"أمير العرب".. السيد مجتبى الخامنئي عن الشهيد السيد حسن نصرالله: رجل رفع لبنان إلى مقام العظمة
- الأخبار ایران
- 2026/09/29 - 11:29
أمل شبيب
ليست كل الكلمات التي تُقال في ذكرى الشهداء كلمات رثاء، ولا كل العبارات التي تستعيد الغائبين تنتمي إلى الحنين وحده. أحياناً، تتحول الذكرى إلى لحظة لإعادة قراءة رجل لم يعد حضوره محصوراً في زمنه، ولا في الجغرافيا التي خرج منها، ولا في الموقع الذي شغله، بل صار اسمه جزءاً من رواية أوسع عن مرحلة كاملة.
في الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد شهيد الأمة السيد حسن نصرالله، اختار قائد الثورة الإسلامية سماحة السيد مجتبى خامنئي أن يكتب عنه بلغة تتجاوز حدود التأبين التقليدي، لغة تستعيد الرجل بوصفه رمزاً، وتقرأ أثره بوصفه امتداداً، وتضع تجربته في سياق يتصل بلبنان والمقاومة والمنطقة والذاكرة التاريخية.
وصفه بـ"أمير العرب البطل" و"الرمز الكبير لجبهة المقاومة"، قبل أن يمنحه واحدة من أكثر العبارات كثافة في الرسالة: ذاك الذي رفع اسم لبنان... إلى مقام العظمة
ليس رجلاً من لبنان فقط... بل رجل أعاد تعريف صورة لبنان
حين كتب السيد مجتبى الخامنئي عن الشهيد السيد حسن نصرالله، لم يبدأ من السلاح، ولا من المعارك، ولا من تفاصيل الميدان. بل بدأ من الإنسان. تحدّث عن رجل "كان يضمر الخير بصدق لشعبه ومدرسته"، وعن خطابات "صادقة وعذبة"، وعن مبادرات شجاعة كانت، تثبّت قلوب أبناء شعبه وقلوب أحرار العالم.
وهذه نقطة شديدة الدلالة. فالصورة التي رسمها الخطاب ليست صورة قائد عسكري فحسب، وإنما صورة شخصية امتلكت القدرة على صناعة المعنى، على تحويل الكلمة إلى طمأنينة، والخطاب إلى ثبات، والموقف إلى حالة تتجاوز حدود الجمهور المباشر.
ثم تأتي العبارة التي تفتح الباب الأوسع: "رفع اسم لبنان... إلى مقام العظمة". في هذه الجملة، يصبح السيد حسن هنا أكثر من شخصية سياسية أو أمين عام لحزب أو قائد مقاومة. يصبح، في توصيف السيد القائد مجتبى، جزءا من الصورة التي أعاد لبنان تقديم نفسه من خلالها.
بلد صغير في المساحة، شديد التعقيد في تركيبته، عاش عقوداً تحت ضغط الحروب والتدخلات والأزمات، يتحول في هذه القراءة إلى بلد قادر على إنتاج شخصية ذات حضور يتجاوز حجمه الجغرافي. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الكلام: أن عظمة السيد حسن، في هذا التصور، لم تكن منفصلة عن صورة لبنان، بل أصبحت مرتبطة بها.
"أمير العرب"... اللقب الذي يفتح جغرافيا أخرى
وصف السيد حسن بأنه "أمير العرب البطل" ليس تفصيلاً لغوياً عابراً. فاللقب يخرج به من الإطار اللبناني الضيق إلى فضاء عربي أوسع، ويشير إلى أن صورته، في الذاكرة التي يستحضرها الخطاب، لم تتوقف عند حدود الطائفة أو الحزب أو الدولة.
كان السيد يخاطب جمهوراً عربياً واسعاً، ويتحدث عن فلسطين والقدس، وعن لبنان، وعن المقاومة، وعن المنطقة بوصفها ساحات مترابطة. ولهذا، فإن عبارة "أمير العرب" تحمل في داخلها قراءة لشخصية أصبحت عنواناً من عناوين مرحلة عربية كاملة.
ولعل الأهم أن هذا الحضور لم يُقدَّم في الرسالة باعتباره نتيجة خطاب إعلامي فقط، بل نتيجة شخصية جمعت بين الوضوح في الموقف، والقدرة على التواصل، والحضور في اللحظة التاريخية. فالقائد الشهيد الذي وصفه السيد مجتبى الخامنئي بأنه كان "يضمِر الخير بصدق لشعبه ومدرسته"، لم يكن بالنسبة له مجرد صاحب خطاب؛ بل صاحب أثر اكبر.
من الجنوب إلى الذاكرة
لم يدخل السيد حسن نصرالله الذاكرة من بوابة القصور ولا من المؤسسات التقليدية. جاء من بيئة الجنوب، من أرض عرفت الاحتلال والحرب والتهجير، ومن تجربة سياسية وعسكرية وفكرية تشكلت في واحدة من أكثر مراحل المنطقة اضطراباً. ومن هناك، بنى حضوره عاماً بعد عام، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بمحطات مفصلية في تاريخ لبنان والمنطقة.
لكن ما يلفت في رسالة السيد مجتبى الخامنئي هو أنها لا تختصر هذا التاريخ في معركة أو انتصار أو محطة سياسية محددة. بل تختصره في الأثر، والأثر هو ما يبقى حين يستشهد الإنسان، ولهذا تأتي العبارة: "كان النصر والفتح رفيقيه الدائمين".
لكن ما لا يطويه الغياب أن الشهيد السيد حسن نصرالله ترك أثراً يتجاوز زمنه، وأن اسمه لم يبقَ محصوراً في سنوات قيادته، بل تحول إلى عنوان لمرحلة كاملة من تاريخ لبنان والمقاومة والمنطقة، لذلك فإن الرسالة تعلن بوضوح كيف تريد الذاكرة التي ينتمي إليها السيد حسن أن تحفظ صورته: رجلًا ارتبط اسمه بالصمود، وبالمبادرة، وبالقدرة على تحويل الأزمات إلى لحظات فعل.
الجملة الأكثر ثقلاً: بلاد الشام كلّها
لكن أكثر ما يرفع سقف الرسالة هو ما يأتي بعد ذلك.
يقول السيد مجتبى الخامنئي إن السيد حسن كان، "طوال تاريخ بلاد الشام كلّه وحتى يومنا هذا، وبعد الأنبياء وأوصيائهم"، رجلًا لم ينهض في تلك الأرض العريقة رجل يماثله عظمةً.
هذه ليست عبارة عابرة. إنها تضع الشخصية داخل إطار تاريخي واسع جداً، يتجاوز التاريخ السياسي المعاصر إلى تاريخ بلاد الشام نفسه. وهنا لا يعود الحديث عن تقييم مرحلة أو قيادة أو تجربة فحسب، بل عن مكانة رجل في الذاكرة. فالرسالة لا تقول إن السيد حسن كان واحداً من أبرز قادة عصره فقط، بل تضعه في مرتبة استثنائية ضمن سردية تمتد عبر قرون.
وهذا بالتحديد ما يجعل الكلام جديراً بالقراءة لا بالنقل فقط. لأن السؤال يصبح: كيف انتقل السيد حسن من موقع القائد في زمنه إلى موقع الرمز في الذاكرة؟
والجواب، كما يبدو من بنية الرسالة نفسها، يكمن في أن صاحبها لا يتحدث عن نهاية رجل، بل عن استمرار أثر.
الراية لا تسقط برحيل حاملها
بعد الحديث عن السيد حسن، ينتقل الخطاب مباشرة إلى الحاضر: "واليوم، فإنّ رايته المجيدة محفوظة في يدي سماحة الشيخ نعيم قاسم".
هذه الجملة تفصل بين شيئين: غياب الشخص، واستمرار النهج. فالإستشهاد، في منطق الرسالة، لم يُقدَّم بوصفه نهاية للمسار، وإنما بوصفه لحظة انتقال للراية. وهنا يتحول استحضار السيد حسن من ذكرى إلى موقف من الحاضر.
السيد حسن موجود في الذاكرة، لكن صورته في الرسالة تُستخدم أيضاً لقراءة ما بعده، أي لربط الماضي بالحاضر، والشخص بالمسار، والقائد بالمؤسسة التي خلفها. وهذا ما يجعل الذكرى، في هذا الخطاب، فعلاً سياسياً وذاكرياً في آن واحد.
التاريخ بوصفه محكمة
ثم ينتقل الخطاب إلى لبنان، وهنا تتبدل اللغة من الرثاء إلى التاريخ.
يقول السيد القائد مجتبى الخامنئي إن أيام لبنان الحالية ستكون، "في ميزان التاريخ"، أياماً بارزة ومجيدة للمقاومة، مقابل مستقبل مختلف لأولئك الذين يعلّقون آمالهم على الوعود الخارجية في مواجهة العدو الصهيوني.
هذه الفقرة تكشف أن الرسالة لا تستعيد الشهيد السيد حسن بوصفه شخصية من الماضي فقط؛ بل تستخدم إرثه بوصفه معياراً لقراءة اللحظة الراهنة. فالتاريخ، وفق هذا المنظور، لن يحكم على الرجال وفق اللحظة وحدها، بل وفق ما يبقى من مواقفهم عندما تتغير الظروف وتتبدل موازين القوى. ومن هنا تأتي المقابلة بين من يراهم الخطاب "كالنجوم الساطعة" وبين آخرين يقول إن صفحات التاريخ ستطويهم سريعاً.
إنها في جوهرها معركة على الذاكرة: من يبقى؟ ومن يُنسى؟ ومن يتحول إلى مرشد للأجيال التالية؟
السيد حسن... من الشخص إلى السيرة
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم في كل ما قيل.
بعد عامين على استشهاده، لم يعد الحديث عن الشهيد السيد حسن نصرالله محصوراً في السؤال: ماذا فعل حين كان حياً؟ بل ينتقل السؤال إلى مستوى آخر: ماذا بقي منه بعد غيابه؟
والإجابة التي يقدمها خطاب السيد مجتبى الخامنئي واضحة: بقي الاسم، وبقيت الصورة، وبقيت الراية، وبقيت السيرة. وفي عالم السياسة، هذه ليست مسألة بسيطة.
القادة يعيشون في زمنهم، لكن الرموز تعيش بعد زمنها. والفارق بين الاثنين أن القائد يُقرأ من خلال قراراته، بينما يُعاد بناء الرمز من خلال أثره في الذاكرة. وهذا تحديدًا ما تفعله الرسالة: إنها لا تكتفي باستعادة السيد حسن نصرالله كشخصية غائبة، بل تضعه في سردية تقول إن أثره سيظل حاضراً في قراءة لبنان والمقاومة والمنطقة.
لماذا كان الكلام بهذه الفخامة؟
لأن السيد مجتبى الخامنئي لم يتحدث عن السيد حسن من زاوية واحدة. جمع في وصفه بين الإنسان والقائد، والخطاب والموقف، ولبنان والمقاومة، والحاضر والتاريخ. قال إنه كان صادقاً مع شعبه، عذب الخطاب، شجاع المبادرة، ثابت الحضور. ثم انتقل من الإنسان إلى الوطن، فقال إنه رفع اسم لبنان. ومن الوطن إلى المنطقة، فقال "أمير العرب". ومن المنطقة إلى التاريخ، فوضعه في منزلة استثنائية في تاريخ بلاد الشام. ومن التاريخ إلى المستقبل، فقال إن رايته محفوظة في يد من يواصل السير على نهجه. وهكذا، انتقلت صورة السيد حسن نصرالله من رجل رحل إلى سيرة يُراد لها أن تستمر.
وهنا تكمن قوة الكلام.
عامان على الشهادة... وحضور يُعاد تعريفه
في الذكرى الثانية لاستشهاد أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، لم يكن السؤال فقط كيف نتذكره، بل بأي صورة سيبقى في الذاكرة؟
رسالة السيد مجتبى الخامنئي قدمت إجابة واضحة من داخل رؤيتها السياسية والتاريخية: السيد حسن هو "أمير العرب"، و"الرمز الكبير لجبهة المقاومة"، والرجل الذي رفع اسم لبنان إلى مقام العظمة، والذي ارتبط اسمه بالنصر والفتح، والذي يُراد لرايته أن تستمر بعد غيابه.
ترك السيد الأمين أثراً عميقاً في تاريخ لبنان والمنطقة، ولا تزال ذكراه بعد عامين من استشهاده حاضرة بقوة في المجال السياسي والشعبي والإعلامي في أكثر من بلد. وقد شهدت الذكرى الثانية تجمعات ومراسم في بيروت وبغداد وطهران.
لكن في خطاب السيد مجتبى الخامنئي، ثمة شيء يتجاوز الذكرى نفسها: الرجل الذي رحل لم يعد يُقدَّم باعتباره صفحة أُغلقت، بل باعتباره صفحة يُعاد من خلالها تفسير مرحلة كاملة.
ولهذا ربما كانت العبارة الأشد وقعاً هي تلك التي تختصر كل شيء: "رفع اسم لبنان... إلى مقام العظمة".
فحين يُختصر إرث رجل بوطن، وتُختصر سيرة وطن برجل، يصبح الغياب نفسه بداية لنوع آخر من الحضور.
وهذا هو السيد حسن نصرالله كما أراد السيد مجتبى الخامنئي أن يكتبه في الذكرى الثانية لاستشهاده:
ليس فقط رجلاً غاب، بل سيرة بقيت.
ليس فقط قائداً رحل، بل راية انتقلت.
وليس فقط اسماً في ذاكرة المقاومة، بل اسماً ارتبط، في هذه القراءة، بصورة لبنان نفسه.
/إنتهى/