أمل شبيب
هنال، في ذلك المكان، لم تعد الجغرافيا مجرد خطوط على خريطة، بل صارت ذاكرة تنبض، وحكاية ترويها الصخور، وموقفاً يختبر إرادة من يريد البقاء ومن يريد الرحيل.
علي الطاهر ليست مجرد تلة يحاصرها جيش، بل هي قلب ينبض في جوف الصخر، وروح تسكن الحجر، وعائلة تتمسك ببيتها رغم القصف والحصار. إنها الأم التي تنتظر عودة ابنها من خلف الأسلاك الشائكة، والأب الذي يرفض أن يترك أرضه التي زرعها بيديه، والطفل الذي يكبر على صوت الطائرات لكنه لا يزال يحلم بأن يلعب في حقول الزيتون.
هناك، في جوف الصخر، يقف رجال يملكون من القوة إيمانهم، ومن السلاح صمودهم. هم ليسوا جنوداً في جيش، بل هم أبناء هذه الأرض، الذين يعرفون كل حجر فيها، وكل درب، وكل شجرة زيتون زرعها أجدادهم. هم يقاومون ليس لأنهم يريدون الحرب، بل لأنهم يريدون أن يبقى لأبنائهم مكان يعودون إليه، وأن تبقى لأحفادهم قصة يروونها عن أرض لم تُبَع، ولم تُهجَر ولم تُنْس.
لكن كيف يمكن لجيش بأكمله أن يحاصر تلة، ويقصفها، ويقطع عنها الماء والطعام، ويحاول أن يدخل إلى جوفها، ثم يفشل؟ كيف يمكن لرجال في جوف الصخر أن يصمدوا أمام كل هذه القوة، ويبقوا هناك، وكأنهم جزء من التلة نفسها؟
الجواب ليس في العتاد العسكري، ولا في عدد الجنود، بل في شيء أعمق: في أن علي الطاهر ليست مجرد موقع استراتيجي، بل هي رمز لكل ما تبقى من الكرامة في الجنوب. هي التلة التي يقول فيها أهلها: "هنا ولدنا، وهنا سنموت، وهنا سنبقى."
وعندما يصمد رجالها، فإنما يصمد كل أب رفض أن يترك بيته، وكل أم علمت أبناءها أن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع. وعندما يبقون هناك، في جوف الصخر، فإنهم يقولون للعالم: "قد تحاصرون تلتنا، لكنكم لن تحاصروا قلوبنا. قد تقطعون عنا الطرق، لكنكم لن تقطعوا حبلنا بالتراب."
علي الطاهر ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي معركة وجود. هي سؤالٌ يطرحه الجنوب على العالم: هل يمكن للقوة أن تهزم الإرادة؟ هل يمكن للحصار أن يكسِر الصمود؟ هل يمكن للقصف أن يمحو الذاكرة؟
والإجابة، حتى الآن، هي "لا".
فطالما بقي في جوف الصخر رجل واحد يرفض الاستسلام، وطالما بقيت في قلوب أهله ذكرى لا تموت، وطالما بقي في تراب الجنوب جذور لا تقتلع، فإن علي الطاهر ستبقى كما كانت: تلة لا تسقط، ورمزاً لا ينكسر، وحكاية تُروى للأجيال القادمة عن أرض لم تُهزم، وشعب لم يستسلم، ووطن لم يمت
هناك في جنوب لبنان، تصبح بعض التلال ذاكرة، وبعض الصخور حكاية، وبعض المواقع اختبار لإرادة من يريد احتلال الأرض ومن يرفض أن يتنازل عنها. هكذا تبدو تلة علي الطاهر اليوم، موقعاً تحاصره القوات الإسرائيلية منذ أسابيع، لكنها لم تتمكن، رغم تفوقها العسكري الهائل، من حسم المعركة في جوفها.
طريق طويل نحو التلة
منذ مطلع آذار العام الجاري، جاءت محاولات التقدم نحو علي الطاهر ضمن مسار عسكري متدرج، بدأ من محاور دير سريان ووادي الليطاني، مروراً بمرتفعات قلعة الشقيف وكفرتبنيت، وصولاً إلى محاولة فتح الطريق نحو التلة والمنشأة الواقعة أسفلها. وخلال نحو ستة أشهر، خاضت المقاومة أكثر من 15 مواجهة مرتبطة بمحاور الوصول إلى التلة، فيما كانت المواجهة الأوسع على محور كفرتبنيت في حزيران.
قوة عسكرية هائلة في الميدان
دفع جيش العدو الإسرائيلي بقوة كبيرة إلى الميدان، قادتها الفرقة 36، وشاركت فيها تشكيلات من لواء الكوماندوس ووحدات إيغوز وماغلان ويهلوم الهندسية، إلى جانب قوات مدرعة من اللواء 401، ووحدات من غفعاتي وغولاني والاستطلاع، فضلاً عن اللواء المدرع السابع وقوات الإسناد الناري وسلاح الجو والهندسة واللوجستيات.
كان حجم القوة كافياً ليكشف أهمية المحور بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي. فالمسألة لم تكن السيطرة على كفرتبنيت وحدها، بل محاولة اختراق منظومة الدفاع المحيطة بالمرتفعات والوصول إلى مداخل المنشأة المحصنة تحت التلة. لكن الطريق لم يكن كما تخيلته القيادة الإسرائيلية. وتحت غطاء جوي ومدفعي كثيف، تقدمت الدبابات والمشاة، بينما كانت المقاومة تواجه الهجوم بالعبوات المضادة للآليات والصواريخ الموجهة والكمائن والنيران المتزامنة من مسافات مختلفة، مما أدى إلى إرباك التشكيلات المدرعة وإبطاء تقدمها، قبل أن تضطر إلى التراجع عن عدد من النقاط.
لكن القوات الإسرائيلية لم تتخلَّ عن محاولة الوصول إلى المنشأة. استغلت قوة كوماندوس الغطاء الدخاني والانشغال بالمواجهة الخارجية، وتمكنت من الاقتراب من أحد أبواب المنشأة. كان الباب مفخخاً، فانفجاره أصاب القوة التي تراجعت، قبل أن تحاول قوة أخرى الدخول من الفتحة التي أحدثها الانفجار. غير أن المقاومة كانت تنتظر في الداخل، واندلع اشتباك مباشر انتهى بتراجع القوة الإسرائيلية وخروجها من المنشأة. كانت تلك اللحظة فارقة في مسار المعركة.
من الهجوم إلى الحصار
بعد فشل محاولة الاقتحام، أصبح الجيش الإسرائيلي أكثر حذراً في إرسال جنوده إلى المداخل والأنفاق، واتجه بصورة أوسع إلى الاستطلاع عن بعد، والمسيّرات، والروبوتات، ووسائل الهندسة التي تسمح له بالاقتراب من دون المخاطرة بقواته مباشرة. ومع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لم تنتهِ محاولات الضغط على علي الطاهر، لكنها تغيرت: من الهجوم الواسع إلى التسللات الليلية، ومن الاندفاعة البرية إلى الاستطلاع والهندسة، ومن محاولة الاقتحام إلى الحصار.
وخلال شهري تموز وآب، استمرت محاولات التضييق على التلة، بالتوازي مع القصف الجوي والمدفعي وقطع المياه والإمدادات ومراقبة فتحات المنشأة وإحراق الأحراج المحيطة بها، فيما نفذت القوات الإسرائيلية محاولات محدودة للتقدم نحو المداخل. لكن الحصار نفسه لم يتحول إلى حسم، لتنتقل بعدها المعركة إلى السياسة.
علي الطاهر: أكثر من موقع محاصر
مع فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق الحسم العسكري، تحولت التلة إلى ملف تفاوضي متكرر. ففي كل جولة من جولات المفاوضات، يطلُب الجانب الإسرائيلي إنهاء وضعية المنشأة وتسليمها، ملوحاً بالحسم العسكري، لكنه في الواقع لا يبدو مستعداً لدفع كلفة هذا الحسم، عسكرياً وسياسياً.
وهنا تصبح علي الطاهر أكثر من مجرد موقع محاصر. فإذا كان الجيش الإسرائيلي قادراً على حسم المعركة عسكرياً بسهولة، فلماذا تحولت التلة إلى ملف تفاوضي متكرر؟ ولماذا أصبح المطلوب الحصول عليها من طاولة المفاوضات بعدما تعذر الوصول إليها بالطريقة التي أرادتها القوات الإسرائيلية في الميدان؟ ربما لأن ما يجري في علي الطاهر لا يتعلق فقط بمن يقف فوق التلة، بل بمن يستطيع أن يفرض إرادته عليها.
حين يصبح الحصار عاجزاً عن صناعة الحسم
يستطيع الجيش الإسرائيلي أن يحاصر، ويقصف، ويراقب، ويعلن في إعلامه أن نهاية المعركة اقتربت. لكنه لا يستطيع أن يحوّل الإعلان إلى حقيقة بمجرد تكراره. في المقابل، هناك رجال في جوف الصخر يملكون القوة على المواجهة، والقدرة على الصمود أمام العدو الغاشم. وهنا تكمن المفارقة: المسافة بين أعلى التلة وجوف الصخر قد لا تتجاوز أمتاراً، لكنها تحولت إلى مسافة مستحيلة.
ليست المسافة مستحيلة لأن الصخر وحده عميق، بل لأن داخل الصخر مقاومين قرروا أن يكونوا في المكان الذي يريد العدو الوصول إليه، وأن يجعلوا من وجودهم نفسه جزءاً من المعركة. ولهذا، فإن كل ما يقوله الكيان الإسرائيلي عن قرب نهاية المعركة لا يغيّر السؤال الأساسي: ماذا جرى خلال الأسابيع العشرة الماضية؟ جيش كامل يحاصر تلة صغيرة، قوة عسكرية هائلة حاولت التقدم، قوات خاصة وصلت إلى أحد المداخل، محاولة اقتحام انتهت بالانسحاب، ثم حصار طويل، ثم ضغط سياسي. وكل ذلك من أجل موقعٍ كان يفترض، في الحساب العسكري، أن يُحسم بالقوة.
ليست مجرد تفاصيل ميدانية...
إنها ليست مجرد تفاصيل ميدانية، بل صورة عن معنى الصمود. فالمقاوم الموجود في علي الطاهر لا يقاتل فقط كي يمنع دبابة من المرور أو قوة خاصة من الدخول. إنه يقاتل كي يقول إن التفوق العسكري لا يمنح صاحبه تلقائياً حق امتلاك الأرض. وهذا هو الجانب الذي لا تظهره الخرائط.
فحتى لو استطاع الكيان الإسرائيلي، في لحظة ما، أن يصل إلى أعلى التلة أو أن يعلن أنه سيطر عليها، فإن ذلك لا يعني أن علي الطاهر سقطت بالمعنى الذي يريده. لأن علي الطاهر ليست التلة وحدها. علي الطاهر هي الجنوبي الذي بقي في أرضه، هي البيت الذي عاد إليه صاحبه بعد الحرب، هي الطريق الذي يعرفه أهله حتى لو قطعت القوات الإسرائيلية مداخله، هي الشجرة التي بقيت جذورها في التراب، هي الحجر الذي يعرف تاريخ القرية، هي الأم التي تنتظر عودة ابنها، وهي المقاتل الذي يقف في جوف الصخر ويعرف أن المكان الذي يدافع عنه ليس مجرد منشأة عسكرية، بل جزء من أرضٍ يعرفها ويعرف لماذا لا يريد أن يتركها.
من التلة إلى الجنوب
الحديث عن سقوط تلة كما يدّعي نتنياهو لا يكفي للحديث عن سقوط الجنوب. قد تسقط نقطة على الخريطة، لكن الجنوب لا يسقط بسقوط نقطة. وقد يزعم الجيش الإسرائيلي السيطرة على مرتفع، لكن السيطرة على الحجر ليست هي السيطرة على الإنسان. فالاحتلال يستطيع أن يدخل مكاناً، لكنه لا يستطيع أن يجعل المكان ملكاً له بمجرد دخوله.
وهنا تحديداً يصبح اسم علي الطاهر أوسع من جغرافيتها. كل إنسان في الجنوب هو علي الطاهر، كل بيت بقي في أرضه هو علي الطاهر، كل عائلة عادت إلى قريتها هي علي الطاهر، كل شجرة بقيت في مكانها هي علي الطاهر، وكل قلبٍ رفض أن يعتبر الاحتلال أمراً طبيعياً هو علي الطاهر.
الأسابيع العشرة التي كشفت المعادلة
لا ينبغي أن تكون قيمة المعركة في عدد الأمتار التي تمكن الجيش الإسرائيلي من الوصول إليها، ولا في البيانات التي تعلنها قيادته، بل في الحقيقة التي تكشفت خلال الأسابيع الماضية: أن جيشاً بكل تفوقه الناري والاستخباراتي والهندسي لم يستطع أن يحوّل الحصار إلى استسلام، وأن المقاومة، رغم كل الضغط، بقيت قادرة على الدفاع، وعلى منع العدو من تحقيق الحسم الذي يريده.
وربما لهذا السبب تحديداً تحولت علي الطاهر إلى عقدة. لأنها وضعت الجيش الإسرائيلي أمام خيارات صعبة: إما الاعتراف بأن الحسم العسكري ليس بهذه السهولة، وإما دفع كلفة أكبر في معركة قد تتجاوز التلة نفسها وتفتح أبواباً أوسع للمواجهة. وفي خلفية ذلك كله، تبقى التحذيرات الإيرانية حاضرة، مع حديث عن خطوط حمراء مرتبطة بلبنان واحتمال توسع المواجهة إذا تجاوز كيان الإحتلال حدوداً معينة، وهو ما يجعل معركة علي الطاهر جزءاً من مشهد أوسع من مجرد صراع على مرتفع جنوبي.
رجال في قلب الصخر... وجيش حول التلة
لكن وسط كل الحسابات العسكرية والسياسية، يبقى هناك مشهد واحد أكثر قوة من كل التصريحات: رجال في قلب الصخر، وجيش كامل حول التلة، وبينهما باب لم يُفتح، باب صار عنواناً لمعركة أطول من الجغرافيا، باب يقول إن الأرض ليست لمن يصل إليها أولاً، بل لمن يتمسك بها، وباب بقي مغلقاً عشرة أسابيع، ليس لأن الصخر أقوى من الجيش، بل لأن وراء الصخر إرادة لم تستسلم.
لذلك، إذا زعم كيان الإحتلال الإسرائيلي غداً إنه سيطر على علي الطاهر، فلن يكون السؤال: هل وصل إلى القمة؟ السؤال سيكون: ماذا أخذ ؟ تلة؟ صخرة؟ منشأة؟ طريقاً؟ لأنه إذا أخذ كل ذلك، ولم يستطع أن يأخذ إرادة أهل الأرض، فستبقى الحقيقة الأهم كما هي: علي الطاهر ليست تلة، علي الطاهر هو الجنوب حين يقف.
/إنتهى/