في الانتخابات الإسرائيلية لا أمل للفلسطينيين في الفائز أو المهزوم

وفي التركيز على شخصية نتنياهو واليمين المتطرف يتم اختزال الحياة السياسية في شخصيته يعول المعلقون على تغير الخطاب السياسي وبالضرورة الممارسة السياسية الإسرائيلية، سواء في القضايا المحلية، والمؤسسات الحاكمة التي أفرغها نتنياهو من معناها في محاولاته للبقاء بالسلطة والهروب من الملاحقات القانونية والمساءلة بشأن مسؤوليته عن هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر.

  كل الافتراضات المتعلقة بالفلسطينيين والصراع الإسرائيلي- الفلسطيني والتعويل على انتخابات كفيلة بتغيير البوصلة الإسرائيلية من الفلسطينيين لن تكون صحيحة، فالجميع تقريبا بات في معسكر اليمين ولا يهمه الشأن الفلسطيني.

 يقول كثيرون إن إزاحة نتنياهو أمر لا غنى عنه، حيث عمل نتنياهو وحكومته المتطرفة، طوال السنوات الماضية على منع قيام دولة فلسطينية وشجعوا الاستيطان. مع أن منافسه الرئيسي، غادي آيزنكوت يرفض قيام دولة فلسطينية، ولكنه وعد بكبح عنف المستوطنين في الضفة الغربية والانخراط في خطة إدارة ترامب لوقف إطلاق النار لإعادة إعمار غزة.

هذا الانقسام يعتبر أحد الأسباب التي تجعل الفلسطينيين يولون اهتماما خاصا لهذه الانتخابات، رغم أن ما يريدونه لا يهم الناخبين الإسرائيليين. وفي مقابلات أجريت معهم في غزة والضفة الغربية قالوا إنهم لا يتوقعون من خصوم نتنياهو تغيير الأوضاع جذريا نحو الأفضل.

وبات ما يريد عمله المستوطنون وحلفاؤهم في الحكومة على رأس أولويات الناخبين الإسرائيليين، فمن يسرقون أراضي الفلسطينيين حائرون بما يجب عمله بالشعب الفلسطيني، كما أشار تقرير في صحيفة “ديلي تلغراف” (22/10/2026) وسأل أحدهم الذكاء الاصطناعي جيمناي على غوغل عن الطريقة المثلى للتخلص من الفلسطينيين.

وأشار التقرير إلى الإنقسام الديني- العلماني الحاد داخل إسرائيل وفي مركزه مصير الفلسطينيين، حيث تحولت إبادتهم وترحيلهم من وطنهم أمرا مسلما به. وتشير الصحيفة إلى أن هذا الإنقسام ينذر بنزاع أهلي وخلافات، وبخاصة أن الكثير من الإسرائيليين يخططون للهجرة لو فاز نتنياهو مرة أخرى. وبالمقابل يعاني اليمين نفسه من خلافات بشأن تجنيد طلاب المدارس الدينية، وبخاصة الحريديم بالجيش الإسرائيلي، وهو انقسام أثاره تقرير منسوب لسي آي إيه نشر في موقع “دروب سايت نيوز” قبل فترة وتوقع تفككا وحربا أهلية إسرائيلية. ولا حاجة للقول إن إسرائيل تعيش اليوم بين واقعين، واقع دعاة التطهير العرقي والإبادة وواقع يمت إلى ماضي الدولة ويؤشر إلى تقاليد علمانية في الحكم تأكلت بشكل كبير. وهو ما يؤكد رؤية التقرير المزعوم. فهناك المطالبون بالدولة التوراتية وهناك من يتمسكون بأن إسرائيل هي "الديمقراطية" الوحيدة في الشرق الأوسط، ويتهمون نتنياهو بتدمير الديمقراطية وتراجع صورة إسرائيل في العالم، وخاصة في الولايات المتحدة. ولم يأخذ الكثيرون من هؤلاء تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اللحظة ودعمه “المحارب” نتنياهو، وقالوا إن دعم ترامب لن يعطي نتنياهو الكثير من الدعم في ظل تراجع ائتلافه في استطلاعات الرأي، مع أن هذه عادة ما تكذب.

لا يقدم أو يؤخر

ولكن منشور ترامب على “تروث سوشيال” يوم الأحد وقبل أسبوع واحد من الانتخابات، يخفي حقيقة أن الرئيس لم يلتق بنتنياهو في رحلته الأخيرة للأمم المتحدة، كما يقول نقاد رئيس الوزراء. ولا يهم في المرحلة الحالية دعم ترامب، كما أشارت مجلة “بوليتيكو” (21/10/2026) فتدخل ترامب الأخير لن يؤثر كثيرا على نتائج الاستطلاعات التي منحت نتنياهو وائتلافه ما بين 48- 51 مقعدا، مقابل تقدم المعارضة. والملاحظ أن جيه دي فانس، نائب ترامب سئل عن الانتخابات الإسرائيلية، فأجاب بأنه “لا يتدخل في شؤون الدول الأخرى”، فسارع الساخرون منه قائلين، ماذا كنت تفعل في هنغاريا إلى جانب رئيس وزرائها المهزوم فيكتور إربان؟

آيزنكوت النسخة الأخرى

وبالمقابل لا يمثل غادي آيزنكوت أملا للفلسطينيين بخلاف ما يريد تحقيقه للإسرائيليين، فهو كما تقول صحيفة “نيويورك تايمز” (23/10/2026) لا يتحدث كسياسي ويعرض خططه بأسلوب مباشر وعملي، أشبه بقائد عسكري يحدد مهاما لجنوده. وهذا أسلوب غير مألوف في الحملات الانتخابية. وأشارت إلى أن هذا الأسلوب يعكس شخصيته ورؤيته للقيادة ومدى خطورة المشكلات التي تواجهها إسرائيل في نظره.

ويقول آيزنكوت، البالغ من العمر 66 عاما، إنه يخوض الانتخابات من أجل “إنقاذ إسرائيل”. ومشكلة آيزنكوت هي نقص تجربته السياسية، والسؤال هل سيثق به الناخبون، فلم يدخل الكنيست إلا مرة واحدة ولم يتول منصبا وزاريا سوى لثمانية أشهر ولم يسبق له أن واجه ضغوطا دولية؟ ومن هنا تدور الانتخابات حول “الشخصية”.

فبينما نشأ نتنياهو في كنف النخبة الأشكنازية في القدس، ينحدر آيزنكوت من الأطراف التي طالما عانت من الإهمال في إسرائيل، فقد ولد في طبريا شمالا لأبوين مهاجرين من المغرب، ونشأ في مدينة إيلات الجنوبية وسط بيئة عمالية. وإذا تولى المنصب، فسيكون أول رئيس وزراء من المزراحيم. وقد يشكل هذا نقطة قوة له، فالمزراحيم -وهم اليهود المنحدرون من دول الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا- يشكلون نحو نصف اليهود في إسرائيل، ويمثلون جزءا كبيرا من القاعدة السياسية لنتنياهو.

وفي سجله العسكري، قيادة الجيش في الضفة الغربية عام 2003، في ذروة الانتفاضة الثانية. ووفقا لنيتزان ألون، الذي كان يشغل منصب قائد لواء آنذاك، فقد ساهم آيزنكوت في وقف العمليات الانتحارية وإنهاء الانتفاضة من خلال اعتقال مقاومين فلسطينيين وتسريع بناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية.

ويقول الفلسطينيون الذين قابلتهم صحيفة “نيويورك تايمز”، إنهم لا يتذكرون بوضوح دور آيزنكوت في قمع تلك الانتفاضة، لكنهم وصفوه بأنه “أهون الشرين” مقارنة بنتنياهو.

إلا أنه قال في حرب غزة أن نتنياهو فقد التوازن، مشيرا إلى أنه كان “يرتجف كأوراق الشجر”. ونفد صبره تجاه إصرار نتنياهو على السعي لتحقيق “نصر كامل”، وهو هدف بعيد المنال، بدلا من إبرام اتفاق مع حركة حماس يقضي بالإفراج عن الأسرى. واستقال آيزنكوت في حزيران/يونيو 2024. ومع أن آيزنكوت لديه عدد من البرامج لتخفيف العنف في الضفة وتحسين العلاقة مع الفسطينيين إلا أن برنامجه الانتخابي يهدف برمته إلى وضع إسرائيل على مسار نحو ما يعتبره “حالة طبيعية” وهو أمر لن يتحقق بدون رحيل نتنياهو.

أرض محروقة

وفي ظل سياسة الأرض المحروقة في الضفة، فلا أمل للفلسطينيين، في المعارضة أو الحكومة الحالية، وكل ما يتمنوه هو توقف مؤقت للعنف الذي بات يغمر الأرض من مشارف مدينة نابلس شمالا وصولا إلى تلال جنوب الخليل، حيث يتحدث الفلسطينيون ومراقبون إسرائيليون ودوليون عن أعداد غير مسبوقة من هجمات المستوطنين وعمليات إحراق متعمدة واستيلاء على الأراضي وأعمال سرقة وكل ذلك يحدث دون رادع يذكر من قبل قوات الأمن الإسرائيلية أو حكومة بنيامين نتنياهو، التي تعتبر المستوطنين قاعدة انتخابية رئيسية لها.

ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” (20/10/2026) عن إيلان باز، وهو جنرال إسرائيلي متقاعد سبق له قيادة لواء مشاة في الضفة الغربية وترأس لاحقا “الإدارة المدنية” الإسرائيلية في الأراضي المحتلة: “هذه أسوأ فترة على الإطلاق، والسبب في ذلك هو أن الحكومة الإسرائيلية تدعم هذا الوضع، فالوزراء الذين يملكون سلطة ضبط الأمور لا يرغبون في ممارستها، لا سيما الآن، قبل أسبوعين من الانتخابات”.

وكان الفلسطينيون يعتبرون موسم قطاف الزيتون في الخريف احتفالا سنويا. أما اليوم فيؤكد المزارعون الفلسطينيون أنهم واجهوا صعوبات بالغة في جمع محصول هذا العام، وهم في حالة حصار.


وحتى قبل الهجوم الأخير في الخليل وأمر نتنياهو بحملة عسكرية ضدها، وهي عملية كان يطمح لها، وإن بصورة أكبر وضد إيران وليس الضفة كمبرر له وحشد قاعدته الانتخابية، فقد نشرت صحف أمريكية أن نتنياهو طلب في محادثاته مع ترامب استئناف العمليات العسكرية ضد طهران. وحتى الآن، رفض الرئيس الأمريكي الطلب أو أجلها على ما يبدو لما بعد الانتخابات النصفية، مع أنه لم يتوقف عن تهديد إيران وإنهاء الحرب سريعا.


وفي هذا السياق أشارت مجلة “ذي اتلانتك” (22/10/2026) بأن عودة الحرب من جديد هي مقامرة فاشلة، لأن الحصار الاقتصادي أو القصف الجوي لم يحققا شيئا. ومع ذلك لا أحد يمكنه التكهن بما سيفعله ترامب، فقد طلعت صحيفة “نيويورك تايمز” (23/10/206) بخبر حصري ربطت فيه استدعاء الموظفين غير الرسميين من السعودية بتخطيط متقدم من إيران لاستهداف أمريكيين.

وفي موسم الانتخابات يستخدم كل طرف ما لديه من وسائل لهزيمة الآخر. ومن هنا سارع نتنياهو مثلا، تحميل حماس مسؤولية انتفاضة الطلاب الفرنسيين الذين كانوا يحتجون على فشل الماكرونية وتراجع المستوى التعليمي والمعيشي، فيما حمل ترامب المهووس بالهجرة والصوماليين على حد تعبير “ذي انترسيبت” (21/10/2026)، الهجرة مسؤولية الاضطرابات الأخيرة. وفي معارك الفاشلين لا شيء يوقفهم، ففي محاولة شيطنة الطرف الآخر، ووصم ترامب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميتشغان، عبد الرحمن السيد بالجهادي والخطير.

ولاحظت صحيفة “نيويورك تايمز”(23/10/2026) أن ترامب في محاولاته لنزع الشرعية وترحيل النائبة الديمقراطية إلهان عمر يتبع نهج الأنظمة الديكتاتورية ويعيد فترة حالكة من التاريخ الأمريكي في القرن العشرين وهو سحب الجنسية من المعارضين السياسيين. فقد جرد الاتحاد السوفييتي الكاتب المعارض ألكسندر سولجينيتسين من جنسيته عام 1974 ورحله إلى ألمانيا الغربية. كما سحبت تشيكوسلوفاكيا جنسية ميلان كونديرا، وهو كاتب شهير آخر، عام 1979. واتخذت ألمانيا الشرقية ورومانيا، في ظل الحكم الشيوعي خطوات مماثلة ضد منتقديهما، وكذلك فعلت تشيلي في عهد أوغستو بينوشيه واليونان في ظل دكتاتوريتها العسكرية وألمانيا في عهد هتلر، وإيطاليا في عهد موسوليني. وقبل فترة جردت نيكاراغوا أكثر من 300.

والآن، تأتي محاولة جديدة للقيام بذلك من إدارة الرئيس ترامب، مشيرة لتفتيش منزل عمر والمهاجرة الصومالية، في واشنطن، فيما يبدو ضمن تحقيق فدرالي بشأن جنسيتها. وقالت إن هذا التفتيش يجب أن يثير قلق جميع الأمريكيين، بغض النظر عن اتفاقهم مع آراء عمر السياسية. وهو مثال صارخ على استخدام الحكومة الفدرالية لسلطتها الهائلة لإسكات منتقديها وهو انتهاك صارخ لحرية التعبير وسيادة القانون والمبادئ الأمريكية ويعد استمرارا لنهج إدارة ترامب في استخدام سحب الجنسية كسلاح.

وقالت إن عمر وبكل المقاييس تعتبر خصما سياسيا لترامب، فهي من بين أكثر النواب تقدمية في الكونغرس، وعضو مؤسس في ما يسمى بـ”الفرقة”، إلى جانب النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، وكثيرا ما تنتقد الرئيس. أما ترامب، فقد دأب على تشويه سمعتها علنا على مدى السنوات السبع الماضية، غالبا بأساليب عنصرية بغيضة تصب في مصلحة بث الخوف والأكاذيب التي يروج لها بشأن المهاجرين والمسلمين.

 

لن يتغير شيء

 لن تحل انتخابات إسرائيل المشاكل، وخاصة الفلسطينيين، على حد تعبير ألوف بن، محرر صحيفة “هآرتس” الذي قال بمقال نشرته دورية “فورين أفيرز”(23/10/2026) أن فوز آيزنكوت لن يغير على الأرجح السياسة الخارجية الإسرائيلية أو نهجها تجاه الفلسطينيين.

فجميع الأحزاب السياسية اليهودية في إسرائيل تقريبا، بما فيها حزب آيزنكوت، تعارض قيام دولة فلسطينية، وليس فقط حزب الليكود. وتعتقد جميعها أن الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة كانت مبررة أخلاقيا وضرورية عمليا.

كما تعتقد جميعها تقريبًا أن إسرائيل كانت محقة في مهاجمة إيران وإنشاء ما تسميه حكومتها وجيشها “مناطق أمنية”، أي الأراضي المحتلة في لبنان وسوريا.

في الواقع، الخلاف الحقيقي الوحيد بين آيزنكوت ونتنياهو بشأن مسائل الأمن هو ما إذا كان الأخير قد اتخذ القرارات التكتيكية الصحيحة في كل من هذه الصراعات، كما حدث عندما رفض نتنياهو وقف إطلاق النار في غزة الذي كان سيحرر الأسرى الإسرائيليين في وقت مبكر. وهذا لا يعني أنه سيسلك المسار نفسه تماما.

فآيزنكوت ونتنياهو يختلفان اختلافا جوهريا بشأن هجمات المستوطنين في الضفة الغربية ضد الفلسطينيين العزل، والتي تهدف إلى طردهم من أراضيهم. ويتجاهل رئيس الوزراء الاسرائيلي ، الملتزم بحلفائه من اليمين المتطرف، هذه القضية، بينما يصف منافسه سلوكهم بأنه “إرهاب يهودي”. ورغم أن آيزنكوت لا يبدي تعاطفا يذكر مع الضحايا الفلسطينيين، إلا أنه يدرك أن الضفة الغربية على شفا انفجار دموي، وأن إسرائيل معرضة لخطر شجب دولي أكبر بسبب سياستها المتهورة هناك. ولكن عموما، وبغض النظر عن نتائج الانتخابات، ستواصل إسرائيل قمع الفلسطينيين ومهاجمة باقي الدول، وبالتالي، ستواجه تكاليف دبلوماسية واقتصادية، حيث سيبدأ شركاء البلاد المُحبطون بقطع المساعدات، وربما حتى فرض عقوبات.

/انتهى/