البيهقي في يومه الوطني: مؤرخ خلع عباءة البلاط ليُحذر المعتدين من "خزي الهزيمة"

وكالة تسنيم الدولية للأنباء ـ يحظى هذا الأديب والمؤرخ البارز المنحدر من إقليم "بيهق" في أرض إيران باحترام الجميع، كما يحتل مكانة رفيعة بين الناطقين بالفارسية لدوره في تعزيز الهوية الوطنية.

فقد سُجّل 23 أكتوبر في التقويم الرسمي للبلاد باسم "اليوم الوطني لتكريم أبو الفضل البيهقي"، وذلك تزامناً مع ذكرى مولده.

وتُعد مدينة سبزوار مهد الثقافة والحضارة، ومنطلق "انتفاضة السربداريين"، ومن أوائل المدن الشيعية في إيران؛ حيث نشأ في أحضانها العديد من المفاخر والمفكرين من أمثال: البيهقي، وخواجه نظام الملك، والكاشفي، والحكيم السبزواري، وآية الله عبد الأعلى، والدكتور علي شريعتي، وحميد سبزواري، وغيرهم من العظماء.

ويُعتبر أبو الفضل البيهقي؛ الأديب والباحث و"أب النثر الفارسي"، أحد مفاخر إقليم بيهق الذي يلمع اسمه في سماء أدب هذه الأرض. وقد ترك من خلال تأليفه لكتاب "تاريخ البيهقي" إرثاً خالداً لتوطيد هوية هذه الديار وإبقاء لغتها الفارسية الرفيعة حية نابضة.

ولد أبو الفضل محمد بن الحسين البيهقي، الشهير بالكاتب، في قرية "حارث آباد" التابعة لسبزوار عام 385 للهجرة. وتلقى تعليمه الابتدائي في بيهق، ثم أكمل دراسته العليا في نيسابور. وشغفه الكبير بالكتابة قاده لاحقاً إلى بلاط الغزنويين، حيث اختير مساعداً لـ "خواجه أبو نصر مُشكان" (صاحب ديوان الرسائل في عهد محمود الغزنوي).

وكان أبو نصر مُشكان يعتبر البيهقي محط أسراره ورفيقه المقرب، فكان يطلعه على خبايا وأخبار البلاط الغزنوي، وهو ما شكّل رصيداً معرفياً ثميناً لأبو الفضل البيهقي في تدوين كتابه التاريخي.

وفي عهد حكومة مسعود، عمل البيهقي كاتباً في ديوان الرسائل تحت إمرة "أبو سهل الزوزني". وفي عهد سلطنة "عز الدولة عبد الرشيد الغزنوي" عام 440 للهجرة، تولى رسمياً رئاسة ديوان الرسائل، إلا أنه عُزل وسُجن بعد فترة وجيزة بسبب الدسائس والوشايات الحاشية في البلاط.

وفي سن التقاعد والشيخوخة، قرر البيهقي أن يخلّد عصارة تجاربه في أثر عظيم للأجيال القادمة؛ فعاد إلى مدوناته ومذكراته، وعكف على تأليف تاريخه في الفترة ما بين عامي 448 و451 للهجرة.

تاريخ البيهقي.. مرآة لمعرفة التاريخ الإيراني

يُعد كتاب "تاريخ البيهقي" القيّم—والذي عُرف بأسماء أخرى مثل "التاريخ المسعودي"، "تاريخ آل سبكتكين"، "جامع التواريخ"، و"تاريخ آل ناصر"—من أمهات النثر الفارسي، وأحد المصادر المهمة والمعتمدة لفهم تاريخ إيران في العهد الغزنوي. وكتابه هذا بمثابة مرآة تعكس العصر الغزنوي والأجزاء الشرقية من إيران في ذلك الزمان.

يستعرض الكتاب فترة سلطنة آل سبكتكين، متضمناً مراحل تأسيس الدولة الغزنوية وصولاً إلى أوائل عهد سلطنة إبراهيم بن مسعود. ولم يتبقَ منه اليوم سوى جزء محدود يغطي وقائع سلطنة مسعود بن محمود الغزنوي وتاريخ خوارزم.

ولم يكن البيهقي مجرد مؤرخ تقليدي، بل استعرض في كتابه القضايا الاجتماعية والأوضاع الجغرافية، وجعل من أثره كنزاً ثميناً من الأمثال والحكم والمواعظ. كما يُصنف كتابه كنوع من الأدب وتاريخ الأدب، ويُعد من النصوص الكلاسيكية المفعمة بفنون البلاغة، والمحسنات البديعية، والنثر الإيقاعي المُطعّم بالشعر، ولهذا أُطلق عليه لقب "أب النثر الفارسي".

ومما ينبغي قوله عن "تاريخ البيهقي"، إنه بالإضافة إلى كونه من المصادر الأصيلة والأساسية (المباشرة) للعصر الغزنوي، فإنه يمثل أيضاً مصدراً بالغ الأهمية لمعرفة الحكومات المعاصرة له كالسلاجقة، والسامانيين، والصفاريين، والخلفاء العباسيين.

أثر البيهقي.. تحفة الأدب الفارسي

وعلى عكس ما كان سائداً في ذلك العصر، تميز هذا الأديب والمحقق الكبير في توثيقه التاريخي بالإشارة إلى نقاط ضعف الملوك والسلاطين دون خوف، ولم يحنِ رأسه لطغيان المتجبرين؛ بل صدح بالحقيقة وجوهر الأمور دون وجل، متبعاً نظرة دقيقة ونقداً علمياً في أصول التدوين التاريخي.

ويرى الدكتور "فياض" أن أثر البيهقي هو "تحفة" الأدب الفارسي ونموذج فذ في كتابة التاريخ، ويمثل مصدراً رئيسياً وموثوقاً لمعرفة تاريخ إيران الغزنوية.

ويكتب البيهقي في تاريخه قائلاً: "ما من كلام إلا وفيه ما يستحق القراءة، فما من حكاية في نهاية المطاف إلا وتخلو من نكتة أو فائدة تُرتجى".

ويقدم "التاريخ المسعودي" معلومات لا نظير لها حول التنظيمات الإدارية والديوانية في إيران خلال تلك الحقبة؛ إذ كان البيهقي يدون الملاحظات أثناء عمله في منصبه الديواني، ويحتفظ بنسخ من الوثائق الرسمية لنفسه، ليقوم بتنظيمها وصياغتها إبان فترة عزله المنزلي.

لقد صوّر الأجيال القادمة وكأنه يحمل عدسة كاميرا، ودافع في كتابه عن شمولية عمله، مانحاً التاريخ حقه كاملاً غير منقوص.

حيث كتب في موضع من كتابه: "أريد أن أوفي هذا التاريخ حقه تماماً، وأن أطوف بالزوايا والخبايا لكي لا يبقى شيء من الأحوال مستوراً. وإذا طال هذا الكتاب وزاد القراء مللاً من قراءته، فإنني أطمع في فضلهم ألا يعدوني من المكثرين المملين". لقد تجنب في أسلوبه سرد التاريخ الجاف والعديم الروح، قائلاً: "إنني أؤدي ما هو واجب عليّ".

ومن جهة أخرى، أُلّف هذا الكتاب في خريف عمره؛ فلم يجد حاجة لمديح أسياده السابقين، حيث يذكر في "التاريخ المسعودي" أن هدفه ليس تعظيم "مسعود" أو الثناء عليه، بل: "غايتنا هي أن نكتب تاريخاً يؤسس لأصل، وأن نشيّد بناءً عظيماً يبقى ذكره خالداً إلى آخر الدهر".

وقد انتقد عناد مسعود ولجاجته في مواجهة السلاجقة، وأعرب عن استيائه من جشع السلطان وطمعه وسلوكه. وفي موضع آخر من الكتاب، يكتب عن تقلبات الدنيا وعدم التعلق بها وأخذ العبرة قائلاً: "... ولست أدري ما الذي يراه هؤلاء الناشئون في هذه الدنيا حتى يندفعوا ليجمعوا حفنة من حطامها، ويسفكوا الدماء وينازعوا من أجلها، ثم يتركونها وراءهم بكل سهولة ويمضون بحسرة".

أبو الفضل البيهقي.. مُحيي النثر الفارسي القائم على الهوية الوطنية

يبحث البيهقي في كتابة تاريخه عن الحقيقة الخالصة، ويكتب: "على الرغم من أن هذه الأقاصيص قد تبدو بعيدة عن سياق التاريخ، إلا أنني أؤدي ما هو واجب وحقيقي. إنني أكتب التاريخ للأجيال القادمة، وقد التزمت في هذا التاريخ الذي شرعت فيه بألا أكتب إلا ما عاينته بنفسي، أو ما سمعته سماعاً صحيحاً من شخص ثقة".

ويضيف: "في هذا التاريخ الذي أصنعه، لن أقول كلاماً يجر إلى تعصب أو مراء، لكي لا يقول قراء هذا المصنف: تباً لهذا الشيخ الخرف"؛ وكان يرى أن الناس الذين يفضلون الباطل المستحيل على البحث عن الحقيقة هم أناس جهلاء.

عاش البيهقي 85 عاماً، وحسب ما أكده "أبو الحسن البيهقي" في تاريخ بيهق، فقد وافته المنية عام 470 للهجرة. وبذلك، فقد عاش 19 عاماً بعد الفراغ من تدوين تاريخ البيهقي، وكان كلما حصل على معلومات جديدة، سارع إلى إضافتها وتضمينها في متن الكتاب.

الجدير بالذكر أنه منذ عام 2022م، وباعتماد من المجلس الأعلى للثورة الثقافية في البلاد وإبلاغ من رئيس الجمهورية آنذاك، تم تسمية 23 أكتوبر في التقويم الرسمي الإيراني يوماً لتكريم أبو الفضل البيهقي؛ الأديب والمؤرخ الإيراني البارز.

/انتهى/