أمل شبيب
في مايو/أيار 1983، وقّعت حكومة أمين الجميّل، برعاية أميركية، اتفاقاً مع الكيان الإسرائيلي، عُرف بـ"اتفاق 17 أيار". ذلك الاتفاق الذي منح "إسرائيل" يومها شرعية وجودٍ في الجنوب، وجعل الدولة اللبنانية شريكاً في ترتيبات أمنية كانت تهدف إلى تطبيع الاحتلال، وتثبيت هيمنة الكيان على جنوب لبنان.
لكن الجنوب كان له رأي آخر، في ذلك اليوم رفضه المقاومون، وأسقطته الإرادة الشعبية، وسقط معه المشروع في مياه التاريخ، ولم يبق منه سوى درسٍ يتكرر: أن لبنان لا يُقسّم بالاتفاقات، وأن الجنوب لا يباع بالبنود، وأن الدماء التي روت ترابه تكتب نهايات تختلف عن كل ما يخطّه المحتلون وأذنابهم.
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، تعود الرعاية الأميركية، وتعود البنود التي تنقل المسؤولية إلى الدولة اللبنانية، وتعودة "هندسة البيئة الأمنية" التي تمنح الكيان حق الفيتو على تنفيذ الاتفاقات.
ففي خضم الحرب على لبنان، أعلن نتنياهو أن "النصر الساحق" هو الهدف الوحيد القابل للقبول، معتقداً أن القوة العسكرية قادرة على حسم المعادلة. لكن الأشهر التالية كشفت أن ما يُكتسب في الميدان لا يتحول بالضرورة إلى مكاسب سياسية دائمة.
محاولات وضغوطات مختلفة من مختلف الدول سعت بكل جهدها لحماية الكيان الإسرائيلي، فجاء الاتفاق الإطاري بين لبنان والكيان، برعاية أميركية، ليطرح سؤالاً أعمق مما يبدو على السطح: هل هذا الاتفاق هو بداية تحول استراتيجي إسرائيلي، أم مجرد هدنة تكتيكية تمنح الطرفين فرصة لإعادة التموضع؟
في قراءة هذا الاتفاق، لا يمكن الوقوف عند بنوده الأمنية فقط. فما يجري في واشنطن يتجاوز ترتيبات الانسحاب ونزع السلاح، ليصل إلى جوهر التحول في العقيدة الإسرائيلية: الانتقال من "الحسم العسكري" إلى "هندسة البيئة الأمنية".
لكن الجنوب اليوم، كما كان بالأمس، لم يتغيّر. وهنا، في هذا المشهد المتكرر، يطرح السؤال نفسه من جديد:
بين منطق النصر ومنطق الهندسة: هل يتحقق حلم إسرائيل في لبنان؟ أم أن هذا الاتفاق، كسابقه، سيكون مجرد محطة جديدة في طريق المقاومة، تنتهي كما انتهت كل المشاريع التي راهنت على تثبيت الهيمنة الإسرائيلية فوق أرض تعرف كيف تدفع الثمن، ولا تبيع التراب.
القوة لا تصنع الاستقرار: عندما يصطدم الجيش الإسرائيلي بجدار المقاومة
منذ 7 أكتوبر 2023، رفع الكيان الإسرائيلي سقف خطابه إلى الحديث عن القضاء على مصادر التهديد، في غزة وشمالاً. وفي لبنان، لم يعد الهدف مجرد ردع حزب الله، بل تفكيك قدراته العسكرية وإنهاء دوره بصورة نهائية.
عندما أُعلن اتفاق نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، قدّمته "إسرائيل" باعتباره دليلاً على نجاح هذه المقاربة. لكن عودة حزب الله إلى المواجهة في مارس/ آذار 2025، في سياق الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، كشفت أن التنظيمات المقاومة المرتبطة بقواعد شعبية ومحاور إقليمية يصعب إخراجها نهائياً بالقوة العسكرية وحدها.
فالحسم العسكري، حتى لو حقق نجاحات ميدانية كبيرة، لا يعني إنهاء التهديد، لأن حزب الله وهذه التنظيمات تمتلك قدرة على إعادة التموضع واستثمار التحولات الإقليمية. وهنا أدرك الكيان الإسرائيلي أن القوة وحدها لا تكفي لتحقيق أهدافه السياسية بصورة مستدامة.
ما هي "هندسة البيئة الأمنية"؟
هندسة البيئة الأمنية تعني الانتقال من هزيمة الخصم عسكرياً إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية والمؤسسية المحيطة به، بما يقلل من قدرته على إعادة إنتاج التهديد.
في هذا السياق، لم تعد القوة العسكرية تُطرح باعتبارها الوسيلة الوحيدة لإنهاء التهديدات، بل أصبحت أداة لتهيئة بيئة سياسية وأمنية جديدة، تشارك في إدارتها الدولة اللبنانية، والولايات المتحدة، والمجتمع الدولي، مع احتفاظ "إسرائيل" بحق التدخل إذا فشلت هذه المنظومة.
وهذا يعني أن "إسرائيل" لم تتخلَّ عن القوة، بل أعادت تعريف دورها: من "منفذة" للضربات إلى "مراقبة" و"ضامنة" لتنفيذ الترتيبات الجديدة.

الاتفاق كصيغة هجينة: الردع العسكري في خدمة السياسة
تكشف بنود الاتفاق عن هذا التحول بوضوح:
- لم يعد الهدف أن يتولى الكيان الإسرائيلي وحده إزالة "تهديد حزب الله"، بل أن تتحمل الدولة اللبنانية المسؤولية القانونية والأمنية عن "احتكار السلاح".
- يتولى الجيش اللبناني فرض السيطرة على المناطق الحدودية.
- تشرف الولايات المتحدة على تنفيذ الالتزامات.
- يرتبط دعم إعادة الإعمار بالتقدم في هذا المسار.
لكن ما تسمى "إسرائيل" لم تخسر أدواتها الأساسية. فالانسحاب ليس تلقائياً، بل يبقى مشروطاً بنتائج التحقق من تنفيذ الالتزامات. كما تحتفظ بوجود في "مناطق أمنية انتقالية"، وحقها في استئناف العمل العسكري إذا رأت أن حزب الله يعيد بناء قدراته أو أن الدولة اللبنانية أخفقت في تنفيذ التزاماتها.
إنها صيغة تجمع بين الردع العسكري والاتفاق السياسي، بحيث تصبح القوة العسكرية أداة لضمان تنفيذ الاتفاق، لا بديلاً عنه.
تقاطع المصالح الإسرائيلية – الأميركية: أمريكا شريك في الضغط، لا وسيطاً
يمنح الاتفاق الولايات المتحدة دوراً يتجاوز الوساطة التقليدية. فهي تصبح شريكاً في إعادة تصميم البيئة الأمنية في المنطقة، من خلال صياغة الاتفاقيات، والإشراف على التنفيذ، والتحقق من نزع السلاح، وقيادة آلية التنسيق الأمني، وربط المساعدات وإعادة الإعمار بالالتزام بالترتيبات الجديدة.
وهذا يعكس تقاطعاً مهماً بين المصالح الأميركية والإسرائيلية. فالولايات المتحدة لم تُخفِ، منذ بداية الحرب، شكوكها في قدرة القوة العسكرية وحدها على إنهاء دور الفاعلين المسلحين، وكانت تدفع نحو مقاربة تجمع بين الضغط العسكري، وتقوية مؤسسات الدولة، والاتفاقات السياسية، والرقابة الدولية.
ويبدو أن الكيان الإسرائيلي، بعد اختبار حدود الحسم العسكري، أصبحت أكثر استعداداً لتبني هذه المقاربة، ولكن من دون التخلي عن قوتها العسكرية.

عندما تلتقي المصالح: ثلاث معضلات استراتيجية في خدمة نتنياهو
في سياقه السياسي، يمنح الاتفاق حكومة نتنياهو فرصة لمعالجة ثلاث ازمات كانت تتقاطع داخلياً وخارجياً:
أولاً: العلاقة مع الولايات المتحدة
كان نتنياهو يواجه معادلة معقدة: إما الاصطدام بالإدارة الأميركية التي كانت تدفع نحو ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، أو الظهور بمظهر الخاضع لضغوطها. يمنحه الاتفاق مخرجاً ثالثاً، إذ يستطيع أن يقدم نفسه شريكاً في صياغة رؤية أميركية-إسرائيلية مشتركة لإعادة "هندسة البيئة الأمنية" في لبنان.
ثانياً: المفاوضات الأميركية-الإيرانية
سعت إيران إلى إبقاء الساحة اللبنانية جزءاً من معادلة التفاوض مع الولايات المتحدة، بما يجعل أي انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان مرتبطاً بمسار التفاهمات مع طهران. لكن الاتفاق يسعى لمنح الكيان فرصة لفصل المسارين، وتقديم الانسحاب بوصفه نتيجة اتفاق مباشر مع الدولة اللبنانية، وليس استجابة لشروط إيرانية.
ثالثاً: تفكيك حزب الله
تفكيك حزب الله ونزع سلاحه يتطلب زمناً طويلاً وكلفة بشرية واقتصادية مرتفعة. يغير الاتفاق هذه المعادلة، إذ تصبح عملية نزع السلاح مسؤولية لبنانية في المقام الأول، وأميركية ودولية في المقام الثاني، بينما تتحول "إسرائيل" إلى طرف يراقب التنفيذ ويحتفظ بحق التدخل.

الفيتو الإسرائيلي وهشاشة النموذج: عندما تبقى الكلمة الأخيرة للمدافع
ورغم نقل جزء كبير من المسؤولية إلى الدولة اللبنانية والولايات المتحدة، فإن الكيان الإسرائيلي لم يتخلَّ عن أدواته الأساسية.
الانسحاب يبقى مشروطاً، و"المناطق الأمنية الانتقالية" تمنحها قدرة على مراقبة التطورات ميدانياً، كما أن "حقها" في استئناف العمليات العسكرية إذا رأت أن "التهديد" عاد إلى الظهور، يمنحها عملياً "حق الفيتو" على تنفيذ الاتفاق.
وبذلك، لا تنتقل "إسرائيل" من موقع الفاعل إلى موقع المتلقي، وإنما تبقى صاحبة الكلمة الأخيرة في تقييم نجاح المسار الأمني الجديد.
لكن نجاح هذه "الهندسة الأمنية" مرهون بقدرة الدولة اللبنانية فعلياً على انتزاع القرار العسكري من حزب الله، وهو أمر لا يتحقق بالنصوص والضمانات الأميركية وحدها، بل بتحولات متزامنة؛ إقليمية تتعلق بمستقبل محور المقاومة بقيادة إيران، ومحلية تتعلق بإعادة بناء التوافق اللبناني الداخلي حول احتكار السلاح.

الاتفاق وانتخابات الكنيست: نتنياهو يغيّر رواية الحرب
مع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلية، يحتاج نتنياهو إلى إعادة تعريف مفهوم "النصر الساحق" في الحرب. بعد أن رفع سقف التوقعات من خلال ربط النصر بالحسم العسكري، أصبح أكثر واقعية أن يقدم للناخب الإسرائيلي إنجازاً مختلفاً: ليس القضاء النهائي على حزب الله، وإنما إنشاء منظومة أمنية جديدة تضمن "أمن إسرائيل" على المدى الطويل.
وفق هذه الرواية، لم تنسحب "إسرائيل" تحت الضغط، بل فرضت نموذجاً أمنياً جديداً يمنحها حرية العمل العسكري، ويُلزم الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولية منع عودة حزب الله، ويجعل الولايات المتحدة شريكاً في ضمان تنفيذ هذه الالتزامات.
وبذلك، يمكن للإتفاق أن يمنحه رواية سياسية أكثر قابلية للدفاع عنها في الداخل، لأنها تنقل النقاش من "هل انتهى حزب الله؟" إلى "هل أصبحت البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل أكثر أمناً؟"
هل يؤسس الاتفاق لعقيدة أمنية جديدة؟
إذا كان هذا الاتفاق يمثل كا يُقال بداية مرحلة ما بعد الحسم العسكري، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في صياغة الترتيبات الأمنية، بل في القدرة على تنفيذها.
وسيظل نجاح هذا النموذج رهناً بقدرة الدولة اللبنانية على فرض احتكارها للسلاح، واستمرار الالتزام الأميركي برعاية الاتفاق، وباستعداد "إسرائيل" نفسها للالتزام باستراتيجية طويلة الأمد تقوم على إدارة البيئة الأمنية، بدلاً من العودة إلى منطق الحسم العسكري كلما عاد التهديد إلى الظهور.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يؤسس هذا الاتفاق لـ "عقيدة أمنية إسرائيلية جديدة"، أم أنه مجرد استراحة مؤقتة تفرضها حدود القوة العسكرية قبل جولة أخرى من الصراع؟
الجواب، كما يبدو، ليس في نصوص الاتفاق، بل في ما ستفعله الأطراف عندما تتحرك الخطوط على الأرض، وحينها سنعرف ما إذا كانت هذه "الهندسة الأمنية قد نجحت، أم أنها مجرد حلقة جديدة في صراع لا نهاية له.

من 17 أيار إلى 2026: دروس لا تُنسى في مواجهة المشاريع الإسرائيلية
ورغم كل ما كُتب في بنود هذا الاتفاق، ورغم محاولات الدولة اللبنانية و"إسرائيل" وأمريكا إعادة هندسة المشهد، ورغم رهان الدولة اللبنانية على أنها قادرة على أن تكون حارسة للحدود بإسم الكيان، تبقى حقيقة واحدة لا تنفيها النصوص، ولا تغيّبها الضمانات: "هذا الاتفاق، بكل ما يحمل من وعود وتفاصيل، لن يرى النور".
لأن الجنوب ليس مجرد أرضاً تُباع وتُشترى، وليس منطقة تُفاوض عليها الدول، بل هو "ذاكرة حية، وقبور شهداء، وعهود لم تُخن".
لأن حزب الله، الذي صنع معادلاته بدمائه، لا يحتاج إلى رعاية أمريكية، ولا إلى تفويض لبناني، ليكون درعاً للجنوب.
الجنوب يحميه أهله، ويدافع عنه رجاله، ويحرّره دماء شهدائه.
كما لم يمر اتفاق 17 أيار في ثمانينيات القرن الماضي، وكما سقطت كل المشاريع التي راهنت على تثبيت الهيمنة الإسرائيلية، فإن هذا الاتفاق "سيكون نهايته أقسى من كل الذي سبقه".
ليس لأنه سيُرفض، بل لأنه سيواجه إرادة لا تنكسر، وقوة لا ترهن، وأمة تعرف كيف تدفع الثمن ولا تبيع الأرض.
أما الدولة اللبنانية التي تخوض اليوم اختباراً وجودياً، فتقف أمام لحظة تاريخية لا تحتمل التردد:
هل تكون دولةً لأبنائها، أم حارسةً لحدود الكيان؟
هل تكون جزءاً من المقاومة، أم أداة لتفكيكها؟
حتى الآن، تبدو الخيارات مشبوهة، والمواقف مربكة، والرهانات خاسرة.
لكن الجنوب يعرف طريقه، وحزب الله يعرف واجبه، والتاريخ يعرف من يكتب نهاياته بدماء الشهداء، لا بأقلام المحتلين.
هذا الاتفاق، كغيره، سيكون مجرد ومضة عابرة في طريق طويل، عنوانه المقاومة، ومصيره النصر، ونهايته لا يكتبها إلا من يملكون القرار في الميدان، لا من يملكون الأقلام في واشنطن و"تل أبيب".
والجنوب باقٍ، والمقاومة باقية، والعهد مستمر، مهما تعاقبت الاتفاقات، ومهما تشابكت المصالح، ومهما راهن الراهنون على انكسار من لا ينكسرون.
/إنتهى/