من باب المندب إلى "تل أبيب": حين تضيق الخيارات حول الرياض

أمل شبيب

 

لم تكن المسألة، في ظاهرها، أكثر من طلب مساعدة لمواجهة تصعيد عسكري في اليمن. لكن خلف هذا الطلب تتكشف صورة أوسع بكثير: السعودية التي كانت تملك لعقد كامل تقريباً زمام المبادرة في اليمن، تجد نفسها اليوم أمام جغرافيا تنقلب عليها، وممرات استراتيجية تضيق، وحليف أميركي يتردد في فتح جبهة جديدة، فيما تصل رسائلها، بصورة غير مباشرة، إلى الكيان الإسرائيلي.

بحسب ما أوردته صحيفة "إسرائيل هيوم"، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مساعدة من دول في المنطقة لمواجهة القوات المسلحة اليمنية ومنع إغلاق باب المندب، فيما وصل طلب غير مباشر إلى الكيان الإسرائيلي عبر القيادة المركزية الأميركية للحصول على "مساعدة استخبارية" وغيرها، بهدف التعامل مع التهديد القادم من صنعاء. كما تحدثت تقارير عن اتصالات سعودية مع دول خليجية ومصر في السياق نفسه.

لكن العبارة الأهم هنا ربما ليست "المساعدة الاستخبارية"، بل ذلك الـ"وغيرها" الذي يترك طبيعة الدعم المطلوب مفتوحة على أكثر من احتمال.

فحين تصل الرياض إلى طلب معلومات ومساندة عبر قنوات غير مباشرة، فالمسألة لم تعد مجرد البحث عن معلومات إضافية، بل محاولة لفهم ميدان تغيّرت قواعده. فصنعاء لم تعد تتحرك في هامش جغرافي محدود، بل بات حضورها على الساحل وبالقرب من باب المندب يفرض نفسه على حسابات الرياض والمنطقة، ما يجعل أي معلومات عن قدراتها وانتشارها وتحركاتها جزءاً من محاولة التعامل مع معادلة جديدة، لا من موقع تفوق عليها.

والأهم أن الطلب لم يتجه إلى جهة واحدة فقط، فبحسب التقارير، سعت الرياض إلى دعم خليجي ومصري، فيما وصل طلبها بصورة غير مباشرة إلى الكيان الإسرائيلي عبر "سنتكوم". وهنا تصبح القصة أبعد من مجرد طلب مساعدة: إنها تكشف حجم المأزق الذي وجدت السعودية نفسها داخله، بعدما بات باب المندب، إلى جانب مضيق هرمز، جزءاً من معركة أوسع على طرق النفط والتجارة وممرات الطاقة.

فماذا تريد الرياض تحديداً من هذه القنوات؟

معلومات؟ قدرات استطلاع؟ دعماً فنياً؟ أم ما هو أبعد من ذلك؟

المصادر لا تقول، لكن مجرد البحث عن هذه المساعدة يكشف أن المعركة حول باب المندب لم تعد شأناً يمنياً محلياً، بل تحولت إلى اختبار لمن يملك القدرة على التأثير في الممر الذي تمر عبره مصالح المنطقة والعالم.

وهنا لم يعد السؤال: من سيساعد السعودية في حربها على اليمن؟

السؤال هو: كيف وصلت الرياض إلى لحظة تحتاج فيها إلى البحث عن مخرج في "تل أبيب"، بعدما لم تجد في واشنطن استعداداً لخوض المعركة عنها؟

 

واشنطن لا تريد حرباً جديدة

المشهد الأميركي لا يبدو مشابهاً لما كان عليه في بدايات الحرب على اليمن.

فواشنطن، وفق التقارير المتداولة، لم تستجب لطلب سعودي بالتدخل العسكري المباشر، بينما استمرت في تقديم أشكال أخرى من الدعم والمساندة، بينها التعاون الاستخباري والاستهدافي.

وفي 14 أيلول الجاري، التقى محمد بن سلمان قائد القيادة المركزية الأميركية في جدة لبحث التطورات المتصاعدة مع اليمن، في وقت أكدت فيه التقارير أن واشنطن تواصل دعم الرياض استخبارياً ومن خلال المساعدة في تحديد الأهداف، من دون أن تنخرط في ضربات مباشرة.

فالولايات المتحدة لا تنسحب تماماً من الصورة، لكنها لا تبدو مستعدة أيضاً لتحويل الأزمة السعودية مع اليمن إلى حرب أميركية مفتوحة. أي أن واشنطن تريد أن تساعد الرياض على إدارة أزمتها، من دون أن تحمل عنها كلفة المواجهة.

وهنا تبدأ المعضلة السعودية، لأن إدارة الأزمة شيء، وإيقافها شيء آخر.

المشكلة ليست في البحر وحده، فباب المندب ليس مجرد ممر مائي بعيد عن الحسابات السعودية. هو البوابة التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومن خلالها تمر حركة بحرية وتجارية ذات أهمية استراتيجية، كما أن أي اضطراب واسع فيه ينعكس على طرق الطاقة والتجارة وأسعار الشحن.

لكن ما يجعل اللحظة الحالية أكثر حساسية أن باب المندب لا يقف وحده. من الشرق، هناك مضيق هرمز، ومن الجنوب، باب المندب، وبينهما، شبكة من خطوط التصدير والموانئ والمنشآت النفطية والطرق البحرية التي تجعل الجغرافيا السعودية نفسها جزءاً من المعركة.

وتشير التقارير الحديثة إلى أن القوات اليمنية صعّدت عملياتها ضد السعودية، بالتوازي مع تقدمها على ساحل البحر الأحمر ووصولها إلى مناطق وجزر استراتيجية قرب باب المندب، بينما تعرضت منشآت ومسارات نفطية سعودية لهجمات زادت الضغط على طرق التصدير.

أي أن الضغط لم يعد نظرياً، إنه ينتقل من الخريطة إلى الاقتصاد. وصنعاء لا تحتاج إلى الوصول إلى الرياض كي تضغط عليها، وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات المشهد.

في الحروب التقليدية، تحتاج القوة إلى الاقتراب من مركز الخصم حتى تفرض عليه كلفة مباشرة.أما في الجغرافيا اليمنية، فالمعادلة مختلفة، يكفي أن يصبح باب المندب غير آمن، أو أن تصبح طرق النفط والشحن عرضة للتهديد، حتى تنتقل كلفة الحرب إلى خارج اليمن، وهذا بالضبط ما يجعل الموقع اليمني أكثر أهمية من حجمه الجغرافي.

فصنعاء لا تحتاج إلى السيطرة على عاصمة خصمها حتى تغيّر حساباته، يكفي أن تضغط على الممر الذي تعبر منه مصالحه. ومع وصول القوات المسلحة اليمنية إلى مناطق استراتيجية على الساحل الغربي واقترابها من باب المندب، باتت المعركة تدور على نقطة لا يمكن فصلها عن أمن البحر الأحمر كله. وقد تحدثت تقارير حديثة عن سيطرة القوات اليمنية على مناطق وجزر استراتيجية قرب المضيق، بينها جزيرة ميون، إضافة إلى مكاسب أخرى على ساحل البحر الأحمر، ما عزز قدرتها على التأثير في حركة الملاحة في المنطقة.

 

من واشنطن إلى "تل أبيب"... لماذا؟

هنا تصبح دلالة الطلب السعودي أكثر وضوحاً.

إذا كانت واشنطن لا تريد التدخل المباشر، وإذا كانت الرياض بحاجة إلى قدرات استخبارية وتقنية تساعدها في التعامل مع التهديد اليمني، فمن الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى الطرف الذي يملك خبرة طويلة في العمل الاستخباري والضربات البعيدة المدى في المنطقة.

لكن المفارقة أن هذا الطرف نفسه كان قد اختبر اليمن من قبل. والنتيجة لم تكن حاسمة. فهل استطاعت كل هذه القوة الاستخبارية والعسكرية أن تنهي قدرة صنعاء على مواصلة المواجهة؟

فقد شنّ الكيان الإسرائيلي خلال الفترة الماضية ضربات ضد اليمن، واستهدف شخصيات وبنى مختلفة، لكنه لم ينجح في إنهاء قدرة صنعاء على مواصلة المواجهة.

بل إن التطورات الحالية نفسها تعيد طرح السؤال داخل البيئة الإسرائيلية: كيف يمكن التعامل مع قوة يمنية باتت قادرة على توسيع مدى تأثيرها من الجغرافيا المحلية إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم؟

وهنا يظهر السؤال الذي لا تستطيع الرياض تجاهله: إذا كانت واشنطن لا تريد أن تقاتل، وإذا كان الكيان الإسرائيلي نفسه لم يستطع حسم المواجهة، فما الذي يمكن أن تضيفه أي مساعدة جديدة إلى المعادلة؟

هنا تظهر المشكلة واضحة كما هي. مشكلة أعمق من طلب استخباري، لأن الرياض لا تواجه فقط قوات تتحرك على ساحل أو تهدد ممراً بحرياً، بل هي تواجه نموذجاً مختلفاً من الحرب.

قوة لا تحتاج إلى امتلاك أسطول بحري ضخم حتى تؤثر في حركة السفن، ولا تحتاج إلى اقتصاد بحجم الاقتصاد السعودي حتى تضرب أحد مفاصل اقتصاده، ولا تحتاج إلى تحالف دولي واسع حتى تجعل مضيقاً بحجم باب المندب جزءاً من الحسابات العالمية.

وهنا تحديداً تتحول الجغرافيا اليمنية إلى قوة بحد ذاتها. فيصبح المضيق سلاحاً، والساحل ورقة، والتهديد الملاحي يتحول إلى ضغط اقتصادي، والضغط الاقتصادي يعود بدوره إلى القرار السياسي.

وهكذا تنتقل المعركة من اليمن إلى الخليج الفارسي، ومن البحر الأحمر إلى أسواق الطاقة، ومن الميدان إلى غرف القرار.

 

الرياض بين خيارات تضيق

ربما لهذا السبب تبدو الخيارات السعودية أكثر تعقيداً من مجرد طلب دعم عسكري. فالعودة إلى حرب واسعة تعني استدعاء تجربة لم تُغلق آثارها تماماً.

والاعتماد على واشنطن وحدها يعني انتظار قرار أميركي قد لا يأتي بالشكل الذي تريده الرياض. والاستعانة بالكيان الإسرائيلي تفتح باباً آخر شديد الحساسية، لأن دخوله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في معركة باب المندب يعني أن المواجهة مع صنعاء قد تتسع إقليمياً، لا لأن اليمن تبحث عن توسيع ساحتها، بل لأن موقعها وقدرتها على التأثير في حركة الممر البحري فرضاها لاعباً يصعب تجاوز حضوره.

أما التفاوض، فيحمل بدوره سؤالاً آخر: هل يمكن احتواء معادلة باتت فيها صنعاء تملك أوراقاً تتجاوز حدود الساحة اليمنية؟

وهنا تصبح كل الخيارات مكلفة.

 

هرمز وباب المندب... عندما تضيق الخريطة

الأكثر إثارة في المشهد أن دول الخليج الفارسي نفسها بدأت تبحث عن مخارج موازية، بعدما باتت أزمتا هرمز وباب المندب تضغطان على حساباتها في وقت واحد.

ففي الوقت الذي تتصاعد فيه أزمة باب المندب، تتحرك اتصالات خليجية حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، وسط مساع عُمانية لترتيبات تخفف الضغط عن حركة النقل.

وهنا تظهر مفارقة شديدة الدلالة: الدول التي اعتادت الاتكاء على المظلة الأميركية تجد نفسها مضطرة إلى توسيع خياراتها والبحث عن تفاهمات إقليمية عندما لا تقدم واشنطن المخرج الذي تنتظره.

أي أن الأزمة لا تعيد رسم خطوط المواجهة فقط. إنها تعيد ترتيب العلاقات نفسها.

فكلما اتسعت مساحة المواجهة، ازدادت قيمة القوى التي تملك أوراقاً جغرافية واستراتيجية داخلها. وهنا لا يعود هرمز وباب المندب أزمتين منفصلتين.

إنهما ممران في معادلة واحدة، وكل اضطراب في أحدهما يرفع قيمة الآخر.

وهنا يخسر الكيان الإسرائيلي أيضاً، لأنه قد يبدو للوهلة الأولى أن أي طلب سعودي للمساعدة الإسرائيلية يمثل مكسباً للكيان الإسرائيلي، لكن الصورة أكثر تعقيداً.

لأن وصول الأزمة إلى هذه النقطة يعني أن باب المندب لم يعد ملفاً يمنياً يمكن عزله عن بقية الإقليم. بل أصبح عقدة تربط السعودية بالولايات المتحدة، والكيان الإسرائيلي بالبحر الأحمر، وإيران بالخليج الفارسي، واليمن بالتجارة العالمية.

وأي دخول إسرائيلي جديد إلى الساحة اليمنية قد يعني، في المقابل، فتح جبهة جديدة مع قوة أثبتت أنها قادرة على تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة ضغط تتجاوز حدودها.

ولهذا، فإن القلق الإسرائيلي من تعاظم قوة صنعاء لا يتعلق فقط بالسفن.

إنه يتعلق بفكرة أخطر: أن يصبح اليمن لاعباً قادراً على فرض كلفة استراتيجية على قوى تملك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً، مستفيداً من ورقة جغرافية لا تستطيع هذه القوى تجاوزها.

 

المعادلة التي لا تريد واشنطن دفع ثمنها

ربما لهذا السبب تبدو واشنطن أكثر حذراً. فالولايات المتحدة تعرف أن استهداف اليمن ليس عملية معزولة. أي ضربة يمكن أن تفتح رداً، وأي رد قد يوسّع دائرة المواجهة، وأي توسع قد يعيد إدخال البحر الأحمر والخليج الفارسي وطرق الطاقة في حرب واحدة مترابطة.

وفي لحظة تتداخل فيها أزمة هرمز مع أزمة باب المندب، تصبح الجبهة اليمنية جزءاً من معركة أكبر على من يملك القدرة على التأثير في الممرات التي تمر عبرها التجارة والطاقة.

وهذا ما يجعل قرار الحرب أكثر كلفة من مجرد حساب عدد الصواريخ والطائرات.

لأن المسألة في النهاية ليست فقط: من يملك السلاح؟

بل: من يملك الجغرافيا التي تجعل هذا السلاح قادراً على تغيير حركة البحر؟

 

صنعاء تغيّر السؤال

لذلك، ربما يكون أهم ما في المشهد الحالي أن السؤال لم يعد:

هل تستطيع السعودية أن تواجه اليمن؟ بل: كم ستكلفها هذه المواجهة، ومن سيدفع ثمنها، ومن سيخوضها؟

إذا كانت الرياض تحتاج إلى واشنطن كي تتحرك، وواشنطن لا تريد أن تتحرك مباشرة، وإذا كانت عين الرياض تتجه بعدها إلى دول المنطقة وإلى الكيان الإسرائيلي بحثاً عن أدوات إضافية، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد في نقص السلاح فقط.

المشكلة في أن المعادلة نفسها أصبحت أكثر تعقيداً من أن تُحسم بالقوة وحدها.

فاليمن ليس مجرد جبهة جنوبية بالنسبة للسعودية، وباب المندب ليس مجرد مضيق،  وواشنطن ليست مستعدة بالضرورة لأن تكون الطرف الذي يتحمل كل كلفة المعركة، والكيان الإسرائيلي ليس قادراً على ضمان الحسم الذي قد تبحث عنه الرياض.

وبين كل هذه الحسابات، تقف صنعاء أمام جغرافيا تمنحها ورقة لا تحتاج إلى اختراعها: البحر.

 

من هرمز إلى باب المندب

يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، مرحلة لا تُقاس فيها القوة فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل بالقدرة على التحكم بممر، وتعطيل طريق، ورفع كلفة حركة، وإجبار خصم أكبر على إعادة حساباته.

وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر:

السعودية التي دخلت حرب اليمن وهي تراهن على فائض القوة، تجد نفسها اليوم تبحث عمّن يساعدها على حماية الطريق الذي يصل العالم بها.

أما واشنطن، التي اعتادت أن تكون هي باب المساعدة، فتبدو اليوم أكثر ميلاً إلى أن تقول للآخرين: دبّروا بابكم بأنفسكم.

لكن حين يكون الباب هو باب المندب، فإن المسألة لا تبقى يمنية.

إنها تصبح معركة على من يملك مفتاح البحر.

 

/إنتهى/