، بدأت الأجهزة بالاهتزاز والرنين كما لو أنها تحمل إشعاراً عادياً، قبل أن تنفجر في أيدي حامليها أو بالقرب منهم، فتتحول لحظة الاتصال إلى لحظة دماء وفوضى.
لم تكن المأساة في عدد الانفجارات وحده، بل في طبيعة الوسيلة نفسها. جهاز صغير يفترض أن يكون أداة للتواصل أصبح مصدراً للخطر، والشخص الذي يحمله لم يكن يعرف أن الشيء الذي ائتمنه على رسالة قد يحمل في داخله الموت.
وفي اليوم التالي، اتسعت دائرة التفجيرات لتطال أجهزة لاسلكية، لتكتمل موجة خلفت مئات الشهداء وآلاف الجرحى، بينهم أطفال ونساء، ومصابين تعرض عدد كبير منهم لإصابات بالغة شملت فقدان البصر والأطراف.
فحين تُطفأ عين بانفجار، لا تختصر المأساة في كلمة "إصابة"، وحين تُبتر يد، لا تستطيع الأرقام أن تحصي ما فُقد معها من استقلال وحياة يومية ومستقبل.
وراء كل جرح إنسان أُجبر على إعادة ترتيب حياته، وعائلة وجدت نفسها أمام واقع لم تختره. قد ينتهي الانفجار في ثوانٍ، لكن بعض نتائجه تمتد إلى سنوات، وربما إلى العمر كله.

ميناب... حين توقفت الدفاتر عن الكلام
في ميناب، لم تكن المأساة مرتبطة فقط بحجم الخسارة، بل بالمكان الذي وقعت فيه. فالمدرسة ليست منشأة عابرة في حياة الطفل، إنها مساحة يتشكل فيها مستقبله، وتُبنى فيها صداقاته، وتتفتح فيها أسئلته الأولى عن العالم. ولهذا كان وصول القصف إليها أكثر من تدمير مبنى. كان اقتحاماً لمساحة يفترض أن تبقى بعيدة عن منطق الحرب، ومساساً بحق الأطفال في أن يتعلموا ويكبروا بعيداً عن الخوف.
الأطفال لا يرسمون خرائط الحروب، ولا يقررون أهدافها، ولا يوقعون اتفاقاتها، ولا يملكون اختيار بداياتها أو نهاياتها. أقصى ما يشغلهم امتحان الغد، وواجب لم يُنجز. لكن حين يصل الصاروخ إلى المدرسة، فإنه لا يصيب حجارة وجدراناً فحسب، إنه يقطع الطريق أمام مستقبل كان لا يزال في طور التشكّل.
وهنا تحديداً يعجز الرقم عن رواية المأساة. فـ165 ليسوا مجرد عدد في حصيلة، إنهم 165 مساراً بشرياً انقطع دفعة واحدة، و165 عائلة تبدلت حياتها إلى الأبد، و165 مستقبلاً لم يُمنح فرصة الوصول إلى نهايته.

حين يصبح المدني في قلب الاستهداف
قد تفصل بين لبنان وإيران آلاف الكيلومترات، وقد تتبدل الأدوات من جهاز صغير يحمل رسالة إلى مدرسة تعج بأصوات الطلاب، لكن المسافة بين المشهدين تتلاشى أمام حقيقة واحدة: حين تتسع دائرة الحرب، لا يعود المدني مجرد ضحية عابرة في هامش المشهد، بل يصبح الإنسان نفسه في قلب المأساة.
في بيروت، بدأ الموت برنين لم يكن ينذر بشيء، وفي ميناب جاء من السماء ليحوّل الصفوف إلى ركام. وبين جهاز كان يفترض أن ينقل رسالة، ومدرسة كان يفترض أن تحمي طفولة أصحابها، انقلبت تفاصيل الحياة اليومية إلى مصدر للخوف.
وهنا تكمن خطورة الحرب حين تتجاوز ساحات المواجهة المباشرة، فالقصف لا يعود مجرد ضربة تستهدف موقعاً، والانفجار لا يعود مجرد عملية عسكرية، بل يتحول أثرهما إلى خوف يمتد إلى مجتمع كامل، ويزعزع الشعور بالأمان في أكثر الأماكن اعتيادية.
إذا لم تعد وسيلة الاتصال آمنة، ولم تعد المدرسة بمنأى عن القصف، فإن الخطر لا يبقى محصوراً في لحظة الضربة، بل يتحول إلى إحساس دائم بأن الحرب يمكن أن تصل إلى أي مكان.

الجرح الذي لا يظهر في الصور
ليست كل جراح الحرب مرئية، فالدماء يمكن أن تلتقطها الكاميرا، والركام يمكن أن تصوره العدسات، لكن ما تعجز الصورة عن اختزاله هو الخراب الذي يستقر في حياة الإنسان بعد أن يصمت الانفجار.
يمكن للصورة أن تُظهر جسداً مصاباً، لكنها لا تستطيع أن تختصر السنوات التي يعيشها جريح وهو يتعلم كيف يتعامل مع جسد تغيّر من دون إرادته، أو ناجٍ يعود إليه المشهد كلما سمع صوتاً يشبه صوت الانفجار.
فمن فقد بصره لا يخسر الرؤية فحسب، بل يواجه تفاصيل يومية ومستقبلاً مختلفاً. ومن فقد طفله لا يخسر حاضراً فقط، بل أعواماً كاملة كان يفترض أن يعيشها معه، أعياداً ومناسبات وأحاديث وأحلاماً لن تأتي.
أما من خرج من تحت الركام، فقد ينجو بجسده، لكن شيئاً من ذلك الركام قد يبقى عالقاً في داخله زمناً طويلاً.
فبعض آثار الحرب لا تظهر في الصور، لأنها لا تسكن الجدران وحدها، بل تستقر في الإنسان نفسه. حين يخفت الانفجار وتبدأ معركة الذاكرة. بعد أن يخفت هدير الانفجار ويُرفع الركام، تبدأ معركة أخرى: معركة الذاكرة. فالذاكرة ليست مجرد استعادة لما حدث، بل رفض لتحويل الضحايا إلى أرقام عابرة في أرشيف الحروب.
حين نستعيد مشهد ميناب، لا تستوقفنا الحصيلة وحدها، بل ما اختفى خلفها: طلاب كان لكل واحد منهم اسم ووجه وصوت وحلم، ومستقبل انقطع دفعة واحدة قبل أن يأخذ فرصته في الحياة. وحين نستعيد ضحايا تفجيرات البيجر في لبنان، لا تختصر الحكاية في أعداد الشهداء والجرحى، بل في أولئك الذين تغيّرت حياتهم بعد لحظة واحدة، وفي عائلات وجدت نفسها أمام آثار لم تخترها.
ومن هنا يصبح حفظ الذاكرة شكلاً من أشكال العدالة الإنسانية، لأن النسيان لا يمحو الجريمة وحدها، بل يمحو الإنسان الذي كان ضحيتها. ولعل أكثر ما تختصر به الحكاية كلها صورة بسيطة: جهاز اتصال كان يرن ثم صمت، ودفتر مدرسي كان مفتوحاً ثم بقي تحت الركام.
بين الرنين والصمت، وبين الدفتر والركام، تختزل المأساة في حقيقتها الأعمق: كان هنا إنسان يعيش حياته، ثم جاءت الحرب وانتزعت منه حقه في إكمالها.

الإجرام الأميركي ـ الإسرائيلي: حين تصبح حياة المدنيين ساحة للحرب
بين تفجيرات البيجر في لبنان ومجزرة مدرسة "شجرة طيبة" في ميناب، لا تقف المقارنة عند حدود تشابه المشهد الإنساني، بل تمتد إلى طبيعة العنف الذي نقل الحرب من ساحات المواجهة إلى قلب الحياة المدنية.
في لبنان، لم تأت الضربة عبر مواجهة عسكرية تقليدية، بل عبر أجهزة اتصال تحولت إلى أدوات انفجار، وفي ميناب، كان المشهد أكثر فداحة من حيث المكان والضحايا: مدرسة، طالبات، كتب ودفاتر، ثم ضربة وركام.
هنا لا يعود السؤال متعلقاً بالسلاح المستخدم وحده، بل بالقرار الذي يقف خلف استخدامه، وبالحدود التي يفترض أن تفرضها القواعد الإنسانية على القوة العسكرية. فالأسلحة لا تتحرك وحدها، والقرارات العسكرية لا تُتخذ في الفراغ.
وفي الحالتين، لا تنتهي المسؤولية عند لحظة الانفجار، لأن آثار الجريمة تمتد إلى الناجين وعائلاتهم والمجتمع الذي يعيش تبعاتها.
وهذا ما يجعل المسؤولية الأميركية والإسرائيلية قضية تتجاوز البيانات السياسية والعسكرية: من يقرر استخدام القوة يتحمل مسؤولية نتائجها، ولا يمكن أن تختفي تبعاتها خلف لغة العمليات والأهداف العسكرية عندما يكون المدنيون هم من يدفعون الثمن؟

إن أخطر ما تكشفه هاتان الجريمتان هو أن التفوق العسكري والتكنولوجي، حين ينفصل عن الضوابط الإنسانية، يمكن أن يتحول إلى وسيلة لنقل الرعب من الجبهة إلى المجتمع بأكمله.
وهنا تحديداً تتحدد المسؤولية: عندما تتحول أدوات الحياة إلى وسائل للموت، وعندما تصبح المدارس مسرحاً للدمار، لا يعود المدني مجرد رقم في حصيلة حرب، بل يصبح شاهداً على قرار عسكري يجب أن يخضع للمساءلة.
وهنا يكمن جوهر الجريمة التي ارتكبتها أميركا وحليفها الإسرائيلي: لم تقتصر حربهما على ساحات القتال، بل تجاوزتها لتغزو تفاصيل الحياة اليومية، وتجعل من البيوت والمدارس والمستشفيات أهدافاً مشروعة، وكأن المدنيين لم يعودوا مجرد ضحايا عابرين، بل أصبحوا جزءاً من معادلة الحرب ذاتها.
ففي اللحظة التي يتحول فيها جهاز اتصال إلى قنبلة، وتتحول المدرسة إلى هدف، تكون الحرب قد تجاوزت كل الحدود، وأعلنت أن لا خطوط حمراء، ولا أماكن آمنة، ولا حياة تستحق الاحترام. هذا هو الإجرام بعينه: نقل ساحة الحرب من الميدان إلى حياة المدنيين، وتحويل المدن والمدارس والبيوت إلى ساحات قتال، وكأن كل إنسان أصبح هدفاً، وكل مكان مسرحاً للموت.

وجوه تحت الركام.. وأصوات في الذاكرة
هناك صور تبقى أطول من الحرب: دفتر مدرسي تحت الركام، حقيبة صغيرة بين الأنقاض، جهاز اتصال صامت بعد أن كان يرن. قد تبدو هذه الأشياء صامتة، لكنها أحياناً تختصر ما تعجز عنه آلاف الصور والبيانات.
الزمن قد يمضي، والمدن قد تستعيد ضجيجها، والجدران قد تُرمم، لكن ما حدث لا ينتهي بانتهاء المشهد. هناك حياة انقسمت إلى ما قبل الانفجار وما بعده، وعائلات أعادت ترتيب أيامها حول غياب لم تختره، وناجون يحملون في أجسادهم وذاكرتهم ما تبقّى من تلك اللحظة.
وبين الرنين والصمت، وبين الدفتر والركام، تختزل المأساة حقيقتها الأعمق: حياة كانت تمضي، ثم جاءت الحرب لتنتزع منها حقها في الاستمرار. وما يُنتزع من الإنسان بالقوة، لا يُمحى بالنسيان.
/إنتهى/