د. قحطان الظالمي _ صحفي

وفي العصر الحديث برزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها دولةً تبنت خطاب الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية ورفض الهيمنة الصهيونية مستندةً إلى الإرث العقائدي الذي تأسست عليه الثورة الإسلامية بقيادة آية الله السيد الخميني ثم استمرار هذا النهج تحت قيادة شهيد الامة الاسلامية آية الله الامام الخامنئي رضوان الله عليهم.
لقد استطاعت الجمهورية الإسلامية أن تؤسس نموذجا سياسيا مختلفا في المنطقة يقوم على المزج بين العقيدة والدولة وبين الهوية الإسلامية والقرار السيادي المستقل وعلى الرغم من العقوبات والحصار والضغوط السياسية والعسكرية والإعلامية حافظت إيران على تماسك مؤسساتها وقدمت نفسها بوصفها دولة تمتلك مشروعا واضحا في مواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.
وفي خضم الصراعات الإقليمية أثبتت القيادة الإيرانية قدرتها على إدارة الأزمات المعقدة عبر مزيج من الصبر الاستراتيجي والعمل السياسي والدعم العسكري لحلفائها وهو ما منحها حضورا مؤثرا في معادلات الشرق الأوسط كما أن التفاف قطاعات واسعة من الشعب الإيراني حول دولتهم في أوقات التصعيد والحروب والعقوبات أظهر أن العلاقة بين القيادة والقاعدة الشعبية ليست قائمة فقط على المصالح بل على شعور عقائدي وهوياتي يعتبر الحفاظ على الدولة جزءا من معركة الكرامة والسيادة.
ولعل من أبرز ما أظهرته الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية هو قدرتها على تحويل الضغوط إلى عناصر قوة فالعقوبات دفعتها إلى تطوير صناعاتها المحلية والحصار أسهم في تعزيز الاعتماد على الذات بينما أدت المواجهات الأمنية والعسكرية إلى بناء منظومات دفاعية وصاروخية متقدمة فرضت حضورها في المنطقة.
كما استطاعت إيران أن تقدم نفسها أمام أنصارها ومحورها السياسي باعتبارها داعماً للقضية الفلسطينية ورافضا للتطبيع مع إسرائيل وهو ما منح خطابها قبولا لدى شرائح واسعة من المجتمع ترى في الموقف الإيراني حالة مواجهة مع مشاريع الهيمنة الغربية في المنطقة.
وفي المقابل فإن ما تعتبره طهران “محور مقاومة” أصبح بالنسبة لأنصارها امتداداً لنهج تاريخي قائم على رفض الخضوع فيما يرى خصومها أنه مشروع نفوذ إقليمي إلا أن الثابت أن إيران نجحت في فرض نفسها رقما صعبا في المعادلات السياسية والعسكرية وأنها استطاعت الحفاظ على استقرار نظامها رغم التحديات المتراكمة.
إن التجربة الإيرانية سواء اتفق معها البعض أو اختلف أثبتت أن امتلاك العقيدة السياسية الواضحة والقيادة الثابتة والقدرة على تعبئة الجمهور عوامل قادرة على صناعة النفوذ والاستمرار كما أن الشعوب التي تتمسك بهويتها وسيادتها تستطيع أن تواجه الضغوط مهما بلغت شدتها.
وفي نهاية المطاف تبقى معادلة الصمود هي العنوان الأبرز في التجربة الإيرانية صمود الدولة وصمود القيادة وصمود الشعب في مواجهة ما تراه طهران مشروعاً لاستهداف هويتها واستقلال قرارها السياسي.
ومن هذا المشروع السياسي والعقائدي يمكن استلهام جملة من المعاني والدروس التي تتجاوز حدود الجغرافيا والصراع المباشر أهمها أن الأمم لا تُبنى بالقوة العسكرية وحدها بل بالإيمان بالفكرة والثبات على المبدأ والقدرة على تحويل الأزمات إلى عناصر قوة كما يُستفاد من تجربة إيران أن الشعوب التي تمتلك هوية واضحة وقيادة ثابتة تستطيع الصمود أمام الضغوط والحصار ومحاولات الإضعاف مهما تعاظمت التحديات.
ويُستلهم أيضاً أن الاستقلال السياسي يحتاج إلى صبر طويل وبناء مؤسسات وتعزيز الوعي الشعبي وعدم الارتهان للخارج إضافةً إلى أهمية وحدة الموقف بين القيادة والشعب في اللحظات المصيرية كما أن التمسك بالقضية والهوية وفق رؤية أنصار هذا المشروع منح إيران قدرة على الاستمرار والتأثير الإقليمي رغم العقوبات والمواجهات.
كذلك فإن أبرز ما يمكن قراءته في هذا الصمود هو أن الإرادة حين تقترن بالعقيدة والتنظيم تتحول إلى قوة قادرة على فرض حضورها وأن الشعوب التي ترفض الاستسلام تستطيع أن تحافظ على قرارها وسيادتها حتى في أصعب الظروف.
/إنتهي/