السيّد... أربعة عقود في قلب التحوّلات: القسم الرابع | الجنوب... حين صار الوعد موعداً
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/09/27 - 14:12
أمل شبيب
لم يكن الجنوب بالنسبة إلى السيد حسن نصرالله نقطة على الخريطة، بل كان البداية وكان الذاكرة، وكان الجرح الذي كبر معه، قبل أن يصبح الرجل الذي يعرفه العالم.
في الجنوب، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات وحدها. هناك، للأرض ذاكرتها.
قرية تعرف أبناءها واحداً واحداً، وشجرة تحفظ أسماء من مرّوا تحتها، وطريق يعرف وقع أقدام الذين ذهبوا ولم يعودوا، وبيوت بقيت واقفة وهي تنتظر أن يعود إليها أهلها.
ومن هذه الأرض خرج السيد.
وحين غادرها للدراسة، لم يغادرها من وجدانه.
وحين أصبح قائداً، لم تصبح بالنسبة إليه ملفاً من ملفات السياسة.
بقيت الجنوب... الأرض التي عاش أهلها سنوات طويلة تحت الاحتلال الإسرائيلي، والأرض التي تحولت فيها المقاومة من فكرة إلى حياة يومية، ومن خطاب إلى فعل.
ولهذا، فإن فهم السيد حسن نصرالله يمرّ حتماً من هنا... من الجنوب.
الأرض التي علّمت أبناءها الانتظار
عندما عاد السيد حسن نصرالله إلى البازورية في سنوات شبابه الأولى، كان الجنوب يعيش واقعاً ثقيلاً.
كان الاحتلال الإسرائيلي قد دخل إلى لبنان في مراحل متتالية، ثم رسّخ وجوده في الجنوب، بينما تحولت القرى الحدودية إلى مساحة مفتوحة على المواجهة.
في تلك البيئة، لم يكن الطفل أو الشاب يسمع عن الاحتلال في نشرات الأخبار، كان يراه، وكانت العائلات تعرف معنى أن يكون ابنها مقاتلاً، وتعرف معنى أن تغادر القرية تحت القصف، وتعرف معنى أن يبقى البيت واقفاً بينما يغيب أحد أفراده.
وهنا تشكلت علاقة السيد بالأرض، ليس بوصفها مساحة جغرافية فحسب، بل باعتبارها أمانة. وأصبحت هذه الكلمة، "الأمانة"، هي التي رافقت خطابه سنوات طويلة: أمانة الشهداء، أمانة الأرض، أمانة الناس، وأمانة الذين لم يستطيعوا أن يعودوا إلى بيوتهم.
السيد الذي لم ينسَ القرى
حين أصبح السيد حسن نصرالله أميناً عاماً لحزب الله عام 1992، كان الجنوب لا يزال محتلاً، وهذه الحقيقة وحدها تشرح الكثير.
الرجل الذي أصبح في موقع القيادة لم يكن يقود تنظيماً من خلف مكتب بعيد عن الميدان، كان يقود حزباً بينما جزء من بلده لا يزال تحت الاحتلال، والمواجهة مستمرة على امتداد الشريط الحدودي.
ومنذ ذلك الوقت، أخذ الجنوب مساحة متقدمة في خطاباته، كانت القرى الجنوبية حاضرة، وكان الشهداء حاضرون، وكانت عائلاتهم حاضرة. لم تكن المقاومة بالنسبة إليه منفصلة عن الناس الذين يعيشون في أرض المواجهة. ولهذا بقيت صورة الجنوب في خطاب السيد مرتبطة بالناس قبل السلاح، بالأم قبل المقاتل، وبالبيت قبل الموقع، وبالأرض قبل المعادلة السياسية.
وهذه الصورة تحديداً هي التي جعلت جمهوراً واسعاً من محبيه يرى في السيد امتداداً للجنوب، لا قائداً بعيداً عنه.
لم يكن التحرير لحظة واحدة
في 25 أيار/مايو 2000، اندحرت القوات الإسرائيلية من معظم الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلها بعدما انهزمت طوال السنوات التي سطرت فيها المقاومة أروع البطولات، في حدث شكّل محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. وكان حزب الله بقيادة السيد نصرالله في قلب المواجهة التي سبقت الانسحاب.
لكن الخامس والعشرين من أيار لم يأتِ فجأة، خلفه سنوات طويلة من المواجهات، وسنوات من الشهداء، وسنوات من القرى التي عاشت بين الخوف والأمل.
ولذلك، حين جاء يوم التحرير، لم يكن بالنسبة إلى الجنوبيين يوماً عادياً: كان اليوم الذي انفتح فيه الباب، واليوم الذي أمكن فيه لمن عاش بعيداً عن بيته أن يعود، واليوم الذي دخلت فيه السيارات إلى القرى التي كانت الحرب قد جعلتها مناطق محرمة، واليوم الذي مشى فيه الناس على أرضهم من دون أن يكون الجنود الإسرائيليون هم أصحاب القرار فيها.
ولهذا لم يكن غريباً أن يتحول الخامس والعشرون من أيار إلى مناسبة ذات مكانة خاصة في الذاكرة اللبنانية، وخصوصاً في الجنوب.
أما السيد، فكان في قلب تلك اللحظة.
لم يكن مجرد من أعلن الانتصار، لقد كان الرجل الذي عاش سنوات الانتظار.
حين عاد الناس إلى البيوت
هناك صور لا تحتاج إلى شرح، أبواب تُفتح، أمهات يخرجن إلى الطرقات، أطفال يرون للمرة الأولى أماكن سمعوا عنها أكثر مما رأوها، رجال يعودون إلى قرى غادروها منذ سنوات، وأعلام تملأ الطرق.
في تلك اللحظة، لم يكن السؤال عن الخطابات الكبرى.
كان السؤال بسيطاً: هل عدنا؟
وكانت الإجابة، بالنسبة إلى الناس الذين عاشوا الاحتلال، في الشوارع نفسها، في البيوت، في الأرض، في القرى.
وفي ذلك اليوم، ارتبط اسم السيد حسن نصرالله عند شعبه وجمهوره بصورة مختلفة: القائد الذي شهد لحظة عودة الجنوب.
ومن هنا أصبحت العلاقة بين السيد والجنوب أكثر من علاقة سياسية، بل صارت علاقة ذاكرة.
لكن السيد لم يعتبر الحكاية منتهية
بعد الانسحاب الإسرائيلي، لم يقل السيد حسن نصرالله إن كل الأسئلة انتهت، بقي ملف مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وبقيت قضايا الأسرى والحدود والسيادة حاضرة في الخطاب السياسي والعسكري لحزب الله.
وهنا تبدأ مرحلة أخرى من حكاية السيّد. فالتحرير، بالنسبة إلى جمهور السيد، لم يكن خاتمة بل كان محطة.
وبالنسبة إلى خصومه، كان بداية مرحلة جديدة من الجدل حول سلاح حزب الله ودوره في الدولة اللبنانية.
وهذا الجدل بقي واحداً من أكثر الملفات السياسية تعقيداً في لبنان. لكن خلف كل هذا النقاش، بقي الجنوب بالنسبة إلى السيد مكاناً لا يمكن اختزاله في البيانات السياسية.
كان يقول دائماً، بصورة أو بأخرى، إن المقاومة ولدت من أرض تعرف معنى الاحتلال. وهذا تحديداً ما جعل الجنوب حاضراً في صورته.
السيد والشهيد
ربما لا يمكن فهم علاقة السيد بالجنوب من دون فهم علاقته بالشهادة.
ففي قاموسه، لم يكن الشهيد رقماً، كان اسماً وقصة وعائلة وبيتاً، كان يعرف أن خلف كل شهيد أماً وأباً وأخاً وأختاً وطفلاً.
ولهذا كانت مجالس الشهداء في خطابه أكثر من مناسبات سياسية، كانت مساحة للوفاء، وكان السيد يحاول دائماً أن يحافظ على صورة الشهيد حياً في الذاكرة.
وهنا بالذات، كان جمهور المقاومة يجد جزءاً من سر العلاقة بينه وبين السيد، لأنهم كانوا يرونه لا يتحدث عن الشهداء كأسماء انتهت مهمتها، بل كأمانة بقيت في عنقه، من يذهب لا يُنسى، ومن يُستشهد يبقى حياً، فالشهداء أحياء في القلوب والوجدان والحضور. وهذه الفكرة أصبحت واحدة من أكثر الأفكار رسوخاً في صورته.
من الجنوب خرجت الحكاية... وإليه كانت تعود
حتى عندما اتسعت دائرة الأحداث بعد عام 2000، بقي الجنوب حاضراً، فقد أعادت حرب تموز 2006 القرى الجنوبية إلى واجهة المشهد، القصف، النزوح، المقاومة، البيوت المدمرة، ثم العودة.
وكان السيد خلال الحرب يظهر من مكان مجهول، بينما كانت صوته يصل إلى الناس في الجنوب والضاحية وبيروت وخارج لبنان.
بالنسبة إلى محبيه، كان ذلك الصوت جزءاً من صمودهم. كانوا يريدون أن يعرفوا ماذا يقول، وأن يسمعوا منه كلمة تثبت لهم أن القيادة ما زالت موجودة.
وبعد الحرب، بقيت القرى تحمل آثارها، لكنها بقيت أيضاً تحمل صور شهدائها، وصور السيد... ايضاً
وكأن كل مرحلة كانت تترك طبقة جديدة في الذاكرة.
الجنوب لم يكن خلفية في سيرة السيد
وهنا ربما يجب أن نتوقف عند نقطة أساسية.
عندما نقول إن السيد حسن نصرالله كان "ابن الجنوب"، فالأمر ليس مجرد توصيف جغرافي.
فالجنوب بالنسبة إلى مسيرته كان مدرسة سياسية ووجدانية.
علّمه أن الأرض يمكن أن تكون قضية.
وأن الاحتلال لا يُفهم من الكتب فقط.
وأن وراء كل معادلة عسكرية إنساناً.
وأن وراء كل شهيد عائلة.
وأن القائد الذي يريد أن يبقى قريباً من جمهوره عليه أن يتذكر دائماً من أين جاء.
ولهذا، حتى عندما أصبح اسمه إقليمياً، بقي الجنوب جزءاً من صورته.
لم يأخذ الجنوب السيد إلى العالم فقط.
بل أخذ السيد الجنوب معه إلى العالم.
وعد صار موعداً
ربما لهذا السبب، عندما نتحدث عن السيد حسن نصرالله والجنوب، لا تكفي كلمة "تحرير". لأن التحرير كان نتيجة سنوات، والسنوات كانت مليئة بالانتظار، والانتظار كان مليئاً بالدموع، والدموع تحولت إلى ذاكرة، والذاكرة تحولت إلى هوية.
ثم جاء يوم 25 أيار.
وصار الموعد حقيقة.
الأرض التي انتظر أهلها طويلاً، عادوا إليها.
والرجل الذي حمل قضيتها منذ سنوات شبابه، وقف في قلب المشهد.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الخامس والعشرون من أيار مجرد تاريخ بالنسبة إلى جمهور السيد.
صار يوماً تختصر فيه حكاية الجنوب نفسها.
حكاية أرض أُريد لها أن تبقى تحت الاحتلال، فإذا بها تتحول إلى عنوان للتحرير في الذاكرة التي صنعها أهلها ومقاوموها.
لكن السيد لم يكن يعرف أن السنوات المقبلة ستضعه أمام اختبار أكبر.
فالجنوب الذي كان يعرف حدوده، سيتحول إلى بوابة لصراع أوسع.
والرجل الذي قاد المقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي سيجد نفسه أمام إقليم كامل يتغير.
وسيتسع السؤال من:
كيف نحرر الأرض؟
إلى سؤال أكبر:
كيف تحمي ما حررته، في منطقة لا تهدأ؟
وهنا تبدأ مرحلة أخرى من سيرة السيد.
مرحلة سوريا.
وفلسطين.
والإقليم.
مرحلة خرج فيها اسمه من حدود الجنوب، من دون أن يخرج الجنوب من اسمه.
يتبع...
/إنتهى/