السيد وفلسطين... حين صار للقدس مكان في قلب الجنوب
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/10/06 - 17:22
أمل شبيب
هناك قضايا يمكن للسياسي أن يتحدث عنها، وهناك قضايا تصبح جزءاً من تكوينه. وهكذا كانت فلسطين بالنسبة إلى السيّد حسن نصرالله، الجزء الأكبر من تكوينه.
لم تظهر في خطابه في لحظة عابرة، ولم تدخل قاموسه السياسي بعد أن أصبح أميناً عاماً لحزب الله، ولم تكن مجرد عنوان يُستعاد كلما احتاج إلى الحديث عن المنطقة.
كانت فلسطين حاضرة منذ البدايات. حاضرة في الجنوب الذي عاش الاحتلال، وفي الذاكرة، وفي صورة القدس، وحاضرة في السؤال الذي ظل يرافقه طوال سنوات: ماذا يعني أن تكون هناك أرض محتلة، وشعب يعيش الحرب والتهجير، بينما يقف العالم أمام ذلك عاجزاً أو متردداً؟
ولهذا، حين نتحدث عن السيّد وفلسطين، لا نتحدث فقط عن قائد لبناني كان يتحدث عن القضية الفلسطينية، بل عن علاقة تشكلت على مدى عقود، حتى أصبح اسمه، في مرحلة من المراحل، حاضراً في الوعي الفلسطيني نفسه.
فلسطين... قبل أن تصبح غزة
بالنسبة إلى السيّد، لم تبدأ فلسطين في غزة، ولم تبدأ في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. كانت غزة فصلاً متأخراً من حكاية أقدم: من القدس، من المخيمات، من الضفة، من الأسرى، من اللاجئين، ومن الجنوب اللبناني الذي كان يعرف، أكثر من أي منطقة أخرى، معنى أن تكون الحدود ملاصقة لفلسطين المحتلة، وأن يتحول الاحتلال إلى شيء تراه العين ولا يبقى مجرد خبر في نشرة الأخبار.
كان الجنوب بالنسبة إلى السيد حسن نصرالله بوابة فلسطين.
ومن هنا، ارتبطت ذاكرة المقاومة اللبنانية، في خطابه، بذاكرة الشعب الفلسطيني.
لم يكن يفصل بين الاثنين. حين كان يتحدث عن الجنوب، كانت فلسطين المحتلة حاضرة في الخلفية، وحين كان يتحدث عن القدس، كان الجنوب حاضراً في الصورة.
وكأن الجغرافيا التي تفصل بينهما لم تكن قادرة على الفصل بين القضيتين في وعيه.
حين خرجت صورة السيّد إلى شوارع فلسطين المحتلة
لكن المفارقة الأكبر لم تكن في ما قاله السيد حسن نصرالله عن فلسطين.
كانت في ما قاله الفلسطينيون عنه.
في حرب تموز 2006، حدث شيء لم يكن سهلاً تجاهله. في رام الله ومدن فلسطينية أخرى، انتشرت صور السيد حسن نصرالله في المحال والمقاهي وعلى الجدران والقمصان واللافتات.
وقامت صحيفة «الغارديان» بتوثيق ذلك الحدث الأول من نوعه، وكيف أصبح السيد حسن نصرالله، خلال الحرب، من أكثر الشخصيات حضوراً في الشارع الفلسطيني، ونقلت عن فلسطينيين أنهم رأوا في أداء حزب الله خلال الحرب مواجهة نادرة مع "الجيش الإسرائيلي".
وفي رام الله تحديداً، كانت صورته تُعلّق إلى جانب صور شخصيات فلسطينية تاريخية.
لم تكن الصورة مجرد ملصق.
كانت تعني شيئاً.
كان الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال يرى في الرجل القادم من الجنوب اللبناني شخصاً يتحدث عن العدو نفسه، ويواجهه من جبهة أخرى، ويظهر على الشاشة كل يوم تقريباً ليتحدث عن الحرب.
كان الفلسطينيون يرون أن السيد حسن نصرالله "يقول شيئاً ثم يفعله".
لم يكن الأمر متعلقاً بشخصية السيد حسن نصرالله وحدها.
كان متعلقاً بما مثّله.
من الجنوب... كان الفلسطيني يرى نفسه
ربما لهذا السبب لم تكن المسافة بين الجنوب وفلسطين المحتلة كبيرة في الوجدان.
فالمواطن والإنسان الجنوبي الذي عاش الاحتلال كان يرى الفلسطيني في المرآة.
والفلسطيني الذي يعيش الاحتلال كان يرى في الجنوب تجربة قريبة من تجربته: قرية حدودية لبنانية، مخيم فلسطيني، بيت مهدد بالهدم، أرض مصادرة، أسير، شهيد، طفل يكبر وهو يعرف أن كلمة «الاحتلال» ليست مصطلحاً سياسياً، بل واقعاً يومياً.
هذه التشابهات صنعت مساحة وجدانية مشتركة.
وحين أصبح السيد حسن نصرالله رمزاً للمقاومة في لبنان، وجد بعض الفلسطينيين فيه صورة الرجل الذي يحمل خطاباً قريباً من تجربتهم.
ولهذا، لم تكن فلسطين بالنسبة إلى السيد حسن نصرالله قضية خارج الحدود، بل كانت جزءاً من تعريف الجنوب نفسه.
لم تكن القدس في خطابه مجرد مدينة
هناك كلمات تتكرر حتى تفقد معناها، لكن «القدس» لم تكن بالنسبة إلى السيد احتفالية.
كانت عنواناً متكرراً في خطابه السياسي والديني، يتحدث عنها بوصفها قضية تتجاوز حدود الفلسطينيين وحدهم.
وكان يربطها بفكرة أوسع: أن بقاء الاحتلال يعني أن الصراع لم ينتهِ، وأن تحرير الجنوب لا يمكن أن يكون خاتمة القضية طالما بقيت فلسطين تحت الاحتلال.
وهكذا، بقيت القدس حاضرة حتى في أكثر اللحظات اللبنانية انشغالاً: في حرب تموز، في الحديث عن الأسرى، في الحديث عن الجبهة الجنوبية، في الصراع الإقليمي، وفي السنوات التي انتقل فيها حزب الله إلى أدوار إقليمية أوسع.
حتى عندما كانت الملفات كثيرة، بقي اسم فلسطين يعود إلى الخطاب.
السيد والفصائل الفلسطينية
لم تكن فلسطين المحتلة بالنسبة إلى السيد حسن نصرالله قضية خطابية أو عنواناً يُستحضر في المناسبات، بل كانت جزءاً من رؤية سياسية وميدانية تقوم على أن ساحات المواجهة مترابطة، وأن ما يجري في فلسطين لا يمكن فصله عن لبنان والمنطقة.
على مدى السنوات، حافظ السيد حسن نصرالله على قنوات اتصال مباشرة مع قيادات الفصائل الفلسطينية، وكان النقاش يتجاوز حدود الموقف السياسي إلى قراءة التطورات الميدانية، وتبادل التقديرات، وبحث كيفية التعامل مع التحولات التي كانت ترسم شكل المواجهة في المنطقة.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2023، ومع اندلاع الحرب على غزة، ظهر هذا التنسيق بصورة أكثر وضوحاً، عندما اجتمع السيد حسن نصرالله مع الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري، في لقاء ارتبط ببحث تطورات الحرب وما يمكن أن تقوم به قوى المقاومة في المرحلة الجديدة.
لم يكن اللقاء مجرد اجتماع بين قيادات فلسطينية ولبنانية.
كان تعبيراً عن مفهوم أوسع بدأ يأخذ موقعاً مركزياً في المشهد: وحدة الساحات.
فحين اشتعلت غزة، لم تُقرأ المعركة باعتبارها حرباً محصورة داخل حدودها، بل باعتبارها مواجهة تتقاطع فيها ساحات متعددة، لكل منها موقعها ودورها، ضمن ما عُرف بمحور المقاومة.
وهنا تظهر أهمية الدور الذي أدّاه السيد حسن نصرالله في هذه المرحلة. فقد كان جزءاً من شبكة تنسيق سياسية وميدانية مع قوى فلسطينية وإقليمية، تقوم على إبقاء الساحات مترابطة، وعلى أن لا تبقى فلسطين وحدها في مواجهة الحرب.
كانت هناك لقاءات واتصالات ونقاشات وقرارات، لكن الأهم من تفاصيل كل لقاء كان وجود رؤية مشتركة: أن وحدة الساحات ليست شعاراً، بل إطاراً لفهم المعركة وإدارة تداعياتها، وأن فلسطين تبقى في قلب هذه المعادلة.
ولهذا، بقي اسم السيد حسن نصرالله في الواجهة.
لم يكن ذلك منفصلاً عن المسار الذي اختاره طوال سنوات: فلسطين في قلب المواجهة، والجنوب جزء من هذه الجغرافيا، والساحات، مهما تباعدت حدودها، يمكن أن تلتقي حين تصبح المعركة واحدة.
فلسطين في الجنوب، والجنوب في فلسطين
كانت اللقاءات والاتصالات مع الفصائل الفلسطينية قد عكست عملياً مفهوم وحدة الساحات، وكان الجنوب اللبناني أول المساحات التي ظهر فيها هذا المفهوم على الأرض.
لم تعد القضية بالنسبة إلى السيد حسن نصرالله مجرد خطاب تضامني مع غزة، بل أصبحت حرب غزة مرتبطة مباشرة بما يجري على الحدود اللبنانية.
وبينما كانت غزة تعيش واحدة من أكثر حروبها دموية وتدميراً، كان الجنوب اللبناني يعيش مواجهة متواصلة، مع قصف ونزوح وسقوط مدنيين وشهداء.
هنا أصبحت فلسطين المحتلة والجنوب جزءاً من مشهد واحد.
غزة في قلب المعركة، والجنوب في قلب المواجهة، وبينهما رؤية تعتبر أن الساحات لا تعمل بمعزل عن بعضها، وأن ما يحدث في فلسطين المحتلة يمكن أن يمتد أثره إلى ساحات أخرى، كما أن ما يجري في الجنوب يبقى مرتبطاً بالقضية التي حملها السيد حسن نصرالله في صلب خطابه منذ عقود.
ولهذا، لم تكن حرب غزة بالنسبة إليه بداية علاقة جديدة بفلسطين، بل محطة كشفت بصورة أوضح موقع فلسطين المحتلة في رؤيته للمنطقة.
فالقضية التي حضرت في خطاباته لعقود، والتي ارتبطت بالجنوب والقدس والمواجهة، أصبحت في عام 2023 جزءاً من واقع ميداني تتداخل فيه الساحات بصورة مباشرة.
فلسطين التي لم تغب حتى في آخر خطاب
في السنوات الأخيرة، بقيت فلسطين حاضرة في خطاب السيد حسن نصرالله، حتى مع تبدّل الملفات التي فرضتها التحولات الإقليمية.
حين كان يتحدث عن المنطقة، كانت فلسطين حاضرة. وحين كان يتحدث عن الجنوب، كانت غزة حاضرة في المشهد. وحين كان يتناول المواجهة مع الكيان الإسرائيلي، بقيت القدس في قلب الصورة.
لم تكن فلسطين بالنسبة إليه موضوعاً موسمياً يظهر مع كل حرب ثم يختفي بانتهائها.
كانت ثابتاً في رؤيته.
ولذلك بقيت حاضرة حتى عندما انتقلت المنطقة بين ملفات سوريا والعراق وإيران ولبنان واليمن.
ومن هنا، حين اندلعت حرب غزة عام 2023، لم يكن انتقال السيد حسن نصرالله إلى الحديث عن فلسطين انتقالاً مفاجئاً، بل امتداداً لمسار طويل سبق الحرب بسنوات وعقود.
فلسطين كانت موجودة في خطابه قبل غزة، وكانت موجودة في الجنوب قبل حرب 2023، ومع مفهوم وحدة الساحات أصبحت العلاقة بينهما أكثر وضوحاً: غزة في قلب فلسطين، والجنوب في قلب المواجهة، والقدس في قلب المشهد كله.
وفي فلسطين... لم يكن السيّد مجرد اسم لبناني
ربما هنا تكمن واحدة من أكثر زوايا الحكاية دلالة.
فإذا أردنا أن نفهم مكانة السيد حسن نصرالله في الوجدان الفلسطيني، فلا يكفي أن نتوقف عند خطاباته ومواقفه تجاه فلسطين، بل علينا أن ننظر أيضاً إلى الطريقة التي حضر بها اسمه وصورته داخل الشارع الفلسطيني نفسه.
في صيف 2006، وخلال الحرب، ظهرت صور السيد حسن نصرالله في رام الله ومدن فلسطينية أخرى، وتداولها فلسطينيون في الشوارع والأسواق، إلى جانب الأعلام الصفراء المرتبطة بحزب الله.
وفي تلك المرحلة، تناولت تقارير صحافية غربية هذا الحضور، مشيرةً إلى التحول الذي طرأ على صورة حزب الله والسيد حسن نصرالله في الشارع الفلسطيني خلال الحرب.
كشفت تلك المرحلة عن أمر يتجاوز حدود الخطاب السياسي:
أن صورة السيد حسن نصرالله وصلت إلى الشارع الفلسطيني نفسه، وأن شريحة من الفلسطينيين رأت فيه رمزاً للمواجهة مع الكيان المحتل.
واللافت أن هذه الصورة لم تكن تُصنع من بيروت فقط.
كانت تجد طريقها إلى فلسطين نفسها.
لماذا أحبّه فلسطينيون؟
ربما لأن الفلسطيني لم يكن يرى في السيد حسن نصرالله مجرد رجل يتحدث عن فلسطين من خارج حدودها.
كان يرى قائداً يقول إن فلسطين ليست قضية بعيدة، وإن ما يجري فيها يعني الجنوب كما يعنيه، وإن الاحتلال في فلسطين لا يمكن فصله عن تجربة الاحتلال التي عاشها الجنوب اللبناني.
كان يتحدث عن الأسرى، وعن القدس، وعن غزة، وعن الجنوب، ضمن رؤية واحدة لا تفصل بين ساحات المواجهة.
وهذه اللغة صنعت، لدى شريحة من الفلسطينيين، تقارباً يتجاوز السياسة إلى الوجدان.
فالجنوب الذي عرف الاحتلال كان ينظر إلى فلسطين بوصفها امتداداً لقضيته، والفلسطيني الذي يعيش الاحتلال كان يرى في السيد حسن نصرالله صوتاً يضع قضيته في قلب حديثه ومواقفه.
وفي لحظات معينة، اختُصر هذا التقارب كله في مشهد واحد:
صورة السيّد في يد فلسطيني.
لم تعد الصورة هنا مجرد صورة قائد لبناني في شارع فلسطيني.
كانت تقول شيئاً أكبر:
أن الرجل الذي خرج من الجنوب، وجد مكاناً لصوته وصورته في فلسطين نفسها.
ثم جاءت غزة الأخيرة
في 2023، لم يعد السؤال الفلسطيني بعيداً عن السيد حسن نصرالله.
كانت غزة حاضرة على حدود لبنان، وفي خطابه، وفي كل مواجهة على الجبهة الجنوبية، وفي كل موقف كان يتناول فيه الحرب وما تفتح عليه من احتمالات.
ومع مرور الأشهر، أصبحت حرب غزة جزءاً من مرحلة أوسع، تداخلت فيها الساحات، وتقدّم فيها مفهوم وحدة الساحات من الرؤية إلى الميدان.
وكان السيد حسن في قلب هذه المرحلة، يقرأ المشهد من موقعه القيادي، ويضع فلسطين في صلب المواجهة.
ثم جاء أيلول/سبتمبر 2024.
في تلك اللحظة، اتخذ الكيان الإسرائيلي واحداً من أكثر القرارات خطورة في تاريخه: استهداف السيد حسن نصرالله.
لم يكن القرار استهداف رجل فقط.
كان استهداف قائد أصبح اسمه مرتبطاً لعقود بالجنوب، وبفلسطين، وبالقدس، وبفكرة المقاومة في المنطقة.
وهنا، ربما ارتكب الكيان واحداً من أكبر أخطائه في حساباته: ظن أن الوصول إلى الرجل يمكن أن يضع حداً لحضوره.
لكن السيد حسن لم يكن مجرد جسد يمكن أن يغيب، ولا مجرد اسم يمكن أن ينتهي باستهدافه.
كان قد أصبح فكرة وحضوراً وذاكرة تمتد إلى ما وراء لبنان.
ولهذا، لم يكن وقع غيابه محصوراً في الساحة اللبنانية.
من فلسطين، جاءت مواقف الفصائل التي تعاملت مع اغتياله بوصفه حدثاً يمسّ مسار المقاومة نفسه. فأدانت الفصائل استهدافه، وأكدت أن هذا الاستهداف لن يوقف المقاومة، بل يزيدها إصراراً على مواصلة الطريق.
وكان ذلك التعبير بالغ الدلالة.
فالرجل الذي ارتبط اسمه طوال عقود بالجنوب اللبناني، كان قد أصبح حاضراً في الوجدان الفلسطيني أيضاً. وحين حاول الكيان أن يُسقط الرجل، كان قد اصطدم بحقيقة أكبر: أن مكانة السيد حسن لم تعد محصورة في المكان الذي قاد منه، بل أصبحت ممتدة إلى القضية التي حملها في خطابه ومواقفه طوال حياته.
وهكذا، لم تكن شهادة السيد حسن في أيلول/سبتمبر 2024 نهاية حكايته مع فلسطين.
بل كانت اللحظة التي كشفت، مرة أخرى، كم أصبح هذا السيد أكبر من حدود الجغرافيا، وأبعد من أن يُختصر غيابه في قرار اغتيال.
فالكيان استطاع أن يستهدف الرجل، لكنه لم يستطع أن يستهدف المكانة التي صنعها الرجل في وجدان فلسطين والمقاومة.
ربما أكثر ما يختصر علاقة نصرالله بفلسطين هو أن فلسطين لم تكن آخر ملف تحدث عنه، بل كانت حاضرة في آخر مرحلة من حياته كما كانت حاضرة في بداياتها.
استشهد من أجلها ومن أجل القضية، وكان قائد شهداء القافلة الذين استشهدوا على طريق القدس.
بين الجنوب وغزة امتد خط طويل.
وبين القدس وحارة حريك امتدت ذاكرة كاملة.
وبين الفلسطيني والجنوبي تشكلت، على مدى عقود، صورة واحدة عن الاحتلال والمقاومة والأرض التي لا يريد أصحابها أن تصبح مجرد ذكرى.
ولهذا، حين استشهد نصرالله، لم يكن غيابه لبنانياً فقط.
في فلسطين أيضاً كان هناك من رأى في الرجل الذي استشهد شخصية ارتبطت بسنوات من الحديث عن قضيتهم.
لقد أصبح اسم السيد حسن جزءاً من الذاكرة السياسية والوجدانية لجزء من الشارع الفلسطيني.
من فلسطين إلى الجنوب... ومن الجنوب إلى فلسطين
طوال أربعة عقود تقريباً، تحركت الحكاية في الاتجاهين.
فلسطين دخلت إلى الجنوب، والجنوب دخل إلى فلسطين.
وحين كان السيد حسن يتحدث عن تحرير الجنوب، كان الفلسطيني يسمع شيئاً عن نفسه.
وحين كان يتحدث عن القدس، كان الجنوبي يسمع شيئاً عن أرض يعرفها من موقعه الجغرافي وذاكرته.
حتى صار من الصعب أن تفصل في خطابه بين الاثنين.
الجنوب لم يكن بديلاً عن فلسطين، وفلسطين لم تكن مجرد شعار للجنوب. كانا، في رؤيته، جزءاً من قضية واحدة أكبر من الحدود.
ولهذا بقيت القدس في قلب خطابه، وبقي الجنوب في قلب القضية، وبقي اسم فلسطين يعود كلما ظن البعض أن الحرب اللبنانية يمكن أن تُقرأ بمعزل عن فلسطين.
وحين يغيب الرجل... تبقى القضية
ربما هذه هي النهاية الأصدق لهذا الفصل.
استشهد السيّد، لكن فلسطين لم ترحل من خطابه.
والقدس لم تغادر ذاكرة الجنوب.
والشعب الفلسطيني لم يتحول إلى فصل قديم في سيرة رجل لبناني.
بقيت القضية، وبقيت غزة، وبقي الجنوب، وبقيت الصور التي علّقها فلسطينيون في شوارعهم، وبقيت الكلمات التي قالها فلسطينيون عنه، وبقيت اللقاءات التي جمعته بقيادات فلسطينية، وبقيت آخر حرب جعلت الحدود اللبنانية الفلسطينية جزءاً من حرب غزة.
وهكذا، حين ننظر إلى السيد حسن نصرالله في فلسطين، لا نراه فقط في صورة رجل يتحدث عن شعب آخر.
نراه في المسافة التي حاول طوال حياته أن يلغيها بين فلسطين والجنوب.
وفي النهاية، ربما كانت أجمل صورة تختصر الحكاية كلها هي تلك الصورة القديمة من رام الله: صورة السيّد معلّقة على جدار فلسطيني، إلى جانب صور رجال خرجوا من تاريخ فلسطين نفسها.
رجل من الجنوب...
يحمل قضية القدس...
وتحمل فلسطين صورته في ذاكرتها.
هنا، لم تعد المسافة بين الجنوب وفلسطين تُقاس بالكيلومترات.
كانت تُقاس بالذاكرة، وبالدم، وبالحرب، وبالأمل، وبقضية ظلّت، بالنسبة إلى السيّد، أكبر من الحدود...
فلسطين...
/إنتهى/