السيّد... أربعة عقود في قلب التحوّلات: الأيام الأخيرة... حين ضاق هامش الزمن
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/10/04 - 15:20
أمل شبيب
هناك لحظات في حياة الرجال لا تشبه ما قبلها.
لحظات لا يعود فيها الزمن مجرد سنوات تتراكم، ولا الأيام مجرد تواريخ في سيرة طويلة، بل يتحوّل كل يوم فيها إلى احتمال، وكل خطاب إلى ما يشبه الوصية، وكل ظهور إلى صورة قد لا تتكرّر.
بالنسبة إلى السيّد حسن نصرالله، كانت الأشهر الأخيرة من حياته شيئاً من هذا القبيل.
بعد أكثر من ثلاثة عقود على تولّيه الأمانة العامة لحزب الله، وبعد سنوات طويلة عاش خلالها في قلب واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيداً في المنطقة، وجد نفسه أمام مرحلة لم تبدأ في الجنوب اللبناني وحده، ولم تكن حدودها لبنان.
كانت غزة قد فتحت جبهة جديدة في المنطقة بعد عملية طوفان الأقصى، وكان الجنوب اللبناني قد عاد إلى واجهة المشهد.
وكان السيّد، الذي أمضى سنوات وهو يحمل قضية فلسطين والقدس والمواجهة، يجد نفسه في آخر فصول حياته واقفاً مرة أخرى أمام السؤال نفسه الذي رافقه منذ بداياته:
كيف يمكن لجبهة صغيرة على الخريطة أن تصبح جزءاً من معركة أكبر من حدودها؟
غزة... حين عاد الجنوب إلى الواجهة
في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، شنّ الاحتلال الإسرائيلي الحرب على غزة، وبعدها بيوم بدأت المواجهات على الحدود اللبنانية الفلسطينية بين حزب الله وجيش العدو الإسرائيلي، دعماً لغزة وللشعب الفلسطيني الذي يعاني الويلات من الاحتلال.
وبينما كانت الحرب في غزة تتّسع، بدأ الجنوب اللبناني يعيش حرباً موازية لها إيقاعها الخاص: قصف متبادل، اغتيالات، استهدافات، نزوح من القرى الحدودية، وقرى كاملة دخلت في دائرة النار.
وفي أيلول/سبتمبر 2024، بدأ التصعيد على الحدود اللبنانية يبلغ مستوى خطيراً، مع اتّساع نطاق المواجهات وازدياد حدّتها، في وقت كان فيه عشرات الآلاف قد غادروا منازلهم على جانبي الحدود بسبب الاعتداءات المتكرّرة والتدمير الذي تعرّض له جنوب لبنان.
لكن بالنسبة إلى السيّد حسن نصرالله، لم تكن تلك الجبهة مجرّد حدود. بل بقي الجنوب مرتبطاً بغزة، وغزة مرتبطة بفلسطين، وفلسطين مرتبطة بالاحتلال منذ النكبة عام 1948.
وهكذا، عاد السيّد حسن نصرالله، الذي ارتبط اسمه بحرب تموز، إلى مشهد جنوبي جديد، بعد سبعة عشر عاماً تقريباً من ذلك الصيف الذي غيّر صورة الحرب في لبنان والمنطقة عام 2006. لكن هذه المرّة كان المشهد مختلفاً.
كان السيّد يعرف أن أي توسّع كبير في الحرب قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها بسهولة، وكان يعرف أيضاً أن جبهة الإسناد، منذ اللحظة التي بدأت فيها، لم تعد قابلة للقراءة بمعزل عن غزة.
سنةٌ كاملة من النار
مرّت الأشهر، ولم تكن الحرب حرباً واحدة ذات بداية ونهاية واضحة، بل سلسلة متواصلة من الجولات والضربات والاغتيالات والردود.
كل عملية كانت تحمل معها احتمال عملية أكبر.
وكل اغتيال كان يرفع منسوب التوتّر.
وكل خطاب كان يأتي في لحظة تحاول فيها المنطقة كلها قراءة اتجاه الأحداث: هل تتجه نحو حرب شاملة، أم تبقى في حدود التصعيد المحسوب؟
وفي تلك الفترة، ظل صوت السيّد حسن نصرالله حاضراً.
لم يكن ظهوره عادياً.
فالسيد الذي عاش سنوات طويلة بعيداً عن العلن، والذي اعتاد أن يخاطب جمهوره عبر الشاشة بسبب الاعتبارات الأمنية، كان يعرف أن كل كلمة محسوبة، وأن المنطقة كلّها تسمع.
كان ظهوره بالنسبة إلى جمهوره امتداداً لثلاثة عقود من القيادة.
وكان حضوره يتجاوز حدود المنصب، لأن صورته ارتبطت في ذاكرة بيئة المقاومة بمحطات طويلة من تاريخ المقاومة في لبنان والمنطقة.
حتى عندما غاب عن الصورة، كان حاضراً فيها.
وحتى عندما لم يكن يتحدّث، كان السؤال يدور حول ما الذي سيفعله، وكيف سيرد، وإلى أين يمكن أن تصل الجبهة.
ثم بدأت الدائرة تضيق.
عندما دخلت الحرب إلى الأجهزة
في 17 أيلول/سبتمبر 2024، نفّذ العدو الإسرائيلي تفجيرات متزامنة لأجهزة اتصال محمولة «البيجر» في مناطق مختلفة من لبنان، ما أدّى إلى استشهاد وإصابة الآلاف من المدنيين والمجاهدين، قبل أن ينفّذ في اليوم التالي موجة ثانية من الانفجارات طالت أجهزة اتصال لاسلكية.
وأمام هذا التصعيد، بدا واضحاً أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، وأن الحرب لم تعد محصورة فقط في خطوط النار التقليدية.
وبعدها بأيام قليلة، جاء التصعيد الأكبر.
في 27 أيلول/سبتمبر 2024، اغتال العدو الإسرائيلي السيّد حسن نصرالله في غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي اليوم التالي، أي في 28 أيلول/سبتمبر، أعلن حزب الله استشهاد أمينه العام، بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في قيادة الحزب والمقاومة.
لكن نهاية الحياة لم تكن نهاية الأثر.
بل كانت بداية مرحلة أخرى.
بعد السيّد... كل شيء تغيّر
ليس سهلاً أن تكتب عن رجل استشهد، بينما الأشياء التي تركها خلفه ما زالت تتحرّك. فالرحيل قد ينهي حياة الإنسان، لكنه لا ينهي بالضرورة المرحلة التي كان جزءاً منها، ولا يمحو الأسئلة التي حملها، ولا يعيد المشهد إلى ما كان عليه قبل حضوره.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي بعد استشهاد السيّد حسن نصرالله: ماذا بقي من السيّد؟
بل: ماذا تغيّر بعد السيّد؟
لأن غياب رجل أمضى أكثر من ثلاثين عاماً في قلب المشهد اللبناني والإقليمي لا يمكن أن يكون تفصيلاً عابراً.
كان انتقالاً بين زمنين.
بين مرحلة كان فيها اسم السيّد حسن نصرالله حاضراً في تفاصيل كثيرة من المشهد، ومرحلة صار فيها غيابه نفسه جزءاً من المشهد.
من الجنوب، إلى التحرير عام 2000، إلى حرب تموز 2006، إلى سنوات الحرب السورية، وصولاً إلى جبهة لبنان التي فتحت مع حرب غزة عام 2023، ظل السيّد حسن نصرالله حاضراً في قلب تحوّلات كبرى.
ثم، في لحظة واحدة، أصبح الرجل جزءاً من التاريخ، التاريخ الذي لم يغلق صفحته.
بل بدأ يقرأها من جديد.
بعد السيّد...
حين استُشهد السيّد حسن نصرالله، لم يكن لبنان يعيش لحظة عادية.
كان البلد تحت وطأة حرب واسعة، ونزوح كبير، وضربات متواصلة، وأزمة اقتصادية وسياسية عميقة.
ثم جاء غياب السيّد الذي ظل منذ عام 1992 أحد أبرز وجوه المقاومة في لبنان. فلم يكن غيابه مجرّد انتقال في منصب، بل كان غياب شخصية ارتبط اسمها بمرحلة كاملة من تاريخ لبنان والمنطقة.
وبعد أسابيع، انتقل الحزب إلى مرحلة جديدة من القيادة، فأعلن انتخاب الشيخ نعيم قاسم أميناً عاماً في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2024.
وهنا بدأت مرحلة جديدة: مرحلة يحمل فيها الآخرون مسؤولية مواصلة الطريق الذي ترك السيّد بصمته العميقة فيه.
استشهد السيّد... وبقي الصدى
كان للسيّد حسن نصرالله شيء لا يُختصر بالمنصب: صوت يعرفه الناس، وطريقة في الكلام، وقدرة على مخاطبة جمهوره بلغة قريبة منهم. وكانت تفاصيل صغيرة في خطاباته تكفي أحياناً لتكوين صورة كاملة عن الرجل.
ولهذا، عندما غاب، لم تختفِ فقط صورة الأمين العام عن الشاشات. غاب الصوت، لكن بقي صداه؛ بقيت الخطب والصور والكلمات التي قيلت في لحظات مفصلية من تاريخ لبنان والمنطقة، وبقيت الذاكرة التي تشكّلت على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
فما كان خطاباً في لحظته، صار وثيقة في الذاكرة.
وما كان موقفاً سياسياً، صار جزءاً من تاريخ مرحلة.
وما كان حضوراً يومياً، صار غياباً يُقاس بحجم الأثر الذي تركه صاحبه.
الجنوب... المكان الذي بقي حاضراً
ولأن الجنوب كان دائماً أكثر من مجرّد مكان في حياة السيّد حسن، فإن الحديث عن إرثه لا يمكن أن ينفصل عن الجنوب.
هناك بدأت الحكاية.
وهناك ارتبط اسمه بالمقاومة والتحرير والقرى التي عاشت سنوات الاحتلال.
وهناك أيضاً كانت آخر فصول حياته السياسية والعسكرية تتقاطع مع حرب جديدة.
فالجنوب في سيرة السيّد لم يكن مجرّد جغرافيا، بل كان ذاكرة، وكان قضية، وكان جزءاً من معنى المقاومة الذي حمله في خطاباته طوال سنوات قيادته.
ومن البازورية إلى القرى الحدودية، ظل الجنوب حاضراً في مسيرته، كما ظل حاضراً في الوجدان الذي تشكّل حول تلك المسيرة.
والمقاومة... ما بعد السيّد
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم: كيف يستمر إرث قائد ارتبط اسمه بمرحلة كاملة من تاريخ المقاومة؟
الإجابة لا تختصرها الأسماء، لأن السيّد لم يكن وحده؛ خلفه مؤسسة، وقيادات، ومجاهدون، وشعب كامل، وبيئة حاضنة، وجمهور السيّد، وشبكة اجتماعية وسياسية، وتجربة طويلة، وذاكرة تمتد عبر أجيال.
وهذا ما يجعل الحديث عن «ما بعد السيّد» حديثاً عن استمرارية أكثر مما هو حديث عن نهاية.
فالرجال يرحلون، أما الأفكار التي يؤمن بها الناس، والتجارب التي عاشوها، والذاكرة التي تشكّلت عبر السنوات، فتستمر بأشكال مختلفة.
ولهذا، فإن انتقال القيادة لم يكن إغلاقاً لمرحلة بقدر ما كان انتقالاً إلى مسؤولية جديدة في حمل المقاومة وإرثها.
حتى المنطقة تحمل أثره...
كان السيّد حسن نصرالله طوال سنوات أحد الأسماء التي تُقرأ من خلالها المنطقة. حين كان يتحدث عن فلسطين، كانت كلماته تصل إلى ما هو أبعد من لبنان.
وحين كان يتحدث عن الجنوب، كانت الحدود حاضرة في كل قراءة.
وحين كانت المنطقة تعيش تحوّلات كبرى، كان اسمه جزءاً من المشهد الذي تتابعه العواصم.
وحين اندلعت حرب غزة عام 2023، أصبح الجنوب اللبناني إحدى الجبهات المرتبطة بالمشهد الإقليمي الأوسع.
ثم جاء غيابه في لحظة كانت المنطقة نفسها تعيد تشكيل توازناتها.
وهنا تتضح قيمة المرحلة التي عاشها، فلم يكن السيّد شاهداً على التحوّلات فقط، بل كان واحداً من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بها.
لكن شيئاً بقي
الذاكرة...
الناس الذين عاشوا معه تلك السنوات لم يستيقظوا في اليوم التالي وقد مُسحت أكثر من ثلاثين سنة من ذاكرتهم.
الجنوبي الذي يتذكر أيام الاحتلال، يتذكرها.
ومن عاش حرب تموز، يتذكرها.
ومن كان يسمع خطاباته، يتذكرها.
ومن رافق مسيرة المقاومة، يحمل من تلك السنوات صوراً ومواقف وكلمات.
ومن هنا، فإن صورة السيّد حسن نصرالله بعد غيابه لم تصبح أقل حضوراً، بل أصبحت جزءاً من ذاكرة مرحلة كاملة.
ثلاثة عقود من القيادة لا تختصرها لحظة الاستشهاد، ولا تختصرها صورة واحدة.
إنها سنوات من العمل السياسي والعسكري والإعلامي، ومن الحضور في قضايا لبنان وفلسطين والمنطقة.
ولهذا، فإن إرثه لا يُقاس فقط بما تركه في يوم رحيله، بل بما تركه طوال السنوات التي سبقت ذلك اليوم.
السيّد... الذي أصبح غيابه حضوراً
ربما هذه هي المفارقة الأجمل في حياة السيّد.
طوال حياته، كان يحاول أن يبقى بعيداً عن الضوء. كان يظهر من خلف شاشة، يتحدث من مكان غير معلوم، ثم يعود إلى الظل.
لكن بعد استشهاده، حدث العكس.
صار غيابه نفسه حاضراً.
صورته بقيت، وخطبه عادت إلى التداول، وكلماته القديمة عادت لتُقرأ في ضوء الأحداث الجديدة، ومواقفه السابقة صارت تُستعاد كلما وقع حدث في المنطقة.
حتى الرجل الذي عاش سنوات طويلة بعيداً عن الظهور المباشر، أصبح بعد رحيله واحداً من أكثر الوجوه حضوراً في أرشيف تلك المرحلة.
وكأن التاريخ، حين يغيب صاحبه، يبدأ بإعادة قراءة كلماته بطريقة مختلفة.
أربعة عقود... ولم تنتهِ حكاية السيد
بدأت الحكاية من مكان بعيد عن العواصم، من البازورية، من الجنوب، من سنوات الحرب، من طريق قاده إلى الدراسة والعمل السياسي والديني، ثم إلى قيادة حزب الله عام 1992.
ومنذ ذلك الوقت، لم يكن هناك فصل واحد في حياته يشبه الآخر: تحرير الجنوب، حرب تموز، السنوات السورية، التحوّلات الإقليمية، فلسطين، غزة، الجنوب من جديد، ثم الأيام الأخيرة، ثم الاغتيال والاستشهاد، ثم «إرث السيّد».
وفي كل محطة، كان لبنان والمنطقة يمران بتحوّلات كبرى، وكان السيّد حاضراً في قلب كثير منها.
وهذا ربما هو السبب في أن الحديث عنه لا يمكن أن يكون سيرة شخصية فقط؛ إنها سيرة مرحلة، وسيرة قائد ترك بصمته في مرحلة كاملة من تاريخ لبنان والمقاومة والمنطقة.
وبعد السيّد؟
ربما لا توجد إجابة واحدة.
لأن المستقبل لا يُكتب بالطريقة نفسها التي يُكتب بها التاريخ، لكن المؤكد أن ما بعد السيّد حسن نصرالله لم يكن مجرّد صفحة بيضاء.
كان صفحة تحمل ما قبلها.
تغيّرت القيادة، لكن بقي الإرث.
تبدّلت الظروف، لكن بقيت الذاكرة.
غاب السيّد، لكن بقيت كلماته، وبقي حاضراً في القلوب والوجدان، وفي ذاكرة من عاشوا تلك المرحلة.
وانتقل الموقع، لكن بقيت التجربة.
ولهذا، فإن الحديث عن «بعد السيّد» لا ينبغي أن يُفهم بوصفه نهاية لما قبله، بل بوصفه امتداداً للإرث الذي تركه.
فالسيّد حسن نصرالله لم يكن مجرّد أمين عام لحزب، بل كان اسماً ارتبط في وجدان جمهوره بمرحلة كاملة من المقاومة، وبسنوات طويلة من المواجهة والتحوّلات.
ومن هنا، فإن مكانته بعد الرحيل لا تتحدّد بعدد السنوات التي قضاها في القيادة فقط، بل بما تركه في الذاكرة.
إنه السيّد...
أصبح اسم السيّد حسن نصرالله جزءاً من تاريخ مرحلة كاملة.
ولم يعد السؤال: أين السيّد؟
فالسيّد لم يغب عن المكان ولا عن الزمان؛ أثره بقي في الذاكرة، في صدى الخطب، في صور الشهداء، في الجنوب، في فلسطين، وفي كل محطة ارتبطت باسمه طوال أكثر من ثلاثة عقود.
ولذلك، ربما يكون السؤال الأعمق بعد استشهاده: ماذا ترك السيّد وراءه؟
والجواب لا يُكتب في سطر واحد.
فالسيّد ترك سيرة قائد، وترك تجربة، وترك خطاباً، وترك ذاكرة، وترك إرثاً سيبقى موضع قراءة واستعادة جيلاً بعد جيل.
من البازورية إلى الجنوب، من أول خطاب إلى آخر ظهور، من رجل كان يخاطب الناس عبر الشاشة، إلى صورة بقيت على الشاشة بعد غيابه.
وهذا هو المعنى الأعمق لما بعد السيّد:
أن يغيب الرجل... ويبقى أثره حاضراً.
/إنتهى/