تفكّك أم استحقاق انتخابي؟ نتنياهو يحاصر نفسه بأزماته… والخليل في قلب المعركة
- الأخبار الدولی
- 2026/10/25 - 10:58
أمل شبيب
قبل أيام من انتخابات الكنيست المقرّرة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، يجد "بنيامين نتنياهو" نفسه أمام واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في مسيرته السياسية. فالرجل الذي جعل الأمن عنواناً مركزياً لخطابه، وقدّم نفسه على مدى سنوات بوصفه القائد القادر على حماية الكيان الإسرائيلي وإدارة حروبه، يدخل الاستحقاق الانتخابي وسط إخفاقات أمنية متراكمة، وتراجع في تأييد حزبه، وتصدّعات داخل الائتلاف، ومنافسة لا تقتصر على المعارضة، بل تمتد إلى قلب المعسكر اليميني الذي عاد معه إلى الحكم.
لم يعد السؤال المطروح على نتنياهو مجرّد ما إذا كان سيحافظ على موقعه في رئاسة الحكومة، بل ما إذا كان قادراً على احتواء الانهيار المتدرّج في صورته السياسية، وإقناع الناخب الإسرائيلي بأنّ السنوات التي قضاها في السلطة لم تتحوّل إلى عبء يصعب الدفاع عنه. فالحروب التي لم تُنهِ المواجهة، والإخفاق الأمني في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والانقسامات الداخلية، والاحتجاجات على إضعاف القضاء، كلّها عوامل تضع سجله أمام مساءلة تتجاوز الشعارات الانتخابية.
وفي هذا المشهد، تأتي الخليل لتكشف جانباً إضافياً من المأزق. فالتصعيد العسكري الذي شهدته المدينة ومحيطها، عقب مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين في عملية إطلاق نار، أعاد الأمن إلى واجهة الحملة، في لحظة يحتاج فيها نتنياهو إلى استعادة زمام المبادرة. لكنّ ما يجري على الأرض الفلسطينية لا يمكن اختزاله في حسابات الانتخابات، ولا يمكن التعامل مع معاناة السكان باعتبارها تفصيلاً في صراع سياسي على السلطة.
من إخفاق السابع من تشرين الأول إلى أزمة الثقة
منذ عام 2019، يعيش الكيان الإسرائيلي حالة من عدم الاستقرار السياسي، مع تعاقب الانتخابات وأزمات تشكيل الحكومات والانقسام حول بقاء نتنياهو في الحكم. وقد أعادته انتخابات 2022 إلى رئاسة الحكومة على رأس ائتلاف من 64 مقعداً، لكنّ هذه العودة لم تعنِ تجاوز الأزمة، بل جمعت داخل الحكومة قوى متناقضة في المصالح والحسابات، وفتحت الباب أمام صراعات لم تتوقف.
ثم جاءت خطة إضعاف القضاء عام 2023 لتفجّر احتجاجات واسعة، وتكشف عمق الانقسام في الداخل الإسرائيلي. ومع هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، واجهت المؤسسة الأمنية والسياسية أحد أكبر إخفاقاتها، ووجدت الحكومة نفسها أمام أسئلة ثقيلة عن مسؤوليتها، وعن قدرتها على حماية الداخل، وعن جدوى السياسات التي اعتمدتها.
لم يكن ذلك إخفاقاً عابراً يمكن تجاوزه بخطاب جديد أو عملية عسكرية إضافية. فقد أصاب جوهر الصورة التي بنى نتنياهو عليها حضوره السياسي: صورة الرجل الذي يقدّم نفسه باعتباره الأقدر على إدارة التهديدات الأمنية.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد المسألة تتعلق فقط بما إذا كانت الحكومة قادرة على مواصلة الحرب، بل بما إذا كانت قادرة على إقناع جمهورها بأنّ استمرارها سيؤدي إلى نتائج مختلفة عن تلك التي أنتجتها السنوات السابقة.
ومع اقتراب الانتخابات، يعود هذا السؤال إلى الواجهة. فنتنياهو لا يواجه منافسين يطالبونه بتغيير الحكومة فحسب، بل يواجه سجلّاً سياسياً وأمنياً بات جزءاً من النقاش الانتخابي، ويصعب فصله عن مسؤولية القيادة التي كانت في السلطة.
"الليكود" يتراجع… والائتلاف يفقد ضمانة الأغلبية
تعكس استطلاعات الرأي في الداخل الإسرائيلي تراجعاً واضحاً في موقع "الليكود" مقارنة بنتيجة انتخابات 2022، حين حصد 32 مقعداً. وتتراوح تقديراته في الاستطلاعات السابقة للاقتراع بين نحو 22 و24 مقعداً، فيما تشير التقديرات إلى أنّ الائتلاف الذي يقوده نتنياهو قد يحصل على نحو 52 إلى 54 مقعداً، من دون ضمان أغلبية برلمانية واضحة.
تكشف هذه الأرقام أن نتنياهو يدخل الانتخابات من موقع أضعف، وأنّ قدرته على تحويل الدعم السياسي إلى أغلبية مستقرة أصبحت موضع شك.
ففي نظام يقوم على التحالفات، لا يكفي أن يتقدّم حزب على منافسيه، ولا يكفي أن يحتفظ نتنياهو بكتلة من المقاعد. المطلوب هو جمع أغلبية قادرة على تشكيل الحكومة، وإبقاء مكوّناتها متماسكة، وتجنّب الانهيار عند أول خلاف على الملفات الأمنية أو الدينية أو الاقتصادية.
وهنا تتضاعف الأزمة. فالتراجع في الاستطلاعات لا يهدّد الليكود وحده، بل يضغط على شبكة التحالفات التي يعتمد عليها نتنياهو. وكلّما تقلّص هامش المناورة، ازدادت قدرة الأحزاب الصغيرة على فرض شروطها، وارتفعت كلفة الحفاظ على الحكومة.
وبذلك، يصبح نتنياهو أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد المنافسة على الأصوات: كيف يحافظ على موقعه في معسكر يتراجع، ويمنع خصومه من تحويل التراجع إلى بديل سياسي، ويحتوي في الوقت نفسه الخلافات التي تهدّد تماسك ائتلافه؟
اليمين يتصدّع… والصراع على خلافة نتنياهو
لا تأتي الضغوط التي تواجه نتنياهو من المعارضة وحدها. فداخل اليمين نفسه، تتنافس قوى وشخصيات على توسيع نفوذها، وتختلف في حساباتها بشأن مستقبل الحكومة والسياسات التي ينبغي اتباعها.
إيتمار بن غفير يسعى إلى توسيع حضوره بخطاب أكثر تشدّداً تجاه الفلسطينيين، فيما يواجه بتسلئيل سموتريتش تحدّيات انتخابية مرتبطة بأداء حزبه والخلافات بشأن تجنيد الحريديم. أما الأحزاب الدينية، فتجد نفسها أمام حسابات متشابكة بين الحفاظ على امتيازاتها ومواقعها داخل الائتلاف، والاستجابة لضغوط تتصاعد بشأن الخدمة العسكرية وتوزيع الأعباء.
وفي المقابل، يسعى غادي آيزنكوت، عبر حزب «يشار»، إلى استقطاب أصوات وتقديم نفسه منافساً لليكود، فيما يعمل التحالف الذي يجمع نفتالي بينيت ويائير لبيد على توسيع قاعدته الانتخابية. ويحاول أفيغدور ليبرمان الحفاظ على موقعه في مشهد تتنافس فيه القوى على تحديد شكل القيادة المقبلة.
لكنّ الأهم من أسماء المنافسين هو ما تكشفه هذه المنافسة عن طبيعة الأزمة. فنتنياهو لم يعد يواجه خصومه من موقع الزعيم الذي يفرض شروطه على الجميع، بل أصبح جزءاً من صراع داخلي على القيادة، وعلى تعريف مَن هو الأقدر على إدارة المرحلة المقبلة.
والمفارقة أنّ بعض منافسيه لا يطرحون مراجعة جوهرية للسياسات تجاه الفلسطينيين، بل ينافسونه على التشدد، وعلى إظهار قدرة أكبر على استخدام القوة وفرض السيطرة. وهذا يعني أنّ تراجع نتنياهو قد يفتح الباب أمام تغيير في قيادة الحكومة، من دون أن يضمن تغييراً في النهج السياسي والعسكري.
الخليل… تصعيد لا يمحو الإخفاقات
في 23 تشرين الأول/أكتوبر، نفذت المقاومة الفلسطينية عملية قتل فيها جنديين إسرائيليين وأُصيب ثلاثة آخرون في عملية إطلاق نار قرب الخليل. وعقب العملية، أعلن نتنياهو إجراءات عسكرية واسعة، شملت تشديد الإغلاق حول المدينة ومحيطها، وتوسيع الحملة في الضفة الغربية المحتلة.
وترافقت الإجراءات مع اقتحامات وهدم مبانٍ فلسطينية وإخطارات بإخلاء منازل، فيما أُغلقت طرق ومعابر وأُجبر سكان على مواجهة قيود تمسّ حركتهم وحياتهم اليومية، إضافة الى تهجير عائلات وتعرّض منازل وممتلكات للتدمير، وسط تحذيرات من اتساع نطاق الإجراءات.
لم يقتصر التصعيد على الردّ المباشر على العملية، بل رافقته تصريحات عن توسيع العمليات العسكرية، ومواقف داعمة للمستوطنين، وتهديدات بتشديد الضغط على الفلسطينيين. وهكذا، اتخذت الحملة في الخليل أبعاداً تتجاوز ملاحقة منفّذي الهجوم، لتصبح جزءاً من مشهد أوسع يتصل بالسيطرة على الأرض وسياسات الاحتلال في الضفة الغربية.
لكنّ توقيت الحملة يفرض قراءة سياسية لا يمكن تجاهلها. فقبل أيام قليلة من الانتخابات، يعود الملف الأمني إلى واجهة الخطاب الإسرائيلي، ويجد نتنياهو فرصة لتقديم نفسه مجدداً في موقع القائد الذي يتوعّد بردّ عسكري واسع.
وقد رأى مسؤول في بلدية الخليل أنّ العملية مرتبطة أيضاً بمحاولة نتنياهو وحلفائه استقطاب مزيد من أصوات المستوطنين.
يفتح التزامن بين التصعيد والاستحقاق الانتخابي الباب أمام توظيف التطورات الميدانية في المنافسة السياسية. فحين يواجه نتنياهو أسئلة عن إخفاقات حكومته، يصبح التصعيد وسيلة لإعادة توجيه النقاش نحو التهديدات الراهنة، وتقديم القيادة الأمنية باعتبارها المعيار الأساسي للاختيار.
لكنّ ذلك لا يمحو الأسئلة التي سبقت الحملة، ولا يعالج أسباب الإخفاقات التي جعلت "الأمن" نفسه موضع مساءلة. كما أنّ توسيع العمليات العسكرية لا يضمن نتيجة انتخابية محدّدة، ولا يثبت أنّ نتنياهو سيتمكّن من استعادة ثقة الناخبين عبر التصعيد.
أما الفلسطينيون، فلا يعيشون هذه التطورات بوصفها مادة في حملة انتخابية. فالإغلاق والهدم والاقتحامات وإجبار العائلات على إخلاء منازلها تفرض أثماناً مباشرة على السكان، وتطال أمنهم وبيوتهم وحقّهم في الحركة والحياة. والخليل ليست رقماً في استطلاع، ولا أحياء المدينة مجرّد خلفية لصراع سياسي داخل الكيان الإسرائيلي.
الأحزاب العربية… عامل في معادلة لا تحسمها الاستطلاعات
تكتسب الأحزاب العربية أهمية إضافية في الحسابات الانتخابية، مع تقارب الكتل وعدم امتلاك أيّ معسكر أغلبية واضحة في عدد من الاستطلاعات. وتشير التقديرات الواردة في المقالات إلى إمكانية حصول القوائم العربية مجتمعة على نحو 12 إلى 14 مقعداً، ما يجعل وزنها البرلماني عاملاً حاضراً في النقاشات المتعلقة بتشكيل الحكومة.
لكنّ هذه الأرقام تبقى تقديرات استطلاعية، ولا تعني أنّ الأحزاب العربية ستتمكّن تلقائياً من فرض دور حاسم في الحكومة المقبلة. فمواقف الأحزاب الصهيونية من التعاون معها، والانقسامات داخل المعسكرات، والمفاوضات التي تلي الانتخابات، كلّها عوامل تجعل النتائج السياسية غير محسومة.
وفي هذا السياق، لا ينحصر الصراع في المنافسة على المقاعد، بل يمتد إلى طبيعة التحالفات التي يمكن أن تتشكّل بعد الاقتراع، وإلى قدرة الأحزاب الصغيرة على فرض شروطها.
وبالنسبة إلى نتنياهو، فإنّ هذه المعادلة تزيد صعوبة الحفاظ على الحكم. فحتى إذا احتفظ "الليكود" بكتلة مؤثرة، يبقى تشكيل الحكومة رهناً بقدرة الائتلاف على جمع أغلبية، وبمدى استعداد مكوّناته للاستمرار تحت قيادة تواجه تراجعاً وضغوطاً متراكمة.
تفكّك نتنياهو لا يعني نهاية النهج
قد تتغيّر الحكومة المقبلة، وقد يتراجع الليكود، وقد يجد نتنياهو نفسه أمام صعوبة أكبر في جمع الأغلبية أو الحفاظ على تماسك حلفائه. لكنّ هذه الاحتمالات لا تعني بالضرورة أنّ السياسات تجاه الفلسطينيين ستتغيّر.
فالتنافس داخل اليمين، كما في المعارضة، لا يدور دائماً حول مراجعة الاحتلال والاستيطان والعمليات العسكرية، بل حول مَن يستطيع إدارة هذه الملفات، ومَن يقدّم نفسه بوصفه الأقدر على فرض السيطرة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: نتنياهو يواجه أزمة في القيادة، لكنّ الأزمة لا تضمن ظهور بديل يختلف جوهرياً عن السياسات التي قادها. فقد تتبدّل أسماء الأحزاب والتحالفات، فيما يستمر التنافس على استخدام القوة وتشديد الإجراءات بحق الفلسطينيين.
وهذا ما يجعل الانتخابات أبعد من سؤال مَن سيفوز. فالمهم ليس فقط مَن سيجلس في رئاسة الحكومة، بل ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد مراجعة للسياسات التي جعلت الفلسطينيين في مواجهة دائمة مع الاحتلال، أم أنّ التغيير سيقتصر على إعادة توزيع السلطة داخل المنظومة نفسها.
الخليل ليست ورقة انتخابية
في الخليل، تُقاس آثار التصعيد بما يحدث للبيوت والعائلات والطرقات والحياة اليومية. وفي المشهد السياسي الإسرائيلي، تُقاس التطورات بما قد تضيفه إلى رصيد هذا الحزب أو ذاك، وبما إذا كانت ستؤثر في خيارات الناخبين قبل الاقتراع.
وبين الميدان وصناديق الانتخابات، تتكشف مفارقة السياسة الإسرائيلية: صراع على مَن يحكم، وتصعيد عسكري يدفع الفلسطينيون ثمنه.
نتنياهو يدخل الانتخابات محمّلاً بإخفاقات أمنية، وتراجع في الاستطلاعات، وتصدّعات داخل الائتلاف، ومنافسة من داخل المعسكر الذي أعاده إلى السلطة. وقد يحاول استخدام التصعيد لاستعادة موقعه، لكنّ القوة العسكرية لا تمحو سجلّ الإخفاقات، ولا تضمن استعادة الثقة، ولا تعالج أزمة الحكم التي تتراكم حوله.
قد يخسر نتنياهو مقاعد، وقد تتراجع فرصه في تشكيل حكومة، وقد تتبدّل التحالفات والوجوه، لكنّ المعيار الحقيقي لن يكون سقوطه أو بقاؤه وحده. المعيار هو ما إذا كانت الانتخابات ستفتح باباً لمراجعة السياسات، أم ستعيد إنتاجها تحت قيادة مختلفة.
أما الخليل، فلا ينبغي أن تُختزل إلى ورقة في معركة نتنياهو الانتخابية، ولا أن تتحوّل معاناة أهلها إلى خلفية لصراع على السلطة. فبينما يتنافس السياسيون الإسرائيليون على مَن يملك القدرة الأكبر على فرض الوقائع بالقوة، يدفع الفلسطينيون الثمن من أرضهم وبيوتهم وأمنهم وحقّهم في الحياة بحرية.
وهنا تتجاوز أزمة نتنياهو حدود الانتخابات: إنها أزمة قيادة وسجلّ أمني وسياسي، وأزمة منظومة تتنافس قواها على إدارة الصراع، فيما يبقى الفلسطينيون في قلب نتائجه، من دون أن يملكوا قرار إشعاله أو إيقافه.
/إنتهى/