الحرب مع إيران .. كعب أخيل ترامب
- الأخبار ایران
- 2026/11/05 - 19:30
جرت التحولات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة ونتائج انتخابات الكونغرس النصفية، على خلاف سنوات أخرى، وخضعت لتغييرات كثيرة. وأحد المتغيرات المهمة في هذه التحولات هو التبعات السياسية والاقتصادية والأمنية للمواجهة العسكرية مع إيران؛ مواجهة أظهرت أن القوة العسكرية وحدها ليست ضامنة لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية والاستراتيجية.
أحد أخطاء واشنطن في الحساب كان تقييم قوة إيران استنادًا فقط إلى مؤشرات التسليح والتكنولوجيا العسكرية الأمريكية. فالقوة الوطنية الإيرانية هي مجموعة من المكونات العسكرية والجغرافية والجيوسياسية والبشرية وقدرات الردع التي يمكنها في أي ظرف أن تعقّد حسابات الطرف الآخر.
في النظريات الاستراتيجية، تتحقق المواجهة العسكرية بالنصر عندما تتحقق الأهداف المحددة مسبقًا، والنصر العسكري يصبح ذا معنى عندما يؤدي إلى مكسب سياسي مستدام. فامتلاك القوة الجوية والمعدات المتقدمة والقدرة الاستخباراتية، إذا لم يستطع تغيير الإرادة السياسية والعسكرية للطرف الآخر، ليس معيارًا للنجاح في الحرب.
إن تجربة المواجهة مع إيران تُظهر أن تقييم قدرة بلد ما لا يتم فقط على أساس المعلومات المتاحة، بل يقدم صورة ناقصة عن توازن القوى. فالحفاظ على التماسك البنيوي واستمرار القدرة الدفاعية واستقلال القرار من بين المكونات المهمة في تحديد النتيجة النهائية للصراع.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل هو أحد أهم نقاط ربط الأمن الإقليمي بالاقتصاد العالمي، والإشراف عليه في أمن هذا الممر المائي يمكن أن يترك آثارًا واسعة على الاقتصاد الدولي عبر زيادة تكاليف النقل والتأمين البحري وأسعار الطاقة.
الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقع تكمن في أن أمن الطاقة العالمي مرتبط مباشرة باستقرار الخليج الفارسي. لذلك، لا يمكن تعريف ترتيبات أمنية مستدامة في هذه المنطقة دون مراعاة دور إيران وواقعها الجيوسياسي.
الحرب، بالإضافة إلى التكاليف العسكرية، تخلق تبعات اقتصادية واسعة في الموازنة العامة وسوق الطاقة وتكلفة المعيشة وسلسلة التوريد. وفي الولايات المتحدة، استطاع هذا الارتفاع في تكاليف الحرب وتأثيره على الاقتصاد والرأي العام أن يتحول إلى مسألة سياسية وانتخابية.
إن الهزيمة الانتخابية للجمهوريين في الانتخابات النصفية وتصريحات ترامب وجي دي فانس حول تأثير حرب إيران على نتائج الانتخابات، تدل على دخول تكاليف السياسة الخارجية إلى ساحة المنافسات الداخلية الأمريكية.
هذا يعني أن حكومة ترامب لم تهزم فقط في الحرب السياسية والعسكرية السابقة، بل تحتاج لمواصلة حرب، بالإضافة إلى امتلاك القدرة العسكرية، إلى دعم سياسي واجتماعي داخلي؛ وهو أمر يواجه قيودًا في ظروف ارتفاع التكاليف، وقد أظهر نفسه في الانتخابات الأخيرة.
إن تغيير التوازن السياسي في الكونغرس يمكن أن يزيد الرقابة على الموازنة العسكرية وأداء حكومة ترامب ويرفع التكلفة السياسية لاستمرار المواجهة. بالطبع، هذا التحول لا يعني نهاية الصلاحيات العسكرية لترامب، لكنه يعقّد بيئة اتخاذ القرار في واشنطن.
في مثل هذه الظروف، تواجه الحكومة الأمريكية مسألة كيفية تحقيق التوازن بين الأهداف المعلنة للحرب والتكاليف الاقتصادية والقيود السياسية الداخلية.
إن الردع الخاص بايران لا يقتصر على المعدات العسكرية؛ بل هو مزيج من القدرة الدفاعية والرد الواسع غير المتماثل والموقع الجيوسياسي والقدرات الوطنية وإمكانية رفع تكاليف الإجراء العسكري على الطرف الآخر.
لذلك يجب اعتبار الحرب على إيران كعب أخيل السياسي لحكومة ترامب، لأن بدء الحرب على إيران للحفاظ على نتانياهو، وعدم تحقيق الجيش للأهداف المعلنة، وحجم الخسائر التي لحقت بمعدات وأصول الولايات المتحدة، وعدد قتلى وجرحى الجيش الأمريكي، وتأثير الحرب على اقتصاد ومعيشة المواطنين واقتصاد الولايات المتحدة، وكذلك جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الأمريكي الإرهابي في حرب رمضان، كل ذلك يُعد هزيمة كبيرة لأمريكا وانهيارًا لاعتبارها وهيمنتها، مما أدى إلى تذمر المواطنين من أداء حكومة ترامب، وخلق هزيمة قاسية ليس فقط لترامب بل لأمريكا التي قدمت نفسها لسنوات كالقوة الأولى في العالم في الاقتصاد والسياسة والقوة العسكرية.
تُظهر التحولات الأخيرة أن القوة العسكرية والاقتصاد والسياسة الداخلية في الصراعات المعاصرة تعتمد بشدة على بعضها البعض. فالحرب التي تبدأ بهدف تثبيت الموقع الاستراتيجي لقوة ما، في حال ارتفاع التكاليف وعدم تحقق الأهداف السياسية، يمكن أن تتحول إلى عامل لتقييد قدرة اتخاذ القرار لدى تلك الدولة نفسها.
بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تكمن أهمية هذه التحولات في ضرورة تحويل القدرات العسكرية والجيوسياسية إلى قوة وطنية مستدامة.
في النهاية، يُظهر مضيق هرمز وموقع إيران الجيوسياسي أن أمن المنطقة وطاقة العالم لا يمكن تعريفهما دون مراعاة دور إيران. فالقوة الحقيقية لا تختصر في القدرة العسكرية فقط؛ بل تتجلى في الحفاظ على الاستقلال وإدارة الأزمات وتأمين المصالح الوطنية ومنع فرض الإرادة السياسية للطرف الآخر.
/انتهى/