هوشنك مرادي كرماني.. من قلب صحراء كرمان إلى ذاكرة أجيال من الإيرانيين
- الأخبار ثقافة ، فن ومنوعات
- 2026/09/07 - 22:55
وكالة تسنيم الدولية للأنباء - يصادف السابع من سبتمبر ذكرى ميلاد أحد أبرز الكتاب الذين ارتبطت ذكريات الطفولة لدى أجيال من الإيرانيين بأعمالهم؛ هوشنك مرادي كرماني، الذي وُلد في قرية سيرتش بمحافظة كرمان، ونجح من خلال شخصيات مثل «مجيد» و«بيبي» في ترك بصمة راسخة في أدب الأطفال واليافعين في إيران.
وُلد مرادي كرماني في 7 سبتمبر/أيلول 1944، في قرية سيرتش التابعة لمنطقة شهداد بمحافظة كرمان. أمضى طفولته ومراهقته في البيئة الريفية نفسها، التي تحولت لاحقاً إلى مصدر أساسي للإلهام في كتاباته. فقد انعكست تجاربه في القرية، واحتكاكه بأهلها، واستماعه إلى حكايات جده، فضلاً عن معرفته المباشرة بمشاق الحياة، على شخصياته وأجواء قصصه.
درس حتى الصف الخامس الابتدائي في سيرتش، ثم انتقل إلى مدينة كرمان لمواصلة تعليمه، قبل أن يتابع دراسته لاحقاً في طهران. وبالتوازي مع نشاطه الأدبي، خاض تجارب مختلفة في العمل والحياة الاجتماعية، وهي تجارب تحدث مراراً عن أثرها في تشكيل رؤيته ولغته القصصية.
من الإذاعة والصحافة إلى عالم القصة
بدأ مرادي كرماني نشاطه الأدبي في شبابه، وأسهم عمله في الإذاعة والصحافة في تمهيد الطريق أمام دخوله بصورة أكثر جدية إلى عالم الكتابة.
وفي عام 1968، نُشرت أولى قصصه، «كوچه ما خوشبختها» (زقاقنا السعداء)، في مجلة «خوشه». وشكّل ذلك بداية مسيرته المهنية في الكتابة. وكان الكاتب يستعيد لاحقاً لقاءه بالشاعر والكاتب الإيراني أحمد شاملو ونشر قصته الأولى بوصفهما من المحطات الحاسمة في مسيرته الأدبية.
بعد ذلك، رسّخ مرادي كرماني مكانته تدريجياً في أدب الأطفال واليافعين، إلا أن المحطة التي جعلت اسمه حاضراً بقوة في الذاكرة الأدبية الإيرانية كانت ابتكاره شخصية «مجيد».
«حكايات مجيد».. شخصية لا تزال حاضرة
ارتبط اسم هوشنك مرادي كرماني قبل أي عمل آخر بسلسلة «حكايات مجيد»، التي تحولت شخصيتها الرئيسية إلى واحدة من أشهر الشخصيات في أدب الأطفال واليافعين في إيران.
«مجيد» فتى يعيش إلى جانب جدته «بيبي»، ويخوض أحلامه ومغامراته الصغيرة وإخفاقاته ومخاوفه وآماله. وهو ليس بطلاً خارقاً أو شخصية بعيدة عن الواقع، بل فتى عادي يحاول أن يجد طريقه وسط صعوبات الحياة.
وكان هذا الجانب الإنساني والبسيط والقريب من الواقع أحد أسباب تحول «مجيد» إلى شخصية مألوفة لدى أجيال من القراء الإيرانيين.
ولاحقاً، تحولت «حكايات مجيد» إلى مسلسل تلفزيوني من إخراج كيومرث بورأحمد، ليصل مجيد و«بيبي» إلى ملايين المشاهدين. ولا يزال المسلسل واحداً من أبرز نماذج الاقتباس التلفزيوني الناجح عن عمل أدبي في إيران.
من «حكايات مجيد» إلى «ضيف أمي»
لم تقتصر مسيرة مرادي كرماني الأدبية على «حكايات مجيد». فعلى مدى عقود، أصدر أعمالاً عديدة، من بينها «معصومة»، و«أطفال دار النسيج»، و«النخلة»، و«الحذاء»، و«الجرة»، و«التنور»، و«المربى الحلو»، و«ابتسامة الرمان»، و«ضيف أمي»، و«لا رطب ولا يابس»، و«الأرز والمرق»، و«نازبالش»، و«خزان المياه»، و«قشرة الخيار»، و«ملعقة الشاي»، و«أنتم لستم غرباء».
وتتناول هذه الأعمال موضوعات الطفولة والأسرة والفقر والحرمان والعمل والجفاف والمدرسة والتكافل والحياة اليومية، بأسلوب بسيط وحميم بعيد عن الخطاب المباشر والمواعظ.
ويحتل كتاب «أنتم لستم غرباء» مكانة خاصة في أعماله، إذ يعود فيه الكاتب إلى سيرته الذاتية، مستعيداً ذكريات طفولته ومراهقته. ويمكن للقارئ أن يجد في هذا العمل جذور العديد من الشخصيات والأجواء التي ظهرت لاحقاً في قصصه.
أما رواية «ضيف أمي»، فقد اقتبسها المخرج الإيراني داريوش مهرجويي للسينما، في دلالة على أن قصص مرادي كرماني لا تجذب الأطفال وحدهم، بل تمتلك أيضاً قدرة كبيرة على الوصول إلى الجمهور البالغ والتحول إلى أعمال سينمائية.
حكايات تجاوزت حدود إيران
من أبرز سمات تجربة مرادي كرماني الانتشار الواسع لأعماله عبر الترجمة. فقد ترجمت قصصه إلى لغات عدة، من بينها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية والهولندية والعربية والأرمنية والهندية.
ويكتسب هذا الانتشار أهمية خاصة لأن أعماله متجذرة بعمق في الثقافة والحياة الإيرانية؛ فهي تتناول القرية والمدرسة والأسرة والحرف التقليدية مثل نسج السجاد، إضافة إلى الجفاف والظروف الاجتماعية.
وربما تكمن قدرة هذه الأعمال على الوصول إلى القراء خارج إيران في هذه المفارقة تحديداً: لم يحتج مرادي كرماني إلى التخلي عن خصوصية بيئته الإيرانية كي تصبح قصصه عالمية. فمن قلب التجارب المحلية، تناول قضايا إنسانية مشتركة مثل الصداقة والوحدة والفقر والأمل والخوف والأسرة والأحلام؛ وهي مشاعر لا تعرف الحدود الجغرافية.
جوائز وتقدير أدبي
حصل مرادي كرماني خلال عقود من نشاطه الأدبي على العديد من الجوائز والتكريمات داخل إيران وخارجها، كما حظيت أعماله باهتمام في مهرجانات وفعاليات أدبية مختلفة.
وكان اسمه حاضراً كذلك ضمن قوائم المرشحين لجوائز دولية مرموقة في أدب الأطفال واليافعين. ويعكس هذا الحضور، إلى جانب الانتشار الواسع لترجمات أعماله، المكانة التي احتلها في أدب الأطفال واليافعين في إيران.
كما اجتمعت في مسيرته النجاحات الأدبية والسينمائية، وأسهمت اقتباسات ناجحة مثل «حكايات مجيد» و«ضيف أمي» في توسيع دائرة جمهور أعماله.
كاتب أخذ عالم الطفولة على محمل الجد
لعل أبرز ما يميز تجربة هوشنك مرادي كرماني أنه لم ينظر إلى الطفل يوماً باعتباره قارئاً بسيطاً أو قليل الخبرة.
فقد كتب عن الفقر والوحدة والحرمان والجفاف والعمل والصراعات بين الأجيال وصعوبات الحياة، لكنه لم يخلُ عالمه القصصي من الأمل والفكاهة. ولذلك استطاعت أعماله أن تجمع بين إمتاع الطفل ودفع القارئ البالغ إلى التأمل والتفكير.
وفي عالم مرادي كرماني، يتحول الأشخاص العاديون إلى أبطال؛ فقد تكون جدة أو تلميذ أو أسرة أو معلم، بل وحتى جرة ماء، محوراً لقصة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تقدم في مستوياتها الأعمق صورة عن المجتمع والحياة الإنسانية.
إرث كاتب من كرمان
تشبه سيرة هوشنك مرادي كرماني إحدى قصصه؛ طفل نشأ في قرية سيرتش بكرمان، ثم وصلت أعماله إلى قراء خارج إيران، وترجمت إلى لغات مختلفة.
بدأ من جغرافيا الصحراء، لكن قصصه وصلت إلى فضاء أوسع، لأن ما يرويه في أعماله يتصل بتجارب إنسانية مشتركة يمكن العثور على ما يشبهها في أي مكان.
ولا تزال شخصية «مجيد» حاضرة في الذاكرة، ولا تزال «بيبي» تعيش في وجدان قرائها، فيما تواصل حكايات مرادي كرماني جذب أجيال متعاقبة من القراء.
ويصادف السابع من سبتمبر ذكرى ميلاد كاتب أثبت أن الأدب المخلد لا يحتاج دائماً إلى السفر بعيداً بحثاً عن عوالم جديدة؛ ففي بعض الأحيان يكفي أن نعود إلى طفولتنا، وإلى أزقة القرية، وإلى الناس البسطاء، وإلى الذكريات التي بقيت عالقة في أحد أركان الذاكرة.
من قرية سيرتش انطلق هوشنك مرادي كرماني؛ ومن قلب الصحراء نسج حكاياته، ومن قصة فتى صغير أسهم في بناء جزء من الذاكرة الثقافية لعدة أجيال من الإيرانيين.
/انتهى/