في تصريح لوكالة "تسنيم" قال المحلل السياسي اللبناني علي فرحات من البرازيل أن الخسائر الامريكية في الحرب مع الجمهورية الاسلامية الايرانية قد لا تقاس الان على مستوى الخسائر المادية التي يقولون عنها في الولايات المتحدة الامريكية بأنها فاقت ال 50 مليار دولار نتيجة تمويل هذه الحرب، بالاضافة الى الخسائر الكبيرة على مستوى الوجود الامريكي في منطقة الخليج الفارسي والقواعد الامريكية التي دمر عدد كبير منها، حتى ان اغلبي" هذه القواعد لم يتواجد فيها بعض الجنود الأمريكيين بالاضافة الى الامور اللوجستية من الرادارات وغيرها.
.
لكن الخسارة الامريكية هي خسارة استراتيجية، بمعنى ان هذا المشروع الامريكي المتغول استطاعت ايران ان تكسره في هذه الحرب، وهذا ما اكدته كثير من المصادر الامريكية على سبيل المثال مثلا مجلة (ذا امريكان كانفرسيشن) التي تحدثت عن ان الولايات المتحدة الامريكية تخوض اخر حروبها الأمريكية او كدولة مهيمنة على العالم، وهذه الحرب اثبتت ان اقطاب عديدة برزت الى العالم وان المشروع الامريكي هناك تعرض إلى الانكسار الشديد، لذلك اذا اردنا ان نتحدث عن مستوى الخسائر، صحيح ان الجمهورية الاسلامية الايرانية تكبدت خسائر على مستوى البنية التحتية وعلى مستوى صف القيادات العليا وعلى راسهم الشهيد المرشد الاعلى آية الله السيد علي الخامنئي (قدس سره) وعدد من القيادات المهمة، لكن اعتقد ان الجمهورية الاسلامية الايرانية فرضت معادلة لا تقوي الولايات المتحده الامريكية على كسرها، واهم هذه المعادلات هي اولاً التحكم بموضوع القصف الجوي، بمعنى ان الصواريخ الايرانية لم تتوقف لا على القواعد الامريكية ولا على الكيان الاسرائيلي، على الرغم من ان دونالد ترامب و عدد من القياديين الامريكيين كانوا يتحدثون، وبنيامين نتنياهو ايضاً، كانوا يتحدثون عن ان المخزون الصاروخي انتهى في ايران وايضاً الرهان الذي كان موضوعاً على اساس ان الداخل الايراني سيتحرك من اجل اسقاط النظام في ايران.
كل هذا أتت نتائجه عكسية بشكل كبير حيث ان المجتمع الايراني إلتف حول القيادة وايّد عملية الدفاع عن النفس ضد العدوان الامريكي.
اذا الخسائر الامريكية على المستوى الاستراتيجي هي اهم بكثير من الامور المادية التي يمكن احصائها ايضاً والتي تضررت فيها الولايات المتحدة الامريكية بشكل كبير، لكن على المستوى الاستراتيجي الخسارة الكبيرة هي خسارة التمدد الامريكي والمشروع الامريكي وهذا التغول الامريكي الذي بدأ في امريكا اللاتينية ومن ثم ذهب الى منطقة "الشرق الاوسط" لتحقيق المشروع الامريكي وايضا خدمة للمشروع الاسرائيلي.
ثانياً على المستوى الاستراتيجي ايضا هذه الحرب ادت الى امر شديد التعقيد بالنسبة للكيان الاسرائيلي، فنحن نعلم ان "بنيامين نتنياهو" كان يطمح الى انشاء "شرق اوسط جديد"، وكان يمنّي النفس بأن القوة الاسرائيلية خصوصاً بعد الحرب ما قبل الاخيرة اعطت لـ"إسرائيل" بعض المزايا، وبالتالي اعتقد في هذه اللحظة انه وسط جو من التطبيع و وسط جو من الدعم الامريكي اللامحدود يستطيع بعد الحرب على ايران وكسر ايران كما كان يفترض ان يتمدد ويصبح ملكاً لـ "الشرق الاوسط الجديد" وينفذ طموح "إسرائيل الكبرى"، هذا المشروع تهشم على اليد الايرانية التي استطاعت أيضاً ان تقيد "الامن الاسرائيلي"وان تحدث معادلات استراتيجية في موضوع الحرب مع الكيان الاسرائيلي الذي تجندت له كل دول العالم من اجل حماية الكيان من الصواريخ الايرانية، ولم تستطع حتى في بعض القراءات أن تقول بأن مجرد وصول صاروخ واحد الى الكيان الاسرائيلي اشبه بمعجزة لأن كل منظومات الدفاع الجوي الامريكي والعربي والاوروبي وايضاً من السفن و من المدمرات الموجودة في البحر، وأيضاً الدفاعات الجوية في الكيان الاسرائيلي التي هي طبقات متعددة، ومع ذلك كله كان الجانب الايراني تصل صواريخه الى الكيان الاسرائيلي، وليس فقط تصل بل كانت هناك ضربات دقيقة جداً على مواقع استراتيجية وحساسة، ونتذكر موضوع ديمونا وبئر السبع وبعض المحطات المهمة للكيان الاسرائيلي، هذا على الصعيد الايراني الذي فرض معادلاته واستطاع كسر المشروع الامريكي، حتى أن الكثير من السياسيين الامريكيين تحدثوا عن ان الولايات المتحدة الامريكية و"اسرائيل" تعرضتا لهزيمة كبيرة في حربها على ايران والتي كان يحسب بأنها ستنقضي خلال ايام قليلة.
على المستوى اللبناني ايضا الخسارة الكبيرة التي تعرض لها الكيان الاسرائيلي هو اعاده انتاج المقاومة الاسلامية في لبنان، وفرض المعادلة من خلال حرب فاجأت الكيان الاسرائيلي، وهذا الكلام قاله الاعلام الاسرائيلي وقاله المسؤولون الاسرائيليون من خلال العمليات النوعية التي وجهتها المقاومة الاسلامية الى الكيان الاسرائيلي، و فاجأت الجنود الاسرائيليين بهذا النوع من المقاومة، وايضاً الداخل الاسرائيلي بالاستهدافات الدقيقة، مما أدى ايضاً إلى تململ للقياده العسكرية الاسرائيلية، والحديث عن ان الجيش على وشك الانهيار من جراء الضغط القادم من لبنان، وبالتالي اعادة صياغة توازن الردع من قبل المقاومة الاسلامية في لبنان مع الكيان الاسرائيلي، ايضا حطم الحلم الاسرائيلي للسيطرة الكاملة في الوصول الى اي هدف يريده.
هذا بالاضافة الى ان حتى مع عوامل استسلام السلطة اللبنانية واستخدام الولايات المتحدة الامريكية لوكلائها في لبنان من رئيس جمهورية ومن رئيس حكومة والعدد الكبير من الوزراء ومن احزاب سياسية في لبنان، الا ان كل هذا الضغط الذي كان يمارس على المقاومة لم يؤدي الى ضعف هذه المقاومة، بل ادى الى ازياد التماسك لبيئة المقاومة مع عملية ردع العدوان الاسرائيلي، وبالتالي في مجمل القراءة لما حدث في هذه الحرب، ان الجمهورية الاسلامية الايرانية استطاعت تكريس نفسها كقوة اقليمية وقوة دولية يحسب لها الف حساب، وايضا المقاومة الاسلامية في لبنان اعادت بناء قدراتها واستطاعت ان تنزل الخسائر الكبيرة بالكيان الاسرائيلي مما سيؤدي مؤكدا الى اعادة عملية توازن الردع مع الكيان الاسرائيلي.
في مجمل هذه المسألة لم تنجح الولايات المتحدة الامريكية في تحقيق اهدافها في "الشرق الاوسط"، وهذا سيكون له تداعيات كبيرة في المستقبل ليس فقط في منطقة الشرق الاوسط بل في حروب الولايات المتحدة الامريكية المستقبلية بعد كسر هذه الهيبة الامريكية والمشروع الامريكي، وايضا "اسرائيل" والكيان الاسرائيلي سوف يعود الى عملية الانعزال والانحصار خصوصاً مع هذا التململ العالمي والدولي من سلوكيات هذا الكيان الاسرائيلي الارهابي الذي لا يتورع عن ارتكاب المجازر وخرق كل القوانين الدولية والانسانية من خلال اعماله الارهابية المستمرة في فلسطين المحتلة و في لبنان وايران.
/إنتهي/