يقدم مايكل سينغ، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن، في مذكرة تحليلية أجندة هذا المركز الصهيوني المقترحة لإدارة الرئيس ترامب تجاه إيران. تؤكد المذكرة -مع الإقرار بعدم جدوى الخيار العسكري في تحقيق الأهداف المنشودة- أن إيران ستصون أمنها بكامل قواها ولن تتوانى عن دفع أي ثمن في هذا السبيل.
البرنامج النووي الإيراني لم يتضرر والتهديد النووي ما زال قائماً
يشير سينغ إلى أنه وفقًا لادعاءات ترامب، فإن الضربات الأمريكية الإسرائيلية في وقت سابق من هذا العام قد "دمرت البرنامج النووي الإيراني بالكامل"، وبناءً على آراء محللين مقربين من الإدارة، فقد تم إرجاع المساعي الإيرانية لامتلاك سلاح نووي سنوات إلى الوراء. لكنه يعتقد أن إيران لا تزال تمتلك مخزونًا وافرًا من اليورانيوم عالي التخصيب، وهي قادرة على إنتاج سلاح نووي واحد على الأقل في غضون فترة وجيزة باستخدام هذه المواد.
ويوضح أن جزءًا كبيرًا من التقييمات بشأن القدرات النووية المتبقية لإيران يستند إلى مجهولات وتقديرات غير مؤكدة؛ من قبيل كمية اليورانيوم عالي التخصيب المتوفرة، ومستوى خبرة الكوادر العلمية النووية الإيرانية الحالية، والسرعة التي يمكن لطهران بها تحويل هذه القدرة المدنية إلى قدرة عسكرية. لذلك، يخلص إلى أن التهديد النووي الإيراني لا يزال خطراً بل وقد يكون وشيكاً.
ويرفض سينغ الادعاءات القائلة بأن إيران لجأت إلى المفاوضات تحت تهديد ترامب بالتدخل لصالح المحتجين (أو ما يصفه بـ"الشغب")، معتبراً إياها غير صحيحة، لأن المفاوضات في هذه الجولة أيضًا تنحصر حصريًا في الملف النووي.
إيران ترى الحرب أقل كلفة من الاستسلام
يؤكد سينغ بعد ذلك أن إيران لن تتنازل لأمريكا عن أي امتياز في ملفات أخرى عبر المفاوضات. ويشرح، مستشهدًا بتجربة العشرين عامًا الماضية، أن إيران لا ترغب في التفاوض حول أي موضوع غير برنامجها النووي، لأن طهران تدرك تمامًا أن تقديم تنازلات في المجال الصاروخي أو محور المقاومة أو الشؤون الداخلية هو بمثابة تدمير ذاتي لمنظومتها الأمنية الشاملة، وسيقود في النهاية إلى الاستسلام للضغط الأمريكي وتصاعد الاضطرابات الداخلية. لذلك، توصلت طهران إلى قناعة راسخة بأن تحمل ويلات الحرب أقل كلفة بكثير من الرضوخ للمطالب الأمريكية.
الحفاظ على المعرفة النووية والقدرة على ضرب إسرائيل خطان أحمران لإيران
بخصوص مسار المفاوضات، يوضح خبير معهد واشنطن أن إيران ستحتفظ بحق التخصيب مهما كان الثمن، مما يعني أن الجمهورية الإسلامية ستبقي على إمكانية الوصول إلى دورة الوقود النووي الكاملة وتخصيب اليورانيوم، وبالتالي ستستمر أنشطة البحث والتطوير النووي. كما يعتقد أن القبول المحدود بمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا يمكن أن يشكل عائقًا حقيقيًا أمام تقدم إيران في هذا المسار.
ويصف سينغ القوة الصاروخية الإيرانية بأنها "خط أحمر" غير قابل للتفاوض، ويدعي أنه قد يكون من الممكن وقف انتشارها وتوسعها مؤقتًا عبر ضربات محدودة ودقيقة، لكن هذه القدرة ستواصل نموها على المدى الطويل. ويعتقد أنه حتى لو أمكن إقناع إيران بقبول معاهدة إقليمية لحظر انتشار الصواريخ، لا يمكن أبدًا إجبارها على التخلي عن القدرة على شن هجوم مباشر على إسرائيل. يقول سينغ بصراحة: "ستحتفظ إيران بالقدرة على استهداف إسرائيل حتى لو كلفها ذلك ثمناً باهظاً."
الخطة المقترحة: تدمير الاقتصاد ودعم العناصر الموالية للغرب في إيران وإضعاف حلفائها إقليمياً
يقيّم سينغ تجربة الولايات المتحدة وإسرائيل في تغيير النظام السياسي الإيراني بأنها تجربة فاشلة، ويؤكد أنه بدلاً من شن حرب بهدف تغيير النظام، ينبغي على إدارة ترامب أن تستذكر أن احتجاجات (أعمال الشغب) في ديسمبر/كانون الأول (دي ماه) كانت، جزئيًا على الأقل، نتاجًا لسياسة الضغط المتعدد الأوجه التي تنتهجها واشنطن ضد طهران. وفق رأي هذا الخبير الصهيوني، فإن المسار الأفضل للرئيس ترامب هو تعزيز هذا الضغط المتعدد الجوانب، ولتحقيق ذلك يرى ضرورة اتخاذ الإجراءات التالية:
1) تدمير الاقتصاد الإيراني. بدأت اضطرابات يناير نتيجةً للانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية الإيرانية. ينبغي لإدارة ترامب السعي إلى زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، ووضع هذه القضية على رأس جدول أعمال اجتماع الرئيس ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في أبريل. يجب على الولايات المتحدة العمل على خفض واردات الصين من النفط الإيراني، مما يحدّ بشكل كبير من خيارات التصدير الإيرانية. كما ينبغي على ترامب زيادة الضغط على بكين لمنعها من مساعدة طهران في إعادة بناء برامجها الصاروخية والنووية والدفاعية. في الوقت نفسه، يمكن لترامب أن يُركّز في حملته الانتخابية على الفوائد الاقتصادية لإيران ما بعد الجمهورية الإسلامية.
2) تعزيز التغيير من الداخل. يتمثل الهدف النهائي للولايات المتحدة في إيران في إحداث تغيير من الداخل (وهو مصطلح تُشير إليه المؤسسة الصهيونية بـ"تحوّل نموذجي"). ينبغي لإدارة ترامب وضع استراتيجية واضحة لدعم المعارضين الإيرانيين على المدى الطويل. قد تشمل هذه الاستراتيجية توفير التكنولوجيا، وتمويل أنشطة مُحددة، ونشر المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستئناف التغطية الإعلامية الحكومية الأمريكية. قد يشمل ذلك أيضاً أشكالاً أخرى من الدعم، مثل تسهيل حصول النشطاء الإيرانيين على تأشيرات، وإذا لزم الأمر، تعديل العقوبات للسماح للإيرانيين في الخارج بتقديم مساعدات مالية للنشطاء في الداخل.
3) الضغط السياسي على حلفاء إيران الإقليميين. ينبغي على واشنطن التعامل بجدية أكبر مع دعم إيران للقوى الموالية لها، وذلك من خلال لعب دور أكثر فاعلية في المناطق التي تتمتع فيها هذه القوى بنفوذ. فقد تعززت حماس سياسياً وعسكرياً في أعقاب أحداث العامين الماضيين؛ وفي لبنان، لا يزال حزب الله، رغم تضرره، بلا منافس سياسي فعّال داخل المجتمع الشيعي؛ وفي اليمن، تستمد أنصار الله قوتها السياسية من قدرتها على ممارسة القوة العسكرية. وفي كل هذه السياقات، يتعين على الولايات المتحدة السعي لتحقيق أهداف سياسية مستدامة واستراتيجية.
/انتهى/