مليارات السلاح... ومعادلة لم تُحسم
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/11/03 - 13:10
فمنذ عام 2015، دخلت السعودية الحرب مستندة إلى فارق هائل في الإمكانات العسكرية والمالية، لكنها وجدت نفسها أمام معادلة مختلفة، لم تستطع سنوات العمليات العسكرية أن تحسمها.
وتفتح هذه المفارقة باباً أوسع لفهم طبيعة المواجهة: ما الذي يجعل الترسانة الأكبر عاجزة عن تحقيق أهدافها؟ وكيف استطاعت القوات المسلحة اليمنية التعامل مع هذا الفارق، وتحويل كلفة التفوّق العسكري إلى تحدٍّ مستمر؟ هنا لا يتعلق الأمر بحجم السلاح وحده، بل بكيفية استخدامه، وبقدرة كل طرف على التكيّف والاستمرار، وهي المعادلة التي تكشفها تفاصيل الحرب على اليمن.
إذ لا تكمن المفارقة في أن السعودية تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة، بل في أن هذا التفوّق لم يكن كافياً لحسم الحرب على اليمن، رغم سنوات من العمليات العسكرية والإنفاق الهائل على التسلّح.
فالدولة التي تستثمر عشرات المليارات من الدولارات في أحدث المقاتلات ومنظومات الدفاع الجوي، لم تتمكن من تحويل هذه الإمكانات إلى نتيجة عسكرية وسياسية تحسم المواجهة وفق الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها.
منذ عام 2015، راهنت الرياض على تفوّقها المالي والتكنولوجي، وعلى قدرتها على إخضاع اليمن خلال فترة قصيرة. لكن امتداد الحرب كشف أن المعادلة أكثر تعقيداً من فارق الإمكانات بين الطرفين.
فامتلاك السلاح المتطور يمنح صاحبه قدرة على تنفيذ الضربات، لكنه لا يضمن وحده السيطرة على مسار الحرب، ولا يفرض بالضرورة النتيجة السياسية التي يريدها الطرف الأقوى.
فكيف يمكن لترسانة بهذا الحجم أن تواجه صعوبة في حسم معركة أمام خصم أقل إمكانات؟
هنا تبرز طبيعة الحرب غير المتكافئة. فالقوات المسلحة اليمنية لم تدخل سباقاً لمجاراة الترسانة السعودية قطعة بقطعة، بل اعتمدت وسائل قتالية تتناسب مع إمكاناتها، وتستهدف فرض تحديات مستمرة على منظومات الخصم. وفي هذه المعادلة، لا تُقاس الفاعلية العسكرية بحجم السلاح وحده، بل بمدى القدرة على توظيفه، واختيار أسلوب المواجهة، واستغلال نقاط الضعف لدى الطرف الآخر.
وتظهر هذه المعادلة بوضوح في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة. فالفارق الكبير بين كلفة بعض وسائل الهجوم وكلفة منظومات الاعتراض يفتح باباً للاستنزاف، خصوصاً عندما تتكرر التهديدات وتتطلب مواجهتها استهلاكاً مستمراً للذخائر والموارد. ولا يعني ذلك أن الدفاعات المتقدمة عاجزة عن الاعتراض، بل إن المحافظة على فعاليتها مع مرور الوقت تفرض تحديات تتجاوز نجاحها في التصدي لهجوم منفرد.
وهكذا، يتحوّل فارق الكلفة من تفصيل تقني إلى جزء من حسابات الحرب نفسها. فالسؤال لا يتعلق فقط بقدرة السعودية على امتلاك أحدث منظومات الدفاع، بل بقدرتها على الحفاظ على جاهزيتها، وتأمين الذخائر وقطع الغيار، وتعويض ما يُستهلك، ومواصلة التعامل مع تهديدات متجددة من دون أن تتحول كلفة الدفاع إلى عبء متراكم.
ومن هنا أيضاً تبرز مسألة الاعتماد على الشراكات العسكرية والتقنية الخارجية. فالتعاون بين الدول أمر شائع في المجال العسكري، لكنه يطرح تساؤلات عندما تصبح استدامة المنظومات المتقدمة مرتبطة بدرجة كبيرة بالإمدادات والخبرات والدعم الخارجي. فامتلاك السلاح شيء، والقدرة على تشغيله وصيانته وتطويره والمحافظة على فعاليته خلال حرب طويلة شيء آخر.
لكن المسألة الأهم تبقى في حصيلة الحرب. فبعد سنوات من المواجهة، لم يتحوّل التفوّق المالي والتسليحي السعودي إلى حسم يطابق الأهداف التي رُفعت عند بدء العمليات. ومع امتداد الحرب، أصبحت كلفة استمرارها جزءاً أساسياً من المعادلة، وظهر أن التفوّق العسكري التقليدي لا يكفي وحده لفرض تسوية سياسية بالشروط التي يريدها الطرف الأقوى.
هذا لا يعني أن فارق الإمكانات فقد أهميته، ولا أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة أصبح بلا قيمة. إنما يكشف أن القوة العسكرية لا تُقاس بما تملكه الدولة فقط، بل بقدرتها على تحويل مواردها إلى نتائج، والتكيّف مع أساليب خصمها، وتحمل كلفة المواجهة عندما لا تسير المعركة وفق الحسابات المرسومة.
وهنا تكمن معادلة اليمن: ليس المطلوب أن يمتلك الطرف الأقل إمكانات ترسانة تضاهي ترسانة خصمه، بل أن يمتلك القدرة على إحباط أهدافه، وفرض كلفة مستمرة عليه، ومنعه من تحويل تفوّقه العسكري إلى حسم نهائي.
فمليارات الدولارات قد تشتري أحدث الأسلحة، لكنها لا تشتري ضمانة النصر. وحين تطول الحرب، يصبح الاختبار الحقيقي ليس مَن يملك الترسانة الأكبر، بل مَن يستطيع التكيّف والاستمرار، ومَن يتمكن من تحويل إمكاناته إلى نتائج فعلية على الأرض.
/إنتهى/