في قرية سلواد، شمال شرق رام الله، تبدأ الحكاية من منزلٍ لم يعد كما كان.
أبوابه المكسورة، وأثاثه المبعثر، وآثاره التي ما زالت شاهدة على لحظة اقتحام عنيفة، تحوّلت إلى ذاكرة حيّة لليلة غيّرت كل شيء.
.
اقتحمت قوات الاحتلال المنزل دون سابق إنذار.


يقول أفراد العائلة إن الجنود دخلوا المكان بعد أن فُتح لهم الباب، لكنهم لم يطرحوا أسئلة، ولم يقدّموا مبررات.

كان العنف هو اللغة الوحيدة في تلك اللحظة.
داخل المنزل، تعرّض الشاب عبد الحليم لوحي حمد لاعتداء شديد.
يستعيد شقيقه المشهد قائلاً إن الجنود انهالوا عليه بالضرب، مركّزين على قدميه، حتى سقط أرضاً.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل استمر الاعتداء وهو على الأرض، حيث وُضعت الأحذية على رأسه، وتواصل الضرب كلما حاول الكلام أو الاستغاثة.
لكن هذه الحكاية لم تبدأ عند عبد الحليم، ولن تنتهي عنده.
قبل خمس سنوات، فقدت العائلة ابنها محمد لوحي حمد، الذي استُشهد، ليترك خلفه فراغاً لم يُملأ.
اليوم، يتكرر المشهد، ويتضاعف الغياب، ويثقل الوجع أكثر.
لا تتوقف معاناة العائلة عند لحظة الفقد، بل تمتد إلى ما بعدها.

فجثمان الشهيد ما زال محتجزاً، كما هو حال مئات الشهداء الفلسطينيين، وفق ما تؤكد العائلة.
احتجاز يحرمهم من الوداع الأخير، ومن حق الدفن بكرامة، وفقاً للتقاليد الدينية والإنسانية.
والد الشهيد يعبّر عن هذا الألم قائلاً إن العائلة لا تطالب إلا بحقها الطبيعي في استعادة جثمان ابنها ودفنه.

ويشير إلى أن استمرار احتجاز الجثامين يضيف معاناة جديدة للعائلات، التي تعيش بين الفقد والانتظار.
في زاوية أخرى من المشهد، تحمل زوجة عبد الحليم طفلتهما «فاطمة»، التي لم تُكمل عامها الثاني.
تنادي والدها بكلمة «بابا»، دون أن تدرك سبب غيابه، أو معنى هذا الغياب الذي أصبح جزءاً من يومياتها.

كان عبد الحليم يفكر في اسم مختلف لابنته، لكنه اختار في النهاية أن يسميها «فاطمة»، على اسم والدته.
اسم يحمل استمرارية العائلة، ويصبح أثراً باقياً في ظل غياب الأب.
وليس بعيداً عن هذا المشهد، يقف طفل صغير، ابن شقيقته، ينتظر خاله، دون أن يفهم بعد لماذا لم يعد.

طفولة تصطدم مبكراً بأسئلة أكبر من عمرها، وتبدأ في تشكيل وعيها على وقع الفقد.
في سلواد، لا تنتهي الحكايات عند الرحيل.
بل تبدأ من هناك… من لحظة الغياب، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى ذاكرة، وتكبر الحكاية في عيون الأطفال.

منذ تلك الليلة، تغيّر كل شيء.
أصبح الغياب حاضراً في كل زاوية من المنزل، وفي كل تفصيلة من الحياة اليومية.
أما الطفلة فاطمة، فستكبر يوماً،
وسيكون أمامها سؤال واحد، بسيط في كلماته، ثقيل في معناه:
أين أبي؟
/إنتهي/