لبنان؛ خطوتان للمقاومة مقابل خطوة واحدة للعدوان
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/09/05 - 23:25
وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن سعد الله زارعي، الخبير البارز في شؤون المنطقة، كتب في مقال بعنوان «لبنان؛ خطوتان للمقاومة مقابل خطوة واحدة للعدوان»:
1 ـ مضى الآن نحو ثلاثة أعوام على المواجهة المباشرة والمستمرة بين الكيان الإسرائيلي والمقاومة اللبنانية. وقبل هذه المواجهة المباشرة والمستمرة، خاض الطرفان مرحلتين من الصراع استمرّت الأولى 18 عاماً والثانية 33 يوماً. وبذلك، أمضى إسرائيل وحزب الله 21 عاماً في حالة حرب، ومن الطبيعي أن يخوضا سنوات أخرى من الحرب في المستقبل. وخلال هذه السنوات الـ21 كلها، كان إسرائيل في ذروة قوته العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية، فيما كان حزب الله، رغم الفارق الكبير في الإمكانات العسكرية والتكنولوجية، يعمل على «احتواء» إسرائيل وإفشال أهدافها.
وفي المرات الثلاث، احتل الكيان الإسرائيلي أجزاءً من الأراضي اللبنانية، بينما لم يكن حزب الله في أي وقت يمتلك جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما أن حصيلة هذه الحروب الثلاث لم تكن تبادلاً للأراضي التي سيطر عليها الطرفان؛ فقد احتل أحد الطرفين الأرض، ثم استعادها الطرف الآخر بعد توجيه ضربات إليه وعلى مدى فترة زمنية، مع تقديم تضحيات ودماء كثيرة.
وخلال نحو 42 عاماً منذ ظهور حزب الله، لم يكن انتصار أحد الطرفين وهزيمة الآخر يُقاسان أو يُحكَم عليهما يوماً بمعيار الجغرافيا. وبناءً على ذلك، فإن الجيش الإسرائيلي، الذي يسيطر حالياً على أجزاء من جنوب لبنان عبر اللجوء إلى شتى أنواع الإجراءات الإجرامية، لا يُعد ناجحاً في هذه المعادلة. فالانتصار بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي له معيار واحد، وهو إزالة الخطر الأمني طويل الأمد عن المناطق الشمالية من فلسطين المحتلة، في مواجهة التهديد القادم من لبنان. ولإزالة هذا الخطر طريقان واضحان: أن يقبل الجانب اللبناني إزالته من خلال تسوية مع إسرائيل، أو القضاء نهائياً على التهديد عبر تفوق عسكري إسرائيلي مطلق على لبنان.
أما وصول إسرائيل إلى قوات حزب الله أو سيطرتها على الأراضي اللبنانية، في ظل عدم استعداد حزب الله لا للتسوية ولا للتخلي عن سلاح المقاومة، فإن مكاسب العدو، مهما بلغت أهميتها، تبقى مكاسب تكتيكية وقابلة للانتكاس. وحتى إذا صحّ ادعاء الكيان بأنه سيطر على أنفاق النبطية والمرتفعات المطلة عليها، فإن ذلك يكون قد حدث للمرة الثانية، بعدما فصل بين الواقعتين 45 عاماً. فقد تمكن حزب الله قبل 30 عاماً من استعادة هذه المرتفعات بعد احتلال العدو لها لمدة 15 عاماً، واستغرق الأمر 30 عاماً حتى تمكنت إسرائيل من السيطرة عليها مجدداً.
الجميع يعلم أن حزب الله اليوم أقوى مما كان عليه قبل 30 عاماً، حين أجبر الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من النبطية وهذه المرتفعات. صحيح أن إسرائيل، استناداً إلى الضربات التي وجّهتها إلى حزب الله خلال نحو عامين، تعتبره أضعف مما كان عليه قبل عامين، لكنها لا تستطيع تجاهل تنامي قوة حزب الله اليوم مقارنة بعام 1996، عندما فرّت إسرائيل من النبطية. وهذا يعني بحد ذاته أن مصدر التهديد الأمني للمناطق الشمالية من فلسطين المحتلة انطلاقاً من جنوب لبنان لم يُرفع، وأن الأمن في الشمال، الذي يمثل أهم مهمة للجيش الإسرائيلي، لم يصبح في متناوله.
2 ـ يتمتع حزب الله بمكانة راسخة وعميقة في لبنان. فالمنطقة الجنوبية، الممتدة من الضاحية إلى القرى الحدودية في الجنوب، ومن بعلبك شرقاً إلى قرى الجنوب، تُعد في معظمها موطناً للشيعة، ويقف نحو 1.8 مليون من سكانها إلى جانب حزب الله بقوة، وقد ظلوا يمدّونه باستمرار بقوته الجهادية.
وإلى جانب ذلك، يحظى حزب الله بمقومات الاستمرار في المقاومة المسلحة في أوساط الطوائف اللبنانية الأخرى أيضاً، نظراً إلى أن مواجهة احتلال هذه الأراضي من جانب جيش معتدٍ تحظى بمشروعية وقبول، فضلاً عن وجود مشاعر وطنية تدفع الطوائف اللبنانية الأخرى إلى الدفاع عن الشيعة. وهذا كله، إضافة إلى أن لبنان، بوصفه بلداً عربياً وإسلامياً، يرتبط بصورة طبيعية بالشعب والأرض العربية والإسلامية في فلسطين. والسبب الأهم للحرب الإسرائيلية على حزب الله هو، في الأساس، دفاعه المسلح عن الفلسطينيين.
وعليه، إذا كان استمرار المقاومة مرتبطاً بقبولها شعبياً، وكذلك بتمسّك حزب الله بها، فإن هذه المقاومة ستستمر في لبنان ما دام هذا الكيان البغيض قائماً، ولن يؤدي أي تراجع أو خلل إلى التخلي عنها. ففي لبنان، لا تستطيع إسرائيل إعلان انتصارها بالقوة وبالاستناد إلى الجرائم واحتلال الأراضي، لأن لبنان لن يقبل بانتصار العدو، وسيحشد قدراته لاستعادة أراضيه.
قد تدمر إسرائيل مناطق الجنوب التي يعيش فيها السكان، لكنها غير قادرة على إنهاء ملكية اللبنانيين لأرضهم، ولا سيما أن هذه المناطق، فضلاً عن كونها جزءاً من الأراضي اللبنانية، لها أيضاً ثقل طائفي قوي يطالب بها. وهذه الطائفة، التي أصبح جزء كبير من سكانها نازحين في الوقت الراهن، ليست بصدد الرحيل إلى مكان آخر. ولذلك، فإن سكانها، الذين تربوا في مدرسة شهداء كبار من أمثال السيد عباس الموسوي، والشهيد راغب حرب، والسيد حسن نصر الله، والسيد هاشم صفي الدين، وذاقوا مراراً طعم الانتصار على عدوهم، سيترصدون للعدو.
3 ـ إن ما يجري في النبطية والمرتفعات المطلة عليها هو حرب، وليس ساحة منافسة تبدأ في ساعة وتنتهي في ساعة، ثم يُعلن أحد الطرفين منتصراً نهائياً والآخر خاسراً نهائياً. فإسرائيل لن تتمكن بالتأكيد من «التمركز» في أراضٍ تابعة لحزب الله، كما أن قواتها العسكرية لن تستطيع البقاء هناك لفترة طويلة. كذلك، فإن التكنولوجيا ليست أمراً لا بديل له، ولا يوجد ما يمنع حزب الله من امتلاك تفوق تكنولوجي في هذا المجال.
لذلك، فإن كل شيء هنا نسبي؛ فالإمكانات النسبية تجعل الانتصار نسبياً. ولهذا، عندما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه وجد طريقاً إلى أنفاق حزب الله، لم تُقرع أبواق النصر احتفالاً بانتصار الجيش، كما أن حزب الله لم يصبه الخوف. وينبغي أن يثير صمت حزب الله الإعلامي إزاء ادعاء جيش الاحتلال قلقاً بالغاً لدى إسرائيل. كما أن استمرار القصف وتحليق طائراتها فوق النبطية ومرتفعاتها، رغم إعلان السيطرة على علي الطاهر، يعكس هذا القلق.
ويبقى السؤال: ما خطة إسرائيل للتغلب على هذا القلق؟ فقد قال البعض إن الكيان الإسرائيلي سيحتاج إلى عدة أسابيع ليعلن بالتحديد ما هي خطته في هذا الصدد. وحتى ذلك الحين، من المرجح أن يواصل الجيش الإسرائيلي هجماته العسكرية عبر القصف وطلعات الاستطلاع، ليقول للمجتمع الإسرائيلي إنه بصدد استكمال انتصاره في مرتفعات النبطية. لكنه سيضطر، بعد أسابيع قليلة، إلى قبول أحد خيارين لا يرغب في أي منهما.
فإما أن يسلّم الجيش الإسرائيلي هذه المنطقة إلى الجيش اللبناني وينسحب منها، وعندها يكون قد أعاد عملياً هذه المنطقة إلى حزب الله، أو يواصل الحرب لاستكمال مشروع القضاء على حزب الله، وفي هذه الحالة عليه أن يقلق من تكرار ما حدث له في أعوام 1996 و2000 و2006.
وحزب الله، الذي لا يعيش حالياً في أجواء من الترهيب، ليس بصدد الاستسلام. وقد أعلن الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، رسمياً أن قوات الحزب لن تتخلى عن سلاحها أبداً، ولن تتوقف حتى عن دعم فلسطين.
فهل ستسلّم إسرائيل هذه المنطقة إلى الحكومة والجيش اللبنانيين؟ إن احتمال ذلك في نهاية المطاف ليس ضئيلاً، لأنه، رغم تكاليفه ومخاطره، يبقى الخيار الأقل كلفة أمامها.
إن نتيجة مواصلة الحرب مع حزب الله، وكذلك نتيجة تسليم النبطية إلى الحكومة اللبنانية، واحدة بالنسبة إلى المناطق الشمالية من فلسطين المحتلة؛ ففي كلتا الحالتين، لن يمتلك المستوطنون اليهود في هذه المناطق ما يضمن لهم العودة بأمان، ولن تُحل معضلة نتنياهو في الحرب التي يخوضها منذ خمسة أشهر. ومهمة الجيش الإسرائيلي هنا أصعب من مهمته في غزة، التي لم تهدأ فيها جذوة المواجهة بعد، لأن فرض حصار حقيقي على هذه المنطقة غير ممكن، خلافاً لغزة.
4 ـ على الرغم من المصير المحتوم الذي استعرضناه للجيش الإسرائيلي في النبطية، فإن جبهة المقاومة، ولا سيما الجمهورية الإسلامية، لا يمكنها أن تقف موقف المتفرج إزاء المظالم التي يتعرض لها سكان هذه المنطقة الصامدون. فلا ينبغي للعدو أن يتمكن، ولو لفترة مؤقتة، من ترسيخ وجوده في لبنان، كما لا ينبغي لإسرائيل أن تحقق حتى انتصاراً تكتيكياً هناك.
وقد أثبتت التجربة أنه كلما تعرضت أمريكا، التي تمثل الركيزة الأساسية لبقاء الكيان الإسرائيلي الإجرامي، لضغوط، أصبح سلوك إسرائيل خاضعاً للسيطرة. ولذلك، فإن إخراج إسرائيل من لبنان يتطلب تحديداً الضغط على الولايات المتحدة.
ويجب أن يُشترط أي تغيير في وضع مضيق هرمز ـ من دون أي مساومة بشأن حق إيران في السيطرة الكاملة عليه ـ وكذلك التخلي عن الضغط على القواعد الأمريكية والدول التي تهيئ الظروف لاستمرار هذه القواعد، بالانسحاب الكامل للمعتدين من الأراضي التي احتلوها خلال السنوات الثلاث الماضية في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا. وينبغي أن يقترن هذا التهديد بإجراءات عملية وملموسة.
/انتهى/