شهد شمال فلسطين المحتلة خلال معركة "العصف المأكول" تداعيات كبيرة تركت آثارها ولا تزال حتى اليوم مع مرحلة الهدنة التي دخلت منذ أيام حيّز التنفيذ كلامياً، دون تطبيقها فعلياً نظراً للخروقات المستمرة اليومية والجرائم التي يمارسها كيان الإحتلال في جنوب لبنان، كان أبرز هذه التداعيات التحولات الكبيرة الملفتة في الوعي الإسرائيلي داخل المستوطنات الشمالية، من تراجع صورة القوة لدى "الجيش الإسرائيلي" إلى اهتزاز الثقة بالمؤسسة العسكرية، وعدم القدرة على تحقيق الأمن للمستوطنين بعدما تحول الشمال إلى بيئة قتالية مفتوحة ومستمرة منذ معركة طوفان الأقصى في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، الأمر الذي جعل المستوطنين في الشمال يعيشون تخبطاً لم يشهدوه قبل، حتى أصبح مطلبهم اليوم، ليس تحقيق النصر، لأن ثقتهم بالمؤسسة العسكرية وقدرتها على هزيمة حزب الله وصلت إلى أدنى مستوياتها، بل مطلبهم تحول الى البحث عن الأمن المفقود نتيجة وعود الحكومة والتي حالت بطولات المقاومة الإسلامية في لبنان دون تحقيقها.
هذا الأمر المفاجئ اليوم، أدّى إلى تحوّل في فكرة الإدراك الإستراتيجي لدى المستوطنين، ويُلزم أصحاب القرارات وصنّاعها البحث عن أساليب جديدة لإقناع الداخل الإسرائيلي بأسباب الحرب وكيفية توظيف أهدافها ضمن المكاسب السياسيةالتي يبني عليها "بنيامين نتنياهو"حياته السياسية التي يبنيها دائماً على أنقاض وما تبقى من حروب يشنها على دول المنطقة.

فبين الأمن والعسكر يؤكد المستوطنون اليوم، أنه بدل أن تحقق الحرب نصراً واضحاً، بسبب ما شهدت منطقة الشمال من دمار، ساهمت هذه الحرب ببناء واقعاً معقداً بل وأكثر خطورة مما كان يُتوقع، بعد أن تراجع مفهوم الردع بدلاً من تعزيزه، ذلك أن العدو الإسرائيلي كان يظن أن قوة حزب الله قد تراجعت، وأنه بدأ يزيل تهديدات المقاومة وحان الوقت ليدخل الحرب من موقع القوة، لينصدم الداخل في الكيان بوجود معادلات جديدة قائمة على توازن التهديد، والإنجازات التي تحققها المقاومة هناك أعطت مرة أخرى صورة مهزوزة عن "الجيش الذي لا يُقهر"، وبات في مرحلة غير قادر على حسم المعركة التي خطط لها لا على المستوى الأمني ولا العسكري ولا التكتيكي.
هذا الواقع الجديد بدأ يعكس إنهياراً لمفاهيم بنى عليها الكيان نفسه، كـ"النصر" و" الإنجازات" و"القوة"و"الردع" و"الحسم" و"الدفاع" والتي كانت أساس بُنية العقيدة العسكرية الإسرائيلية، والتي عمل طوال العقود التي مضت على ترسيخها في "الوعي" الإسرائيلي.
هذه التحولات مجتمعة أرخت بظلالها على الجانب السياسي المبني على الحياة الإنتخابية للحكومة الحالية، ففقدان الأمن اليوم والبحث عنه بات أهم من الإنتخابات والإقتصاد والمجتمع والسياسة والإيدولوجيا، لأن كل هذه العناصر المرتبطة بالأمن باتت مفقودة ولو وجدت، وهي اليوم تظهر آثارها النفسية على المستوطنين بعد تراجع المصداقية بالخطاب العسكري، وأصبح التشكيك بقدرات الجيش سيد الموقف لأن الواقع الميداني وكلمة الميدان تختلف تماماً عن الخطاب السياسي المشكوك والمهزوز، والحديث عن أهداف لم يتم تحقيقها حتى الآن دفع بالداخل الى المطالبة بتقديم أهداف حقيقية بدل الشعارات الكبيرة التي بدأ يململ منها الشارع الإسرائيلي.

وبينما فقد المستوطنون الثقة بالقدرة على تحقيق "نصر شامل"، يظهر اليوم أنهم يبحثون الى أدنى المستويات من الإستقرار، وهذا أصبح واضحاً وجليّاً من خلال تصريحات رؤوساء المستوطنات الشمالية ومطالبهم الغير مسموعة من الحكومة، وعدم تأمين متطلبات الحرب لهم ، وأقلها الملاجئ، التي يتخبطون للوصول إليها وتلعب الوساطات والمحسوبيات دورها في "من يحق له الإختباء بالملاجئ ومن لا"، وما يرافقها من موجات إحباط وغضب وهروب من مناطق الحدود مع لبنان.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تملك اليوم هذه القيادة العسكرية القدرة على التصعيد؟ هل تمتلك قرار الحسم والإنسحاب؟ كيف ستعالج هذه القيادة مسألة تراجع الثقة بمؤسساتها العسكرية؟ كيف ستوازن هذه القيادة بين ارتفاع كلفة وتعقيدات إدارة المعركة؟ هل الجبهة الداخلية هي من ستحسم مسار وقرار العمليات العسكرية.
بين الخسائر والضغوطات وعدم القدرة على تحقيق إنجازات تُذكر، ظهرت أهم نتائج هذه الحرب متمثلة بفقدان الثقة بـ"الجيش" والقيادة العسكرية وفقدان الأمن، وفي الأيام القادمة سنسمع صرخات مستوطني الشمال أكثر فأكثر، بأن رجال المقاومة لم ينهضوا من تحت التراب، بل هم التراب الذي يدافع عن وطنهم لبنان...والآتي أعظم.
/إنتهي/