وكالة تسنيم الدولية للأنباء - هنا همدان، عاصمة التاريخ والحضارة الإيرانية، المدينة التي لا تُشاهد بالعين فحسب، بل تُعاش بالقلب. في أزقتها يتجول التاريخ، وتحمل الرياح قصص القرون الغابرة من قمم جبال "ألوند" لتنثرها في ساحاتها. هنا "هكمتانه" (أكباتان القديمة)، موطن الميديين وأول عاصمة للامبراطورية الإيرانية، حيث يفوح عبق الأصالة من كل ركن فيها، مدينةٌ صخورها هرمة لكن روحها شابة لا تشيخ.
في قلب هذا المجد التاريخي والثقافي، يرتفع ضريح هادئ ومهيب، يشكل ملاذاً لروح الإنسان المعاصر المتعبة بجوار روح العارف والشاعر الإيراني الكبير "بابا طاهر عريان"؛ شاعر الألم، وعارف البساطة، والصوت اليقظ دوماً لقلب إيران. عندما تطأ قدمك ساحة بابا طاهر، وقبل أن تأسر عينيك عظمة البناء، يشعر قلبك بسكينة نبيلة نادراً ما تجدها في صخب الحياة المعاصرة.
تنساب النسمات القادمة من جهة جبل "ألوند"، لتمر بين الأعمدة الحجرية للضريح، وكأنها تعيد بث قصائد "الدوبيت" (الرباعيات) الخاصة ببابا طاهر في الهواء؛ تلك الأبيات التي بكى معها الإيرانيون لقرون، وعشقوا من خلالها، وواسو بها وحدتهم.

شعرٌ ينبض بلغة الشعب
يُعدّ "بابا طاهر عريان" أحد أبرز أعلام الأدب العرفاني (الصوفي) في العصر السلجوقي. رجلٌ نبعت لغة شعره من طين الأرض ونبض الشعب؛ فجاءت بسيطة، صادقة، عفوية ونقية كشلال ماء. لم يُخفِ ألمه، ولم يزيّن عشقه بالمصطلحات، ولم يلفّ الحقيقة بالغموض، ولهذا لُقّب بـ "العريان"، أي الشخص الذي تجردت روحه وكلماته من أي رياء أو مواربة. بفضل هذه العفوية، ما زالت رباعياته بعد مرور قرون طازجة وحية، وكأنها خرجت للتو من قلب رجل عاشق ووحيد.

الجغرافيا الخالدة: أين يقع الضريح؟
يقع الضريح في الجزء الشمالي من مدينة همدان، ويتوسط ساحة فسيحة تحمل اسم الشاعر نفسه، ليصبح اليوم أحد أهم الوجهات الثقافية والتاريخية والأدبية في إيران. إن زيارة هذا المكان تتجاوز فكرة تأمل العمارة، لتتحول إلى تجربة وجدانية عميقة، يشعر معها الزائر - إيرانيّاً كان أم أجنبيّاً - وكأنه يلتقي مجدداً بجزء منسيّ من روحه.

سكينة صوفية تمتد من السلاجقة حتى يومنا هذا
تعود الجذور التاريخية للموقع إلى العهد السلجوقي، حيث أقيم آنذاك بناء من الطوب بثمانية أضلاع فوق قبر الشاعر، لكنه تعرض للدمار مع مرور الزمن. وفي العهد البهلوي، شُيّد بناء آخر في الموقع نفسه، إلى أن تم في عام 1965 إنشاء الضريح الحالي بتصميم هندسي رائع من المهندس "فروغي"، ليصبح اليوم أحد أبرز الروائع العمارة الإيرانية المعاصرة. وفي عام 1997، أُدرج هذا الأثر القيم ضمن قائمة الآثار الوطنية لإيران، ليتخلد اسم بابا طاهر في الهوية الرسمية للبلاد كما هو خالد في ذاكرة شعبها.

عبقرية الهندسة: تجسيد الشعر في قالب من الحجر والضوء
تجمع عمارة الضريح بين الهيبة والبساطة والروحانية، تماماً مثل شخصية بابا طاهر. يرتكز البناء الأساسي على قاعدة ثمانية الأضلاع، ويرتفع عن مستوى الشارع بنحو 25 متراً. وتمنح الأعمدة الشاهقة المصنوعة من حجر الغرانيت الصلب المكان طابعاً روحانيّاً وجلالاً خاصاً. تلمع الواجهة البيضاء للبناء تحت أشعة شمس همدان، بينما تكتسي في الليل بإضاءة خافتة وساحرة تمنحها مظهراً شاعريّاً، وكأن الشعر قد تجسد هنا في قالب من الضوء والحجر.
تتزين أسقف الضريح بزخارف القيشاني والموزاييك المعرق، وتتألق النقوش والكتيبات البديعة على الجدران. لكن الجزء الأكثر تأثيراً في هذه المجموعة هو 24 قطعة من حجر الرخام نُحتت عليها رباعيات الشاعر ووُزعت في أرجاء المحيط. يمشى السياح بهدوء بجانب هذه الصخور، يهمسون بالأشعار تحت أنفاسهم، ويغرقون - دون وعي - في صمت عميق. في تلك اللحظة، تشعر وكأن بابا طاهر لا يزال ههنا، رجلاً يجلس على سفح جبل ألوند، بعينين متعبتين وقلب يفيض بالعشق!
إن زيارة ضريح بابا طاهر ليست مجرد جولة في معلم تاريخي، بل هي تجربة إنسانية وعاطفية دافئة. هنا يبتعد المرء فجأة عن إيقاع الحياة اليومية المتسارع؛ تتباطأ خطواتك، وتتعمق نظراتك، ويلين قلبك. ربما لهذا السبب يشعر الكثير من المسافرين بعد مغادرة المكان أن شيئاً ما قد تغير في داخلهم، وكأنهم أصبحوا أكثر إنسانية بعد دقائق قضوها في رحاب الشعر.

بوابتك إلى الهدوء الداخلي
تُعد همدان، المعروفة بعاصمة التاريخ والحضارة الإيرانية، واحدة من أهم الوجهات السياحية في البلاد بفضل معالمها التاريخية والطبيعية التي لا تُحصى. لكن ضريح بابا طاهر ينفرد بأجواء ساحرة وخاصة جداً، حيث لا يحضر التاريخ وحده، بل يمتزج بالمشاعر والوجدان، ليروي حكاية حية عن تلاحم الشعر، والتصوف، والهوية الإيرانية.
تتميز عملية الوصول إلى الضريح بالسهولة التامة، حيث يقع في إحدى الساحات الرئيسية لمدينة همدان، ويمكن للسياح الوصول إليه عبر السيارات الخاصة، أو سيارات الأجرة، أو حافلات النقل الداخلي. لكن الحقيقة هي أن الطريق إلى ضريح بابا طاهر ليس مجرد مسار حضري، بل هو رحلة تأخذك من صخب العالم الخارجي إلى سكينة عالمك الداخلي. ولعل هذا هو سر خلود بابا طاهر؛ أن شعره ما زال يفيض بالإنسانية.
ما زال بإمكانك الوقوف بجانب ضريحه، وتأمل جبل "ألوند" الشامخ، لتشعر بكل جوارحك أن العشق والتصوف في هذه الأرض.. لا يموتان أبداً.

/انتهى/