خروج القوات الأميركية من العراق... انتصار الإرادة الوطنية وبداية معركة استعادة السيادة
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/11/03 - 15:01
أمل شبيب
لم يكن خروج القوات الأميركية من العراق في الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026 مجرّد محطة عسكرية أُغلقت بانسحاب الجنود والمعدات من "قاعدة حرير" في أربيل، بل شكّل تطوراً سياسياً مهماً في مسار طويل من المواجهة مع الاحتلال وتداعياته. فمنذ الغزو الأميركي عام 2003، ظلّ الوجود العسكري الأميركي عنواناً لأزمة السيادة العراقية، ومصدراً للتدخل في القرار الوطني، وامتداداً لمشروع سعى إلى إعادة تشكيل الدولة العراقية وموازين القوى في المنطقة وفق المصالح الأميركية.
ومع إعلان انتهاء "المهمة العسكرية للتحالف الدولي" وخروج قواته من العراق، يكون العراقيون قد حققوا خطوة أساسية على طريق إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، بعد سنوات من المطالبة الشعبية والسياسية والمقاومة، ومواقف المرجعية الدينية التي أكدت حق العراقيين في تقرير مصيرهم ورفض تحويل بلادهم إلى ساحة مفتوحة للقوى الخارجية. لكن هذا الانسحاب، على أهميته، لا يعني أن آثار الاحتلال انتهت، ولا أن معركة استعادة السيادة اكتملت؛ فهناك إرث سياسي وأمني واقتصادي ثقيل ما زال حاضراً في بنية الدولة ومؤسساتها.
الإرث الأميركي: تفكيك الدولة العراقية
لا يمكن قراءة تجربة الاحتلال الأميركي بمعزل عن الطريقة التي أُدير بها العراق بعد الغزو. فسقوط نظام البعث، بما حمله من استبداد وجرائم وانتهاكات بحق العراقيين، لا يبرر منح الولايات المتحدة حق احتلال البلاد أو تقرير مستقبلها نيابة عن شعبها. فالعراقيون لم يكونوا أمام خيار وحيد بين الدكتاتورية والاحتلال، بل كان من حقهم بناء دولتهم بإرادتهم الحرة، بعيداً عن الهيمنة الخارجية.
لكن سلطة الاحتلال اختارت مساراً تجاوز إسقاط النظام إلى إعادة تفكيك مؤسسات الدولة. وكان من أبرز القرارات التي اتخذتها سلطة الائتلاف المؤقتة حلّ الجيش العراقي وأجهزة أمنية ومؤسسات أخرى، وإقصاء أعداد كبيرة من الموظفين والخبرات الإدارية والعسكرية. وقد أسهمت هذه القرارات في إضعاف مؤسسات الدولة، وتعطيل قدرتها على إدارة البلاد، وخلق فراغ أمني وإداري واسع، فضلاً عن تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية.
وهكذا لم يكن الاحتلال مجرد وجود عسكري على الأرض، بل كان مشروعاً لإعادة تشكيل النظام السياسي والأمني والاقتصادي، ترك العراق أمام مؤسسات منهكة، وانقسامات عميقة، واعتماد متزايد على الخارج في ملفات يفترض أن تكون من صميم السيادة الوطنية.
داعش الإرهابي في عراق ما بعد الاحتلال... من تفكيك الدولة إلى توظيف الإرهاب ذريعةً لاستمرار الوجود الأميركي
لا يمكن فصل صعود التنظيمات الإرهابية في العراق عن البيئة التي صنعها الاحتلال وسياساته. فالفراغ الأمني، وتفكيك مؤسسات الدولة، وإقصاء قطاعات واسعة من المجتمع، وتصاعد الاحتقان الطائفي والسياسي، كلها عوامل ساهمت في توفير الظروف التي تمددت فيها الجماعات المتطرفة، وصولاً إلى "تنظيم داعش الإرهابي" الذي ارتكب جرائم مروعة بحق العراقيين، من الإعدامات الجماعية والتهجير إلى السبي والقتل، وفي مقدمتها الجرائم التي استهدفت أبناء المكوّن الإيزيدي.
ومن هنا، فإن عودة القوات الأميركية إلى العراق عام 2014 تحت زعمها محاربة "داعش" لا يمكن التعامل معها بوصفها تدخلاً منفصلاً عن تاريخ الاحتلال، ولا يمكن أن تمحو مسؤولية واشنطن عن السياسات التي ساهمت في تفكيك الدولة وخلق الفراغ الذي استغلته التنظيمات الإرهابية. كما لا يمكن تحويل خطر الإرهاب إلى تفويض مفتوح للولايات المتحدة كي تفرض وجودها العسكري وتحدد مستقبل العراق الأمني.
لقد واجه العراقيون "تنظيم داعش" بتضحيات قواتهم المسلحة والأجهزة الأمنية، وبمشاركة الحشد الشعبي وفصائل المقاومة، وبدعم المرجعية الدينية التي أطلقت موقفها التاريخي في الدفاع عن البلاد، إلى جانب الدعم الذي قدمته الجمهورية الإسلامية الإيرانية للعراق في مواجهة التنظيم. وكانت هذه المواجهة تعبيراً عن قدرة العراقيين على الدفاع عن وطنهم، وعن دور القوى التي وقفت إلى جانبهم في لحظة تهديد وجودي، لا عن حاجة العراق إلى وصاية عسكرية أجنبية دائمة.
إن محاولة واشنطن تقديم نفسها بوصفها صاحبة الفضل في حماية العراق من الإرهاب تتجاهل التسلسل التاريخي للأحداث، وتتجاوز مسؤوليتها عن نتائج الغزو وقرارات الاحتلال. فالعراق لم يكن بحاجة إلى احتلال جديد كي يدافع عن نفسه، بل كان بحاجة إلى استعادة قراره الوطني، ودعم قواته ومؤسساته، ومنع القوى الخارجية من استثمار الأزمات الأمنية لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية.
الاحتلال وإرثه السياسي والاقتصادي... دولة مثقلة بالانقسامات والتبعية
لم تقتصر آثار الاحتلال على الجانب الأمني، بل امتدت إلى بنية النظام السياسي وطريقة إدارة الدولة والاقتصاد. فقد نشأ نظام سياسي قائم على محاصصات طائفية وإثنية وحزبية، تحولت مع مرور الوقت إلى آلية لتقاسم النفوذ والموارد والمناصب، على حساب بناء مؤسسات وطنية مستقلة وقادرة. وأدى هذا المسار إلى إضعاف مركزية الدولة، وتعميق التنافس بين القوى السياسية، فضلاً عن جعل الانتماءات الفرعية حاضرة بقوة في إدارة مؤسسات يفترض أن تقوم على المواطنة والكفاءة.
اقتصادياً، ورث العراق اختلالات كبيرة في البنية التحتية والإنتاج والخدمات، وتكرّس اعتماده على النفط بوصفه المصدر الأساسي للإيرادات، فيما بقيت قطاعات حيوية مثل الصناعة والزراعة والطاقة والخدمات عرضة للتراجع والتعثر. كما أن اضطراب المؤسسات والفساد وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية أعاقت بناء نموذج تنموي قادر على تحويل ثروات البلاد إلى فرص حقيقية للمواطنين.
أما أمنياً، فقد ترك الاحتلال دولة مضطرة إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية والأمنية في ظل تحديات داخلية وإقليمية متشابكة، مع استمرار الحاجة إلى تطوير منظومات الدفاع والتسليح والاستخبارات وحماية الأجواء والحدود. وبذلك لم ينتهِ تأثير الاحتلال بمجرد مغادرة القوات، لأن التبعية لا تُقاس فقط بعدد الجنود الموجودين، بل أيضاً بمدى استقلال القرار السياسي والأمني والاقتصادي.
المقاومة والمرجعية والشعب... القوى التي جعلت الانسحاب ممكناً
لم يكن الانسحاب الأميركي نتيجة قرار منفرد اتخذته واشنطن بمعزل عن إرادة العراقيين، بل جاء بعد سنوات من الضغط الشعبي والسياسي ومواقف المرجعية الدينية، واستمرار رفض قطاعات واسعة من المجتمع العراقي لتحويل بلادهم إلى قاعدة عسكرية دائمة للقوات الأجنبية. كما لعبت المقاومة دوراً محورياً في إبقاء كلفة الوجود العسكري الأميركي حاضرة، وفي التأكيد أن استمرار الاحتلال ليس أمراً يمكن فرضه بلا نهاية.
لقد تداخلت هذه العوامل لتجعل إنهاء الوجود العسكري مطلباً وطنياً متراكماً، لا مجرد بند تفاوضي في اتفاق بين حكومتين. فالمقاومة عبّرت عن رفض الاحتلال، والمرجعية أكدت حق العراق في السيادة والاستقلال، فيما حملت القوى الشعبية والسياسية هذا المطلب إلى ساحات الاحتجاج والمؤسسات والقرار العام.
ومن المهم هنا التأكيد أن الانسحاب لا يُختزل في حسابات واشنطن أو في إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية؛ فقيمته الأساسية تكمن في أنه استجاب، بعد سنوات طويلة، لمطلب عراقي برفض الوجود العسكري الأجنبي. وهذا ما يجعل من الضروري تثبيت حقيقة أن السيادة لا تُمنح من الخارج، بل تُنتزع بإرادة الشعوب وتضحياتها وقدرتها على فرض خياراتها الوطنية.
رسائل الانسحاب... نهاية مرحلة من الهيمنة واختبار لمعادلات المنطقة
يحمل خروج القوات الأميركية من العراق رسائل تتجاوز حدوده الجغرافية. فهو يعكس تراجع القدرة على فرض الوجود العسكري بوصفه ضمانة دائمة للنفوذ، ويطرح من جديد أسئلة جدية حول جدوى القواعد الأجنبية في المنطقة، وحول ما إذا كان انتشار القوات الأميركية قد أنتج أمناً واستقراراً فعليين أم أنه ساهم في تعقيد الصراعات وفتح أبواب المواجهة.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن القواعد العسكرية الأجنبية لا توفر الحماية للدول المضيفة بالضرورة، بل قد تحول أراضيها إلى نقاط اشتباك في صراعات لا تخدم مصالح شعوبها. كما أن الاعتماد على المظلة العسكرية الأميركية لا يبني منظومة أمن إقليمية مستقلة، ولا يعالج جذور الأزمات السياسية والأمنية، بل يربط أمن المنطقة بحسابات القوة الأميركية ومصالحها المتغيرة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى صياغة معادلة أمن إقليمي تقوم على التعاون بين دول المنطقة، واحترام سيادة الدول، والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية، وبناء تفاهمات واتفاقات تضمن أمن الحدود والممرات والمصالح المشتركة. فالأمن الحقيقي لا يتحقق بتكديس القواعد الأجنبية، بل بتقليص أسباب الصراع، وإنهاء سياسات الهيمنة، وإعطاء شعوب المنطقة حقها في تقرير مستقبلها.
العراق بعد الانسحاب... السيادة مسؤولية لا شعار
مع اكتمال خروج القوات الأميركية وقوات التحالف من الأراضي العراقية في 30 أيلول/سبتمبر 2026، تدخل البلاد مرحلة جديدة يُفترض أن تكون فيها مسؤولية الأمن والدفاع بيد مؤسساتها الوطنية. وقد تزامن ذلك مع انتقال العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن إلى إطار ثنائي مختلف، وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين انتهاء "المهمة العسكرية" المزعومة للتحالف وبين استمرار أشكال التعاون الأمني والسياسي بين الدولتين.
لكن انتهاء المهمة العسكرية لا يعني تلقائياً انتهاء كل أشكال النفوذ أو التبعية. فالسيادة لا تكتمل بمجرد خلو الأراضي من القوات الأجنبية، بل تتطلب امتلاك القرار المستقل، والسيطرة الكاملة على الأجواء والحدود، وبناء قدرات دفاعية وطنية، وتطوير منظومات التسليح والاستخبارات، وتعزيز استقلال الاقتصاد والمؤسسات، ومنع أي طرف خارجي من فرض إرادته على القرار العراقي.
كما أن خروج القوات الأجنبية يجب ألا يتحول إلى مدخل لخلق فراغ أمني جديد أو لإثارة المخاوف من قدرة العراق على حماية نفسه. المطلوب هو تعزيز الثقة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي والقدرات الوطنية، وتطوير التنسيق بينها ضمن رؤية دفاعية تحمي وحدة البلاد وتمنع عودة الإرهاب، من دون ارتهان لأجندات خارجية أو تحويل التعاون الدولي إلى وصاية عسكرية.
إن العراق الذي دفع أثماناً باهظة نتيجة الغزو والاحتلال والحروب والإرهاب، يستحق أن يمتلك قراره كاملاً، وأن تكون علاقاته مع الدول الأخرى قائمة على الندية والاحترام المتبادل، لا على وجود قواعد عسكرية أو شروط سياسية مفروضة. فالتعاون الأمني والتدريب وتبادل الخبرات يمكن أن تتم بين الدول ذات السيادة، من دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لبقاء القوات الأجنبية أو التدخل في الشؤون الداخلية.
من إنهاء الوجود العسكري إلى استعادة القرار الوطني
يمثل الانسحاب الأميركي من العراق محطة مهمة في مسار طويل من مقاومة الاحتلال والدفاع عن السيادة، لكنه ليس نهاية المعركة. فالتحدي الحقيقي يبدأ الآن: كيف يحوّل العراق هذا الإنجاز إلى استقلال فعلي في السياسة والأمن والاقتصاد؟ وكيف يتجاوز إرث المحاصصة والتفكك المؤسسي والتبعية؟ وكيف يمنع تكرار الظروف التي سمحت للاحتلال بالتدخل، وللإرهاب بالتمدد، وللقوى الخارجية باستثمار أزماته؟
إن خروج القوات الأميركية يثبت أن الوجود العسكري الأجنبي ليس قدراً دائماً، وأن إرادة الشعوب قادرة على فرض التغيير مهما طال الزمن. لكنه يضع الدولة العراقية أمام مسؤولية تاريخية: بناء مؤسسات قوية، وتحصين القرار الوطني، وتوحيد الجبهة الداخلية، واعتماد سياسة خارجية متوازنة تحفظ مصالح العراق وتمنع تحويله مجدداً إلى ساحة صراع.
لقد كان إنهاء الوجود العسكري الأميركي مطلباً وطنياً حملته المقاومة والمرجعية والشعب والقوى السياسية الرافضة للاحتلال. أما استعادة السيادة كاملة، فهي المهمة التي ينبغي أن تتقدم اليوم على ما عداها. فالعراق لا يحتاج إلى وصاية جديدة، ولا إلى استبدال نفوذ أجنبي بآخر؛ بل يحتاج إلى دولة تمتلك قرارها، وتحمي شعبها، وتدير ثرواتها، وتبني علاقاتها من موقع الاستقلال والندية.
فالانسحاب أنهى مرحلة من الوجود العسكري الأميركي، أما النصر الكامل فيكتمل حين يصبح القرار العراقي عراقياً خالصاً.
/إنتهى/