الباحث في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة: إسرائيل تغيّر الوجوه لا سياساتها
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/10/31 - 15:57
وكالة تسنيم – فلسطين
تُجرى الانتخابات الإسرائيلية في ظل مرحلة سياسية وأمنية معقدة، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الحكومة المقبلة وانعكاسات نتائج الانتخابات على الفلسطينيين والمنطقة. وفي هذا السياق، أجرينا حواراً خاصاً مع المحاضر والباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي، الدكتور محمد هلسة، لمناقشة أبرز دلالات النتائج والسيناريوهات المطروحة للمرحلة المقبلة.
تسنيم: أهلا بكم دكتور محمد هلسة، ونرحب أيضا بمشاهدينا في هذا اللقاء الخاص الذي يتناول مستقبل المشهد السياسي الإسرائيلي وتداعياته على الفلسطينيين والمنطقة. كيف تقيّمون النتائج الأولية للانتخابات، وما دلالة عدم حصول كتلة بنيامين نتنياهو على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة؟
الدكتور محمد هلسة: تعكس هذه النتيجة عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر، وهي أزمة لم يتمكن من تجاوزها حتى الآن، بل ازدادت حدّتها، ولا سيما في ضوء النتائج المتقدمة التي حققتها الأحزاب العربية.
ولا يزال الطرفان عاجزين عن تشكيل حكومة مستقرة تحظى بأغلبية 61 مقعداً، كما تبدو الخيارات المتاحة أمامهما محدودة، بسبب القيود والخطوط الحمراء التي وضعها كل طرف لنفسه، ولا سيما فيما يتعلق بالعلاقة مع الأحزاب العربية، والأحزاب الحريدية، وبنيامين نتنياهو.
لذلك، يبدو المشهد معقداً إلى حد كبير، وأعتقد أن الخروج من هذه الأزمة قد يتطلب معجزة، أو تدخلاً من أطراف دولية لفرض خيار معين.
تسنيم: ما السيناريوهات المطروحة لتشكيل الحكومة المقبلة؟ وهل يمكن أن تشكّل الأحزاب العربية مفتاحاً لحسم الأزمة، أم أن إسرائيل تتجه نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية؟
الدكتور محمد هلسة: كان من المفترض أن تشكّل الأحزاب العربية مفتاحاً للخروج من هذه الأزمة، لكن نتنياهو، مرة أخرى، وضع حدوداً لما هو مسموح وممنوع في العلاقة مع العرب، وأخرجهم من إطار الشرعية الصهيونية.
في الأنظمة الديمقراطية، يُفترض أن تكون هناك أغلبية أطاحت بنتنياهو وحكومته اليمينية وأعلنت موقفها بوضوح، لكن النظام في إسرائيل يعمل بصورة مختلفة؛ إذ تقوم آليته على أغلبية تقريرية، لا أغلبية برنامجية، بمعنى أن الأغلبية الصهيونية هي التي تحدد طبيعة علاقة الطرف الآخر بالدولة.
ويُفترض، وفق هذا المنطق، أن يكون الانتماء إلى العرق اليهودي والقومية اليهودية هو المفتاح الأساسي للشراكة في النظام السياسي الإسرائيلي. ولذلك، فإن مسألة الشراكة مع العرب تبدو عملياً خارج الإطار المطروح.
أما السيناريوهات الأخرى، فقد يتمكن نتنياهو من استثمار التناقضات بين أحزاب المعارضة واستقطاب أحد أطرافها، وهو احتمال وارد في ظل وجود أحزاب يمينية ضمن المعارضة.
وقد يتمكن آيزنكوت، على سبيل المثال، من تشكيل ائتلاف بالاستناد إلى دعم الأحزاب الحريدية، وهو احتمال قائم أيضاً، وإن كانت خياراته محدودة.
ويبقى خيار المشاركة في حكومة وحدة وطنية، قد تفرضها الولايات المتحدة أو تقتضيها الضرورات السياسية، وربما يتدخل الرئيس ترامب، الذي أشار إلى إمكانية تدخله لفرض حكومة وحدة وطنية تشكّل مخرجاً للطرفين.
تسنيم: إلى أي مدى أثّرت الحرب أو الحروب في خيارات الناخب الإسرائيلي؟ وما دلالة ارتفاع نسبة المشاركة العامة ومشاركة المواطنين العرب في هذه الانتخابات؟
الدكتور محمد هلسة: من المعروف أن المجتمع الإسرائيلي كان يميل نحو اليمين حتى قبل السابع من أكتوبر، لكن أحداث السابع من أكتوبر دفعت به نحو مزيد من العنصرية والفاشية.
ويشكّل موقف مختلف الأحزاب والشخصيات السياسية اليهودية اليوم من الصوت العربي دليلاً واضحاً على هذه العنصرية وهذا الانزياح نحو اليمين.
لقد ظلّت الحروب بمنزلة فزّاعة يستخدمها نتنياهو لمحاولة حشد المجتمع الإسرائيلي خلف مقاربته السياسية. كما اعتمدت الأحزاب اليمينية والصهيونية طويلاً على التهديدات الوجودية لإبقاء المجتمع الإسرائيلي تحت تأثيرها وتوجيهه.
وغالباً ما يلجأ المجتمع الإسرائيلي إلى أحزاب اليمين باعتبارها، من وجهة نظر أنصارها، الطرف القادر على توفير الحماية وإنقاذ المجتمع من التهديدات.
ويقدّم نتنياهو نفسه، كما تعلمين، باعتباره رجل الأمن الوحيد القادر على حماية إسرائيل من هذه التهديدات.
لذلك، خدمت الحروب والتهديدات المرتبطة بها التيار اليميني بصورة أساسية، انطلاقاً من الاعتقاد بأن اليمين وحده قادر على حماية إسرائيل، في حين أن الأطراف الأخرى قد تفرّط بأمنها وبما حققته من إنجازات في مختلف الملفات، ولا سيما الاستيطان والسيطرة العسكرية.
تسنيم: كيف تنعكس هذه النتائج على الفلسطينيين عموماً؟ وهل يمكن توقع تغيير في سياسة الاستيطان وضم الضفة الغربية، أم أن النهج القائم سيستمر بصرف النظر عن هوية الحكومة الحالية أو المقبلة؟
الدكتور محمد هلسة: لنفترض أن نتنياهو والتيار اليميني غابا عن المشهد السياسي الإسرائيلي، فإن الفارق بين الطرفين يتمثل في أن أجندة اليمين الصهيوني تقوم على حسم الصراع مع الفلسطينيين، والإحلال، والاستيطان، والتهجير، والسيطرة على الأرض.
بمعنى آخر، يسعى هذا التيار إلى تحويل الجغرافيا الفلسطينية بأكملها، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى، إلى أراضٍ يهودية تابعة للدولة الإسرائيلية.
أما الطرف الآخر، فلا يختلف كثيراً في مقاربته الأمنية ونظرته إلى الفلسطينيين، لكنه يتبنى، في مجمله، فكرة إدارة الاحتلال بدلاً من حسم الصراع مع الفلسطينيين.
وتختلف المقاربات التي قد تطرحها أحزاب المعارضة في حال وصولها إلى الحكم. فعلى سبيل المثال، يطرح ليبرمان فكرة الكونفدرالية، التي تقوم على تسليم الضفة الغربية إلى الأردن وقطاع غزة إلى مصر.
كما يطرح آيزنكوت وبيني غانتس مقاربة لا تتضمن رؤية سياسية يمكن أن تقود إلى تحقيق قيام دولة فلسطينية. وهناك شبه إجماع على رفض فكرة الكيان الفلسطيني، التي سقطت عملياً من جدول أعمال النقاش السياسي الإسرائيلي.
ومع ذلك، قد نشهد تراجعاً في بعض مظاهر الشعبوية، ومنها الانفلات غير المنضبط للمستوطنين، والاستعراضات التي يقوم بها بن غفير أمام الأسرى الفلسطينيين وفي المسجد الأقصى.
وقد نشهد أيضاً بعض التغييرات المرتبطة بالجوانب الإنسانية والحياتية، مثل الإجراءات المتعلقة بالحواجز وإصدار تصاريح لبعض العمال الفلسطينيين. لكن على مستوى الجوهر، وتحديداً في النظرة إلى الوجود الفلسطيني والحقوق الفلسطينية، لن يكون هناك تغيير.
تسنيم: هل تحمل هذه النتائج تداعيات إقليمية؟ وما تأثيرها المحتمل على التصعيد مع إيران ولبنان، ومستقبل التطبيع مع الدول العربية، وموقف الإدارة الأمريكية من هذه الملفات؟
الدكتور محمد هلسة: ترى أحزاب المعارضة أن على إسرائيل تبنّي خطاب مختلف عن الخطاب الذي يواصل نتنياهو الترويج له، وأن تنتقل من سياسة الحروب المفتوحة والمستمرة دون أفق واضح إلى توظيف الإنجازات العسكرية وتحويلها إلى مكاسب سياسية واستراتيجية.
ويعني ذلك العمل على ترتيبات سياسية تكرّس الوقائع التي فرضتها إسرائيل على الأرض، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو لبنان وسوريا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
ومن شأن هذه الترتيبات أن تتيح لإسرائيل العودة مجدداً إلى المنظومة الدولية، وتعزيز اندماجها فيها، والعمل على تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي. كما تضمن هذه الاتفاقيات تحويل المكاسب التي تحققت على صعيد السيطرة العسكرية والاستيطان إلى إنجازات استراتيجية داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
أما مقاربة نتنياهو، فتقوم على ضرورة مواصلة استخدام القوة والحروب المفتوحة لإخضاع الجميع. وهو لا يسعى بالضرورة إلى قيام دول ذات سيادة في المنطقة، بل يريد إنشاء كيانات شبه سياسية تعمل تحت المظلة الإسرائيلية والأمريكية.
تسنيم: في ضوء هذه النتائج، ما أبرز التحديات التي تواجه الفلسطينيين؟ وهل يمكن أن تفتح المرحلة المقبلة المجال أمام انفراج سياسي، أم أن التغيير سيقتصر على الوجوه؟ وما الرسالة التي توجهونها إلى الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية؟
الدكتور محمد هلسة: في الواقع، يمكن القول إن التغيير السياسي في إسرائيل بات أمراً مستبعداً، ولم يعد هناك مجال للحديث عن أفق سياسي قد يفضي في نهاية المطاف إلى مناقشة حقوق الفلسطينيين.
بل إن مجرد تحسين صورة إسرائيل من خلال الحديث عن تغيير نظامها السياسي قد ينطوي على مخاطر بالنسبة إلى الجانب الفلسطيني؛ إذ يمكن أن يعفي إسرائيل من التزاماتها، ويخرجها من دائرة العزلة والانتقادات التي تواجهها حالياً.
كما قد يضع الفلسطينيين في موقف حرج، لأنه سيؤدي، في المقام الأول، إلى سحب ورقة التأييد الشعبي العالمي وموجة التضامن الدولي التي اكتسبوها، على أساس أن النظام السياسي الإسرائيلي قد تغيّر ولم تعد الشعبوية قائمة في إسرائيل.
وعندها، ستقع مسؤولية الإثبات على الجانب الفلسطيني، إذ سيقال إن إسرائيل قد تغيّرت، فما الجديد الذي يمكن أن يقدمه الطرف الفلسطيني من جانبه؟ وهو ما قد يدفع الفلسطينيين إلى تقديم مزيد من التنازلات.
إن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير السياسات. وقد نشهد بعض التغييرات الشكلية أو التعديلات المحدودة، لكن جوهر النهج سيبقى قائماً لدى الطرف الذي سيتولى الحكم.
وستكون المعضلة الأساسية أمام القيادة الجديدة أنها لن تكون قادرة على تقديم تنازلات، لأنها ستكون بحاجة إلى إثبات أنها أكثر يمينية وصهيونية ووطنية من نتنياهو.
كما أن نتنياهو سيبقى مترصداً لخليفته، ولن يسمح له بتجاوز السقوف التي وضعها في علاقته مع العرب والفلسطينيين.
وبالتالي، فإن القيادة الجديدة ستكون أمام خيارين: إما الحفاظ على هذه السقوف، أو تجاوزها نحو مستويات أعلى، ولا سيما في مجالات السيطرة العسكرية والاستيطان واستخدام القوة العسكرية.
ختاماً، نتوجه بالشكر الجزيل إلى المحاضر والباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي، الدكتور محمد هلسة، على هذه الإضاءات والتحليلات.
وتكشف نتائج الانتخابات الإسرائيلية عن مشهد سياسي معقد يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة بشأن تشكيل الحكومة المقبلة، في وقت تبقى فيه تداعيات هذه النتائج على الفلسطينيين والمنطقة عموماً مرهونة بالسياسات التي ستنتهجها الحكومة الجديدة.
تابعونا في لقاءات خاصة أخرى، نواصل خلالها قراءة المشهد السياسي الإسرائيلي وتطوراته وانعكاساته على فلسطين والمنطقة.كنت معكم من فلسطين، لمي ابوحلو.
/إنتهي/