تحالف أمريكا وإسرائيل في اختبار إخفاقات الحرب على إيران

وكالة تسنيم الدولية للأنباء: 

بعد أكثر من 7 أشهر على بدء الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، أصبحت الخلافات بين الحليفين التقليديين حول الأهداف وطريقة إنهاء الحرب أكثر وضوحاً. ففي واشنطن، تزايدت المخاوف من طول أمد النزاع، والكلفة الاقتصادية، وغياب أفق واضح لتحقيق الأهداف الأولية، في حين لا يزال في تل أبيب من يرى أن استمرار الضغط العسكري يمكن أن يحقق مكاسب أكبر. وفي الوقت نفسه، امتدت المعارضة للحرب من داخل إدارة ترامب إلى الكونغرس وإلى جزء من القاعدة السياسية الجمهورية.

هذه التطورات لا تعني بالضرورة انهيار التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، لكنها تُظهر أن استمرار استراتيجية المقاومة الإيرانية يمكن أن يضع الحسابات الأمريكية بشأن كلفة استمرار الحرب والتزاماتها تجاه إسرائيل أمام اختبار جدي.

الخلاف حول أهداف الحرب

كتبت صحيفة واشنطن بوست في تقرير لها في 20 مارس 2026، أي بعد أقل من ثلاثة أسابيع على بدء الحرب، أن أهداف أمريكا وإسرائيل كانت في البداية متوافقة، لكن مع استمرار العمليات واتضاح قوة إيران، ظهر التباين في توقعات الطرفين. فقد كان دونالد ترامب يأمل بنصر عسكري سريع وبكلفة اقتصادية محدودة، بينما كان بنيامين نتنياهو يسعى إلى أفق أوسع للتغييرات السياسية في إيران.

وأشار هذا التقرير أيضاً إلى قلق المسؤولين الأمريكيين من تبعات الحرب الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة؛ وهو قلق وضع، إلى جانب الخلاف حول الأهداف النهائية، العلاقات بين الحليفين تحت ضغط.

كما كتبت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها أن الموساد وعد ترامب بأن اغتيال آية الله السيد علي خامنئي، قائد الثورة الإسلامية في إيران، سيؤدي إلى اضطرابات واسعة في أنحاء البلاد، وأن بنية الحكم ستنهار بسرعة.

وعلى هذا الأساس، قال ترامب في الأيام الأولى للحرب في رسالة موجهة إلى الإيرانيين: "تولوا السيطرة على الحكم"، لكنه لاحقاً، حين رأى أن المسألة مختلفة عما غذّته به أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، قال إن على الإيرانيين أن يلجأوا إلى الملاجئ في الوقت الحالي.

بعد أربعة أشهر، كتبت واشنطن بوست في تقرير آخر عن لقاء ترامب ونتنياهو في 28 يوليو أن وعد النصر السريع حلّ محله توقع حرب طويلة بكلفة باهظة، وأن ترامب يبحث الآن عن مخرج من النزاع، في حين لا يزال الحكم في إيران صامداً، وقد أدى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إلى زيادة الكلفة الاقتصادية للحرب.

وفي الأشهر التالية، ظهرت مؤشرات إضافية على فتور العلاقات بين الكيانين. ومن أبرز هذه المؤشرات العلنية رحلة نتنياهو القصيرة إلى نيويورك لإلقاء خطاب في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026. وخلافاً لرحلاته السابقة التي كانت ترافقها لقاءات مع الرئيس الأمريكي، لم يُعلن في برنامج هذه الرحلة عن لقاء مع ترامب أو مسؤولين أمريكيين آخرين. وقد رأت رويترز في هذه الرحلة القصيرة غير المعتادة تعبيراً عن العلاقات المتوترة بين الحليفين والخلاف حول مقاربة الحرب على إيران.

وإذا كانت الولايات المتحدة وتل أبيب تبدوان ظاهرياً متفقين على الهدف الاستراتيجي المتمثل في مواجهة إيران، فإن طول أمد المعركة وعدم تحقيق نصر سريع غيّر بشكل حاد تقييمات الكلفة والفائدة في واشنطن. ولنرَ ما هي الكلف التي تكبدتها أمريكا من هذه الحرب:

كلفة الحرب وقيود الاستراتيجية العسكرية

من المؤشرات المهمة في تقييم تداعيات الحرب النسبة بين الكلفة العسكرية وأهدافها السياسية. فإلحاق الضرر بقدرات الطرف المقابل لا يضمن بحد ذاته تحقيق النتيجة السياسية المرجوة. وإذا واصل الطرف المقابل المقاومة رغم تحمله الخسائر، يصبح تحقيق الأهداف الأولية للطرف المتحارب أمراً صعباً أو مستحيلاً.

ومن أوضح مؤشرات تحوّل الحرب إلى عبء على أمريكا تقدير مكتب موازنة الكونغرس. فقد أعلن هذا الجهاز في تقرير نشره في 15 سبتمبر 2026 أن الكلفة المباشرة للعمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران بلغت حتى الأول من أغسطس نحو 38 مليار دولار. ويشمل هذا الرقم كلفة استبدال الذخائر والمعدات المفقودة، وزيادة ساعات الطيران، والعمليات العسكرية، وكلفة الوقود؛ لكنه لا يشمل جميع الكلف الجانبية للحرب، بما في ذلك إصلاح القواعد الأمريكية المتضررة في المنطقة.

كما قدّر مكتب موازنة الكونغرس أنه إذا بقي النزاع عند مستوى منخفض الشدة، فإن استمراره سيكلف أمريكا نحو 2 مليار دولار شهرياً، وإذا زادت شدة العمليات فسيضيف نحو 3 مليارات دولار أخرى.

ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الساحات التي نقلت تداعيات الحرب من الميدان العسكري إلى الاقتصاد العالمي. فتعطيل الملاحة في هذا الممر المائي، وعدم اليقين في سوق الطاقة، وزيادة الضغط على الدول المستوردة للنفط، وسّع نطاق كلفة الحرب.

ومع ذلك، لا يمكن قياس كلفة الحرب بمجرد جمع النفقات المسجلة. فجزء من الذخائر والمعدات العسكرية المستهلكة يجب استبداله، وهذا يحتاج إلى موارد مالية وإلى وقت. ويُظهر تقدير مكتب موازنة الكونغرس أن استهلاك صواريخ الاعتراض للدفاع الجوي سيحد من مخزونات أمريكا للسنوات المقبلة. ومثل هذا الوضع لا يؤثر على العمليات الجارية فحسب، بل يؤثر أيضاً على قدرة واشنطن على الاستجابة لأزمات محتملة أخرى، لا سيما في ظل اضطرار أمريكا إلى الحفاظ على قدراتها العسكرية للتنافس مع قوى مثل الصين.

وتجاوزت كلفة الحرب ميزانية الدفاع لتصل إلى الاقتصاد الأمريكي أيضاً. فقد أدى تعطيل مرور النفط والغاز عبر مضيق هرمز وعدم استقرار مسارات الملاحة إلى ضغط تصاعدي على أسعار الطاقة. وقد قدّر مكتب موازنة الكونغرس أن التبعات الاقتصادية للحرب يمكن أن ترفع معدل التضخم في أمريكا في الربع الأول من عام 2027 بنحو نصف نقطة مئوية فوق التوقعات السابقة.

ويُظهر هذا التقدير كلفة قد يشعر بها حتى المواطنون الأمريكيون البعيدون عن ميدان المعركة في صورة ارتفاع أسعار الوقود والسلع.

وهذا الضغط الاقتصادي ليس مجرد مسألة ميزانية بالنسبة لإدارة ترامب. فارتفاع كلفة المعيشة، والنفقات العسكرية الثقيلة، وعدم وضوح موعد انتهاء الحرب، كلها يمكن أن تتحول إلى قضايا مثيرة للجدل في السياسة الداخلية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

وفي مثل هذا المناخ، يجب على الإدارة، لمواصلة العمليات العسكرية، ألا تقدم تبريراً استراتيجياً فحسب، بل أن تواجه أيضاً أسئلة حول جدوى هذه النفقات وأولوياتها مقارنة بالاحتياجات الداخلية.

كما أظهر تقرير مكتب موازنة الكونغرس أن إدارة ترامب طلبت اعتماداً تكميلياً لتغطية الكلف المرتبطة بالحرب؛ وبحسب هذا التقرير، تضمن طلب الإدارة 87.6 مليار دولار من الاعتمادات الإضافية، منها 67.1 مليار دولار لوزارة الدفاع؛ وكان جزء من هذا الطلب مرتبطاً مباشرة بكلف الحرب.

المعارضة للحرب من داخل إدارة ترامب

لم يقتصر الخلاف حول الحرب على العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. ففي 17 مارس 2026، استقال جو كنت، الرئيس آنذاك للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب في أمريكا، احتجاجاً على الهجمات الأمريكية على إيران. وقد أشار في رسالته بوضوح إلى أن إيران لم تكن تهديداً وشيكاً لأمريكا، وأن ضغط إسرائيل وأنصارها في أمريكا كان له دور في قرار بدء الحرب.

واستمر هذا الجدل في الكونغرس أيضاً. فقد أقر مجلس النواب الأمريكي في 3 يونيو 2026، بأغلبية 215 صوتاً مقابل 208 أصوات معارضة، قراراً يطالب بتقييد استمرار العمليات العسكرية ضد إيران دون إذن صريح من الكونغرس. واللافت في هذا التصويت أن أربعة جمهوريين انضموا إلى الديمقراطيين وصوتوا لصالح القرار.

وفي 23 يونيو، أقر مجلس الشيوخ الأمريكي أيضاً قراراً مشابهاً بأغلبية 50 صوتاً مقابل 48 صوتاً معارضاً. وكانت هذه المرة الأولى منذ بدء الحرب التي يطالب فيها مجلسا الكونغرس، في تصويتين منفصلين، بتقييد صلاحية الرئيس الأمريكي في مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران.

وفي يوليو، ظهر الخلاف حول الدعم العسكري لإسرائيل أيضاً في مجلس النواب. ففي 15 يوليو، فشل تعديل يهدف إلى حذف 3.3 مليار دولار من المساعدات الأمنية المقترحة لإسرائيل، بأغلبية 104 أصوات مؤيدة مقابل 314 صوتاً معارضاً. ومع ذلك، دعم 103 ديمقراطيين هذا التعديل وعارضه 98.

ويُظهر هذا التصويت بدء نقاشات وخلافات داخل الحكم الأمريكي حول استمرار المساعدات العسكرية لإسرائيل؛ وهو خلاف تشكّل في السنوات الماضية رداً على حرب غزة، وأضافت الحرب على إيران إليه بُعداً جديداً.

شرخ في القاعدة السياسية لترامب

من بين الكلف الأخرى التي فرضها التحريض على الحرب ضد إيران على إدارة ترامب حدوث شرخ في القاعدة السياسية لأنصاره. فقد تحول تاكر كارلسون، المذيع والمحلل السياسي المحافظ المعروف من مؤيدي ترامب، في الأشهر الأخيرة إلى أحد المنتقدين الجديين للحرب، وحمّل إسرائيل مسؤولية بدئها.

وفي مقابلة مع NPR في 24 سبتمبر 2026، تحدث كارلسون عن خلافه مع ترامب وعن دور إسرائيل في قرار بدء الحرب. وادّعى أنه حذر ترامب قبل الحرب من أن إسرائيل تسعى إلى جرّ أمريكا إلى النزاع، لكن ترامب رد عليه قائلاً إن "كلنا نموت في النهاية".

كراهية إسرائيل في الرأي العام

من بين التبعات الأخرى للحرب على أمريكا تحول الرأي العام إلى موقف سلبي غير مسبوق تجاه الكيان الصهيوني. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث في ربيع 2026 أن 60% من البالغين الأمريكيين لديهم نظرة غير إيجابية تجاه إسرائيل؛ بينما كان هذا الرقم في ربيع 2025 يساوي 53%، وهي نظرة سلبية تشكلت أصلاً نتيجة حرب غزة. كما أعلن 59% من المستطلعين أنهم لا يثقون أو يثقون قليلاً بنتنياهو لاتخاذ قرارات صحيحة في الشؤون العالمية؛ وهو رقم كان 52% في العام السابق.

إضافة إلى ذلك، انتشرت هذه الكراهية العامة لإسرائيل على مستوى العالم. ووفقاً لبيانات مركز بيو للأبحاث، فإن 67% من الناس في العالم، في المتوسط، لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، وقد تجاوز معدل عدم الثقة بنتنياهو 80% في غالبية الدول الغربية.

وأكدت الأغلبية الساحقة من المستطلعين في 36 دولة أنهم لا يثقون أو يعتقدون إطلاقاً في قرارات بنيامين نتنياهو في الشؤون العالمية. وفي دول أوروبية مثل إيطاليا (88%) والسويد (84%) وألمانيا (83%) وبريطانيا (75%)، أظهر الناس عدم ثقة عميقة برئيس وزراء إسرائيل.

وعلى خلاف الدعم السياسي للحكومات الغربية، اتخذ الرأي العام الأوروبي مواقف صارمة جداً ضد تل أبيب. ففي السويد (78%) وإسبانيا (78%) وهولندا (76%) وإيطاليا (75%) وألمانيا (73%) وبريطانيا (69%)، لدى الأغلبية الساحقة من الناس نظرة سلبية تجاه إسرائيل.

وتُظهر مقارنة البيانات أن السلبية وعدم الثقة تجاه إسرائيل ونتنياهو سجلتا نمواً معنوياً مزدوج الرقم مقارنة بعام 2025 في 13 دولة (منها أمريكا وبريطانيا وألمانيا وكوريا الجنوبية وإيطاليا والأرجنتين)؛ وهو أمر يدل على تعمق الآثار السلبية للحرب على الرأي العام العالمي.

النتائج الاستراتيجية لمقاومة إيران

ويُظهر مجموع هذه التطورات أن صمود الشعب الإيراني في وجه الهجمات، إلى جانب عوامل سياسية وإقليمية أخرى، ساعد على تفاقم الخلافات القائمة داخل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي. فالحرب التي كان يُفترض أن تحقق أهدافها المعلنة في وقت قصير تحولت إلى نزاع طويل، وباتت كلفها العسكرية والاقتصادية والسياسية تحتل مكانة أكبر في حسابات واشنطن، وأجبرت للمرة الأولى أجزاءً من منظومة الحكم على إعادة النظر في علاقاتها بإسرائيل.

لا تزال أمريكا وإسرائيل تشتركان في الهدف الاستراتيجي المتمثل في مواجهة إيران، لكن تجربة الحرب الأخيرة أظهرت أن الاتفاق على الهدف الكبير لا يزيل الخلاف حول مسار تحقيقه. وكلما أصبح تحقيق أهداف الحرب أصعب وارتفعت كلفة استمرارها، اكتسب القرار بشأن نطاق العمليات وموعد انتهاء النزاع أهمية أكبر؛ وهي المسائل نفسها التي تحولت في الأشهر الماضية إلى أحد محاور الخلاف بين واشنطن وتل أبيب.

/انتهى/