وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن الأحياء القديمة في بوشهر، وعلى رأسها أحياء "بهبهانيها، دهدشتي، كوتي، شنبدي"، تمثل الهوية التاريخية لهذا الميناء العريق. وفي قلب هذا النسيج العمراني الثمين، يبرز بيت فخم شاهق الارتفاع يعرف بـ"بيت الطبيب"، شُيّد في العصر القاجاري بأمر من أحد كبار التجار الأثرياء آنذاك، وهو "ملك التجار".
.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن هذا البناء كان مختلفاً بشكل لافت عن غيره من المباني المعاصرة له في بوشهر. ويُقال إن ملك التجار، خلال رحلاته التجارية إلى فرنسا وزيارته لمدينة باريس، تأثر بشدة بأحد القصور الفرنسية، لدرجة أنه استقدم معماري ذلك المبنى معه إلى بوشهر. وبمزج رؤيته الشخصية مع خبرة المعمار الفرنسي، نشأ بناء يجمع بين الطرازين الإيراني والأوروبي.
وقد استُخدمت في تشييد هذا البناء الطويل المترامي الأطراف مواد محلية، وتتميز تصميماته باحتوائه على أفنية واسعة وشرفات خشبية أنيقة، كما صُمم بطريقة تتيح للسكان الانتقال إلى الطوابق العليا خلال فصل الصيف هرباً من حرارة بوشهر اللاهبة، للاستفادة من التيارات الهوائية في الحصول على درجة حرارة أكثر اعتدالاً.
واليوم، وبعد أن أُدرج هذا المعلم التاريخي في قائمة الآثار الوطنية الإيرانية، أصبح مقراً لمؤسسة دراسات بوشهر، ليشكّل بذلك فرصة ثمينة للتعريف بتاريخ وفن وعمارة هذه المنطقة للباحثين والسياح، كمّا يعد رمزاً للازدهار الاقتصادي والثقافي الذي شهدته بوشهر في العصر القاجاري.

عمارة بوشهر القاجارية الفريدة؛ منافس لموانئ المنطقة التجارية
في هذا السياق، اعتبر عبدالكريم مشايخي، رئيس مؤسسة دراسات إيرانية– فرع بوشهر، في حديث لمراسل "تسنيم"، النسيج العمراني القديم للمدينة واحداً من أثمن الموروثات المعمارية في إيران، التي بلغت أوج ازدهارها في العصر القاجاري.
وأشار مشايخي إلى قدم ميناء بوشهر التاريخي، موضحاً أنه ورغم وجود شواهد وروايات تشير إلى أن بعض الطبقات المعمارية، ومنها لمحات من الطراز القوطي، قد تعود إلى العصر الصفوي وحتى فترة الوجود البرتغالي في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، إلا أن الركيزة الأساسية والراسخة للنسيج التاريخي للمدينة قد تشكلت في فترة حكم آل مذكور، التي امتدت من حوالي 1750 إلى 1850 ميلادية. ومنذ عهد الشيخ ناصر، تسارعت وتيرة الإعمار والبناء، ومع توقيع الاتفاقيات التجارية بين إيران وبريطانيا وإنشاء القنصلية البريطانية عام 1812، تحولت بوشهر تدريجياً إلى مركز حيوي للتبادل البحري والتجارة الإيرانية.

ولفت رئيس المؤسسة إلى أن هذه التطورات استقطبت كبار التجار من مدن كازرون وتبريز وهمدان وشيراز إلى بوشهر، كما ساهم نشاط التجار الأرمن واليهود والألمان والهولنديين في تعزيز الحركة الاقتصادية والتوسع العمراني.
وأكد مشايخي أن الفترة القاجارية كانت ذروة ازدهار النسيج التاريخي لبوشهر، حيث كانت تُعتبر الميناء التجاري الأبرز في إيران، ونشطت فيها العديد من البعثات السياسية والاقتصادية الأجنبية. وأوضح أن التنافس بين العائلات التجارية في ذلك العصر أدى إلى تشييد عمائر ضخمة وفخمة، لدرجة أنه وِفق بعض المصادر، تجاوز عدد هذه العمائر في بوشهر الأربعمائة مبنى.
ووصف مشايخي هذه العمائر بأنها تميزت باستخدام خشب الساج، والزجاج الملون المستورد، والأبواب والنوافذ الثمينة، مع تصميمات متلائمة مع المناخ المحلي، مما شكّل وجهاً معمارياً فريداً لبوشهر؛ وجهاً لا يزال جزء منه ماثلاً في الأحياء الأربعة القديمة، بينما بات الجزء الآخر مدفوناً في ذاكرة الناس وفي طيات الوثائق التاريخية.
وفي ختام حديثه، أشار مشايخي إلى تراجع المكانة الاقتصادية لبوشهر، موضحاً أن الفترة التي تلت عهد مظفر الدين شاه، والحرب العالمية الأولى، وخصوصاً صعود رضا شاه، كانت بمثابة بداية أفول نجم هذا الميناء. فمع انتقال المحاور الاقتصادية والبنى التحتية الرئيسية إلى محافظة خوزستان (من إنشاء سكة حديد ومصافٍ لتكرير النفط)، فقدت بوشهر تدريجياً موقعها المتميز، وغادرها معظم تجارها الكبار.
/انتهى/