السيّد... أربعة عقود في قلب التحوّلات: القسم الثالث | الرجل الذي حمل الراية
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/09/26 - 15:27
أمل شبيب
لم يكن صعود السيد حسن نصرالله إلى قيادة حزب الله صعوداً عادياً، فالرجل الذي وقف في موقع الأمين العام بعد اغتيال السيد عباس الموسوي عام 1992، لم يترأس منصباً فحسب؛ لقد ترأس مرحلة كاملة، واسماً ثقيلاً، وتنظيماً يعيش في قلب مواجهة مفتوحة، وحمل أمانة جنوب ما زال تحت الاحتلال.
ورث السيد جمهوراً يعرف معنى الفقد، ويعرف أن الطريق الذي اختاره الحزب ليس طريقاً آمناً. وفوق كل ذلك، كان عليه أن يثبت أن الرجل الأمين الذي جاء بعد السيد عباس الموسوي قادر على أن يحمل الراية من دون أن تسقط.
كان في الثلاثينات من عمره عندما أصبح أميناً عاماً لحزب الله، ليبدأ واحداً من أطول الفصول وأكثرها تأثيراً في حياته. قاد الحزب لأكثر من ثلاثين عاماً، خلال مراحل متلاحقة من الصراع مع الكيان الإسرائيلي والتحولات اللبنانية والإقليمية.
لكن بالنسبة إلى محبي السيد، لم تكن المسألة يوماً مسألة عمر. كانوا يرون فيه شيئاً آخر، رجل يعرف أين يقف، ورجل يعرف لماذا يقف هناك. فأن تحمل الراية يعني أن تعرف ثقلها. كان يمكن أن يكون اغتيال السيد عباس الموسوي لحظة ارتباك، وكان يمكن أن يتحول غياب الأمين العام إلى فراغ، أو إلى مرحلة انتقالية باردة، أو إلى بداية تراجع، لكن السيد حسن نصرالله دخل إلى موقع القيادة في لحظة كان فيها المطلوب أكثر من إدارة تنظيم.
كان المطلوب الحفاظ على الطريق.
وهنا تبدأ إحدى أهم خصائص شخصيته التي ستظهر لاحقاً بوضوح أكبر: قدرته على تحويل اغتيال السيد عباس الموسوي إلى بداية جديدة واستمرار للمسار.
لم يكن خطاب السيد قائماً على فكرة أن القائد لا يُستهدف، بل على أن استهداف القائد لا يوقف المسيرة، وأن الطريق لا ينتهي بغياب قائد، بل يستمر بمن يحمل الأمانة ويواصل السير.
وهذه الفكرة ستصبح لاحقاً جزءاً أساسياً من الصورة التي ارتبطت به.
كل شهيد يصبح أمانة.
كل بيت فقد ابناً يصبح جزءاً من الواقع والمعركة.
كل أرض محتلة تصبح وعداً للتحرير.
وكل تهديد يتحول إلى سؤال جديد عن كيفية المواجهة.
لم يكن السيد يتعامل مع المقاومة باعتبارها حدثاً عابراً في تاريخ لبنان. كان يتعامل معها كمسار.
وهذا ما جعل سنوات قيادته تبدو، بالنسبة إلى بيئة المقاومة وحاضنة السيد، كأنها سلسلة واحدة متصلة، تتغير فيها الظروف لكن لا تتغير البوصلة.
السيد والجنوب
في الجنوب تحديداً، كانت الكلمات بحاجة دائماً إلى امتحان. فالاحتلال ليس فكرة، الاحتلال أرض، وحاجز، ودورية، وقصف، وقرية تنتظر أبناءها، واعتداءات مستمرة، واستهدافات، وأمّ تعرف أن ابنها خرج إلى مهمة وقد لا يعود.
ولهذا، حين كان السيد يتحدث عن الجنوب، لم يكن جمهوره يسمع خطاباً سياسياً مجرداً، كان يسمع شيئاً يعرفه، شيئاً عاشه ويعايشه.
ومن هنا، اكتسبت السنوات التي سبقت التحرير عام 2000 معناها الخاص.
كان حزب الله يخوض مواجهة بطولية وطويلة مع القوات الإسرائيلية الموجودة في الجنوب، إلى أن انسحب كيان الإحتلال الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية التي كان يحتلها في 25 أيار/مايو 2000، منهية احتلالاً استمر 18 عاماً. وكان السيد حسن نصرالله في قيادة الحزب آنذاك.
وفي ذاكرة جمهور السيد، لم يكن ذلك الانسحاب مجرد تطور عسكري.
كان لحظة انتصار.
لحظة بدا فيها أن الأرض التي ظلت سنوات طويلة تحت الاحتلال يمكن أن تعود إلى أهلها.
ومن هنا، تغير شيء أساسي في صورة السيد القائد.
السيد الذي كان يقود تنظيماً مقاوماً أصبح مرتبطاً في وجدان أنصاره وجمهوره وأبناء بيئته بصورة قائد شهد إندجار الاحتلال من الجنوب.
ومن يومها، لم تعد عبارة "السيد حسن" تعني بالنسبة إلى كثيرين شخصاً واحداً فقط.
صارت تعني مرحلة.
الرجل الذي لم يحتج إلى أن يرفع صوته كي يُسمع
في زمن السياسة الصاخبة، كان للسيد حسن أسلوبه الخاص.
لم يكن يحتاج إلى الصراخ، كان يستطيع أن يتوقف، أن يصمت لحظة، أن ينظر إلى الكاميرا، ثم يقول الجملة التي يعرف أنها ستخرج من الشاشة إلى الشارع.
كانت لديه قدرة واضحة على بناء الخطاب بطريقة تجعل المستمع يشعر أن الكلام موجه إليه شخصياً.
وهذه ليست مسألة بلاغة فقط.
كانت جزءاً من حضوره.
وهو ما كانت تجمع عليه جميع وسائل الإعلام التي كانت تشير إلى أن خطاباته كانت تُتابَع من المؤيدين والخصوم على السواء، وأنه عُرف بقدرته الخطابية وبحضوره الإعلامي القوي.
لكن عند جمهوره، كانت العلاقة أعمق من ذلك.
كانوا لا ينتظرون منه الأخبار فقط، كانوا ينتظرون الموقف.
في اللحظة التي يكثر فيها الخوف، يريدون أن يعرفوا كيف يرى السيد المشهد.
وفي اللحظة التي تضيق فيها الخيارات، يريدون أن يسمعوا صوته.
وفي اللحظة التي يسقط فيها شهيد، كانوا يعرفون أن السيد سيصل إلى بيت الشهيد، ولو بالكلمة.
وهنا بدأت تتشكل واحدة من أكثر الصور رسوخاً في شخصيته:
القائد الذي لا يترك جمهوره وحيداً أمام اللحظة.
حين دخل السيد إلى قلوب الناس
ربما يمكن كتابة عشرات الصفحات عن السيد حسن نصرالله كقائد سياسي.
لكن ذلك لن يشرح وحده لماذا أحبه الناس بهذا العمق، لأن العلاقة بين السيد وجمهوره لم تكن علاقة انتخابية عادية.
لم تكن مرتبطة بصندوق اقتراع، ولا بموسم انتخابي، ولا بخطاب واحد.
كانت تتشكل في التفاصيل، في مجالس الشهداء، في صور المجاهدين، في عائلات الجنوب، في الضاحية، في القرى التي عرفت الحرب، وفي الجيل الذي كبر وهو يرى السيد على الشاشة في كل محطة مصيرية.
كان هناك شعور عند جمهوره بأن السيد لا يتحدث من فوقهم، بل من بينهم.
وهذا تحديداً ما جعل صورته تتجاوز حدود التنظيم بالنسبة إلى مؤيديه وجمهوره وبيئته.
أصبح السيد... لا "الأمين العام" فقط، والفرق بين التعبيرين كبير: الأول يحمل معنى القيادة التنظيمية، أما الثاني، فيحمل معنى المكانة.
تموز... حين صار الصوت جزءاً من المعركة
ثم جاءت حرب عام 2006.
وفي تموز، لم يعد الاختبار محصوراً بالجنوب. دخلت الحرب إلى الضاحية، إلى البيوت، إلى الطرق، إلى حياة اللبنانيين اليومية.
استمرت الحرب 34 يوماً، وانتهت بوقف إطلاق النار في آب/أغسطس 2006. وفي أعقابها أعلن السيد الأمين حسن نصرالله "النصر الإلهي"، لتصبح العبارة جزءاً من الذاكرة السياسية للحرب.
لكن بالنسبة إلى جمهور السيد، لم تكن المسألة في العبارة وحدها: كانت في الصورة. صورة رجل يخرج إلى الناس وسط حرب شديدة القسوة، صورة قائد لا يختبئ خلف البيانات، صورة صوت يستمر في الظهور، بينما الصواريخ تضرب، والبيوت تنهار، والناس تنزح.
وفي تلك الحرب تحديداً، اكتملت ملامح الصورة التي رافقته سنوات طويلة. فهو السيد الذي يظهر عندما تشتد العاصفة. فلم يكن ظهوره بالنسبة إلى مؤيديه تفصيلاً إعلامياً، كان جزءاً من المعركة نفسها.
كانوا يريدون أن يسمعوا صوته لأن صوته، بالنسبة إليهم، كان يعني أن القيادة ما زالت موجودة، وأن المشهد لم يخرج من السيطرة، وأن القائد الرجل الأمين الذي حمل الراية لا يزال واقفاً خلفها.
ومن هنا، أصبحت الخطابات نفسها جزءاً من الذاكرة.
السيد الذي عرف كيف يصنع من الكلمة موقفاً
لم يكن السيد حسن مجرد خطيب. كان يعرف أن الخطاب السياسي في زمن الصراع يمكن أن يصبح حدثاً بحد ذاته.
كان يعرف متى يشرح، ومتى يختصر، ومتى يترك الجملة مفتوحة، ومتى يجعل من كلمة واحدة عنواناً لمرحلة.
ولهذا لم تكن خطاباته تُسمع وتنتهي، كانت تُحلل، تُقتطع منها العبارات، تُعاد مشاهدتها، وتدخل إلى النقاش السياسي والإعلامي.
وبمرور السنوات، أصبح لصوته حضور يتجاوز لبنان.
كان يتحدث فيسمعه مؤيدوه وخصومه في المنطقة، وتتابع عواصم عدة ما يقوله، خصوصاً في أوقات التصعيد. كان أحد أكثر الشخصيات المعروفة في السياسة "الشرق أوسطية"، وأن خطبه كانت تحظى بمتابعة واسعة.
لكن المفارقة الجميلة، أن هذا القائد الذي عاش سنوات طويلة بعيداً عن الحياة العلنية الطبيعية، بسبب التهديدات الأمنية، أصبح من أكثر الرجال حضوراً على الشاشات.
كان غائباً عن الشارع، لكنه حاضر في كل بيت.
لم يكن الطريق سهلاً
ومن السهل بعد سنوات طويلة أن ننظر إلى الصورة النهائية وننسى الطريق الذي صنعها. لكن قيادة حزب الله في عهد السيد حسن نصرالله مرت بمراحل شديدة التعقيد: من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، إلى الانسحاب عام 2000، إلى حرب تموز2006، ثم إلى التحولات الإقليمية الواسعة، وصولاً إلى الحرب الأخيرة التي سبقت اغتياله عام 2024.
في كل مرحلة، كان السيد أمام امتحان جديد. وكان عليه أن يحمل صورة لبنان والمقاومة في واحدة من أكثر المراحل حساسية، وأن يبقى حاضراً بما يليق بموقعها وثباتها، لا أن يسمح للظروف بأن ترسم صورتها بدلاً منها.
وهنا تحديداً، يرى محبوه إحدى أهم خصاله: الثبات... أن تتغير الظروف من حوله، ولا تتغير ملامحه الأساسية. أن يعرف أن كل ظهور له سيُقرأ، وأن كل كلمة ستُحسب، وأن كل قرار قد يغيّر حياة آلاف الناس.
ومع ذلك، كان يقف أمام الكاميرا هادئاً، واضحاً، مطمئناً من يثق بك.
وهذه الصورة لم تُصنع في يوم. صنعتها أكثر من ثلاثة عقود من القيادة.
ثلاثة عقود... والقائد الأمين نفسه
منذ عام 1992 وحتى اغتياله في أيلول/سبتمبر 2024، بقي السيد حسن نصرالله في موقع الأمين العام لحزب الله. ثلاثة عقود ونيّف خلالها تغيّر لبنان، وتبدلت المنطقة، وسقطت أنظمة، واندلعت حروب، وتغيرت خرائط وأجيال.
لكن السيد ظل بالنسبة إلى جمهوره الثابت الذي يعودون إليه.
وهنا ربما يمكن فهم سر تلك العلاقة التي تجاوزت السياسة. فالناس لا تحب القائد فقط لأنه ينتصر، ولا لأنها تتفق معه في كل تفصيل. أحياناً تحبه لأنها تراه يحمل معها شيئاً، يحمل ذاكرتها، وخساراتها وخوفها وآمالها، ويظهر في اللحظة التي تحتاج فيها إلى أن ترى وجهاً تعرفه.
وهكذا، شيئاً فشيئاً، خرج السيد حسن نصرالله من إطار "القائد" إلى إطار أكثر تعقيداً. صار صورة في ذاكرة جيل، وصوتاً في ذاكرة جيل آخر، وحكاية تنتقل من الآباء إلى الأبناء.
السيد... حين يصبح الحضور تاريخاً
الأمين العام يمكن أن يتغير، والمنصب يمكن أن ينتقل، والتنظيم يمكن أن يعيد ترتيب قيادته، لكن بعض الرجال يتركون خلفهم شيئاً لا ينتقل بسهولة.
وهذا ما حدث مع السيد حسن نصرالله، لقد بدأ حياته شاباً من البازورية، ثم صار طالب علم، ثم مقاوماً، ثم قائداً، ثم أميناً عاماً، ثم أصبح اسمه مرتبطاً بمحطات كبرى في تاريخ لبنان والمنطقة.
حتى أعداؤه أنفسهم كانوا يتعاملون معه باعتباره مركزاً بالغ الأهمية في بنية حزب الله؛ وهذا ما جاء على لسان العدو الإسرائيلي بأنه "محور مركزي في الحزب، وأن استهدافه عُدّ ذا أهمية كبيرة في الحسابات الإسرائيلية."
أما محبوه وجمهوره في كل العالم، فكانوا يرون الصورة بطريقة أبسط وأعمق:
هذا هو السيد.
الرجل الذي حمل الراية.
الرجل الذي وقف في الجنوب.
الرجل الذي خاطب الناس في تموز.
الرجل الذي عاش ثلاثة عقود وهو يعرف أن الطريق الذي اختاره لا يترك لصاحبه حياة عادية.
ولذلك، حين نصل في هذه السلسلة إلى السنوات الأخيرة من حياته، لن يكون السؤال فقط:
ماذا فعل السيد؟
بل: ماذا صنع في الناس؟
كيف استطاع أن يحوّل العلاقة بين القائد والجمهور إلى ذاكرة؟
كيف أصبحت صورته مرتبطة عند محبيه وجمهوره وبيئته وشعبه وأرضه، بالشهادة، والمقاومة، والجنوب، والكرامة؟
وكيف بقي حاضراً في خطابهم حتى بعد أن غاب جسده؟
لأن قصة السيد حسن نصرالله، بعد أكثر من ثلاثين عاماً في القيادة، لم تعد قصة رجل يشغل منصباً.
لقد أصبحت قصة رجل صار اسمه عند محبيه جزءاً من الحكاية نفسها.
لكن كيف كان الجنوب في قلب عينيه... وكيف صار التحرير موعداً.
يتبع...
/إنتهى/