السلاح الذي عبر الدفاعات... حين يصير المستحيل ممكناً

 


مسيّرة... مجرد طائرة بلا طيار، لا تحتاج إلى قمرة قيادة، ولا تحمل الحجم الهائل الذي ارتبط طويلاً بصورة القوة الجوية. ومع ذلك، تصل إلى الأماكن التي يفترض أن تكون من أكثر الأماكن حماية ومراقبة... مثلا عقر دار نتنياهو. وهنا لا تعود القصة قصة مسيّرة، بل قصة معادلة جديدة في الحرب.

لأن السؤال لم يعد: ماذا فعلت هذه المسيّرة؟ بل: كيف استطاع سلاح صغير نسبياً أن يفرض نفسه على منظومة تملك الطائرات الحربية، والأقمار الصناعية، والرادارات، والاستخبارات، ومنظومات الدفاع الجوي؟

لسنوات طويلة، ارتبط التفوق العسكري بامتلاك الطائرات الأكثر تطوراً والأغلى كلفة... من يملك السماء يستطيع أن يفرض إيقاع المعركة على الأرض... لكن الحروب الحديثة بدأت تقلب هذه القاعدة. فأنت لا تحتاج دائماً إلى أن تكون أقوى من خصمك... يكفي أن تجعل تفوقه مكلفاً.

مسيّرة منخفضة الكلفة تظهر في السماء، فتتحرك الرادارات، وتُستنفَر منظومات الدفاع، وتدخل طائرات واعتراضات وتقنيات متقدمة في مواجهة هدف واحد. لذلك لا يعود السؤال فقط: كم تساوي المسيّرة؟ بل: كم كلّف اعتراضها؟

وهنا تكمن إحدى أهم أفكار الحرب غير المتكافئة: أن يكون السلاح رخيصاً في تصنيعه، لكنه قادراً على فرض كلفة أكبر بكثير على الخصم. سلاح رخيص في الكلفة... غالٍ في التأثير.
ومن هنا تظهر التجربة الإيرانية. فالعقوبات والقيود الطويلة على استيراد التكنولوجيا العسكرية دفعت إيران إلى تطوير قدراتها محلياً، من الصواريخ إلى المسيّرات، وبناء منظومة لا تعتمد على امتلاك النسخة الأغلى من السلاح، بل على الجمع بين الكلفة المنخفضة، والانتشار، والمدى، والمرونة، وتعدد الاستخدامات. لم تكن الفكرة مجرد صناعة طائرة بلا طيار، بل بناء مدرسة مختلفة في التفكير بالحرب.

لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع المعادلة. الميدان هو الذي يختبرها. وهنا تأتي المقاومة الإسلامية في لبنان، التي تعاملت مع المسيّرات ضمن منظومة أوسع من الاستطلاع وجمع المعلومات ورصد الأهداف، إلى جانب الصواريخ والقدرات الأخرى. والأهم أنها لم تحاول بناء سلاح جو تقليدي ينافس سلاح الجو الإسرائيلي بالشروط نفسها. بل غيّرت الملعب نفسه.
فحين تتعدد المسيّرات، وتتغير المسارات، وتتوزع التهديدات على أكثر من اتجاه، لا تعود المشكلة في إسقاط مسيّرة واحدة، بل في إدارة سماء مليئة بالاحتمالات. وهنا تصبح المسيّرة جزءاً من منظومة تضم الاستطلاع، والمعلومات، والصواريخ، والحرب الإلكترونية، والتمويه، وتعدد الجبهات والاتجاهات. عندها لا يعود الخصم أمام هدف منفرد، بل أمام شبكة من التهديدات ترفع كلفة الدفاع وتستنزف موارده.

وهذا يقود إلى المعنى الحقيقي للردع. الردع ليس بالضرورة أن تمنع خصمك من الهجوم؛ أحياناً يكون الردع أن تجعل الهجوم أكثر كلفة. أن يعرف الخصم أن تفوقه الجوي لا يمنحه ضمانة مطلقة، وأن السماء التي اعتاد اعتبارها مساحة تفوق حصرية لم تعد مغلقة أمام خصم أقل كلفة.

لهذا، فإن أهمية المسيّرات لا تكمن في حجمها أو سرعتها فقط، بل في قدرتها على ضرب فكرة طالما قامت عليها الحروب الحديثة: أن التفوق التكنولوجي وحده يكفي لحسم المعركة. فالمسيّرة لا تحتاج إلى أن تكون أقوى من الطائرة المقاتلة حتى تغيّر المعادلة. يكفي أن تجعل الطائرة، والرادار، ومنظومة الاعتراض، وكل هذا التفوق العسكري، مضطراً إلى التعامل معها باعتبارها تهديداً لا يمكن تجاهله.

وهنا تنقلب المعادلة من سؤال: من يملك السلاح الأقوى؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من يستطيع أن يجعل السماء مكلفة على خصمه؟ وعندما يصبح هذا السؤال جزءاً من حسابات الحرب، يتحول السلاح الذي كان يُنظر إليه باعتباره سلاحاً للفقراء... إلى سلاح يُربك الأقوياء.

 

/إنتهى/