«المدينة المحروقة» تبوح بأسرار جديدة.. اكتشاف لعبة ذهنية ومشط عظمي من الألفية الثالثة قبل الميلاد

وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن روح الله شيرازي، رئيس بعثة التنقيب في «المدينة المحروقة»، أعلن اكتشاف مجموعة من اللقى النادرة خلال الموسم الحادي والعشرين من أعمال التنقيب الأثري في الموقع، موضحًا أن العثور على لعبة ذهنية تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، ومشط عظمي يحمل زخارف محفورة، إلى جانب بقايا مواد عضوية، أتاح للباحثين معلومات جديدة عن الحياة الاجتماعية والثقافية والتقنيات التي كان يستخدمها سكان «المدينة المحروقة».

وقال شيرازي، في حديث إلى مراسل وكالة «تسنيم» في زاهدان، إن «المدينة المحروقة» كانت مركزًا لحضارة هيرمند، وتُعد من أهم المواقع الأثرية في إيران والعالم، وتقع على بُعد 56 كيلومترًا جنوب مدينة زابل. واستمرت الحياة في هذه المدينة القديمة، التي تمتد على مساحة 273 هكتارًا، من أواخر الألفية الرابعة وحتى كامل الألفية الثالثة قبل الميلاد، عبر أربع مراحل ثقافية.

وأضاف أن أعمال التنقيب الأثري في الموقع بدأت في مارس/آذار 1968، حيث أُجريت قبل الثورة الإسلامية عشرة مواسم تنقيب برئاسة ماوريتسيو توتسي. وبعد انتصار الثورة الإسلامية وتأسيس منظمة التراث الثقافي، استؤنفت أعمال التنقيب في مرحلة جديدة برئاسة سيد منصور سيدسجادي، واستمرت على مدى 20 موسمًا.

اكتشافات جديدة تكشف جوانب من حياة سكان «المدينة المحروقة»

وأشار شيرازي إلى نتائج أعمال التنقيب السابقة، قائلًا إن الدراسات والتنقيبات التي أُجريت في المناطق السكنية والصناعية والمقبرة في «المدينة المحروقة» وفّرت للمجتمع العلمي معلومات قيّمة عن الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لسكان سهل سيستان، فضلًا عن علاقاتهم الواسعة بمناطق مختلفة من آسيا الوسطى، وسواحل مكران، وعُمان والخليج الفارسي، ووادي السند، وجنوب غربي إيران وبلاد الرافدين.

وأوضح أن الموسم الحادي والعشرين من التنقيبات الأثرية في «المدينة المحروقة» بدأ في 29 يوليو/تموز 2026، بهدف دراسة مختلف جوانب الموقع، وتتركز الأعمال حاليًا في ثلاث مناطق للتنقيب، واحدة في المنطقة السكنية واثنتان ضمن نطاق المقبرة.

وأضاف رئيس بعثة التنقيب أن الحفريات في الجزء الشمالي الشرقي من المنطقة السكنية أسفرت عن تحديد مرحلتين معماريتين، إلى جانب مجموعة من الشواهد المرتبطة بالأنشطة اليومية وبعض الأنشطة الحرفية.

وأوضح أن من بين المكتشفات في هذا الجزء بقايا حيوانية لافتة، وأدوات، ومخلفات حجرية، وتماثيل صغيرة بسيطة وأخرى مزخرفة لحيوانات، فضلًا عن مواقد عُثر عليها داخل المنشآت المعمارية.

وأكد شيرازي أن مجمل هذه الشواهد يشير إلى أنه لا يمكن اعتبار هذا الجزء من «المدينة المحروقة» منطقة صناعية بحتة، بل كان يؤدي، إلى جانب بعض الأنشطة الحرفية، دورًا مهمًا في الحياة اليومية لسكان المدينة.

اكتشاف لعبة ذهنية تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد

وفيما يتعلق بالمكتشفات في مقبرة «المدينة المحروقة»، قال شيرازي إن هذه المنطقة تزخر بلقى متنوعة وذات أهمية كبيرة، من بينها أنماط جديدة من الدفن، وبقايا مواد عضوية، وفخاريات بسيطة ومزخرفة، وأخرى متعددة الألوان.

وأشار إلى أن ما يميز الموسم الحادي والعشرين عن المواسم السابقة هو مجموعة من المكتشفات النادرة والثمينة التي يمكن أن تقدم معلومات جديدة عن حياة سكان «المدينة المحروقة» وثقافتهم وعلاقاتهم الاجتماعية خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد.

ووصف شيرازي اكتشاف نوع مختلف من الألعاب الذهنية التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد بأنه أحد أبرز مكتشفات هذا الموسم، موضحًا أن هذه اللقية يمكن أن تفتح نافذة جديدة على جوانب أقل شهرة من الحياة الاجتماعية ووسائل الترفيه لدى سكان «المدينة المحروقة» في تلك الحقبة.

وأضاف أن اكتشاف هذه اللعبة، إلى جانب الشواهد الأخرى التي عُثر عليها في المقبرة، يؤكد أن الحياة في «المدينة المحروقة» لم تكن تقتصر على الأنشطة المعيشية والإنتاجية وتأمين الاحتياجات الأساسية، بل كانت هذه الجماعة تتمتع بحياة اجتماعية وثقافية معقدة ومتنوعة.

اكتشاف بقايا بيض وقطع نسيج وجلود في «المدينة المحروقة»

ووصف رئيس بعثة التنقيب في «المدينة المحروقة» الأدلة المكتشفة على المواد العضوية بأنها من بين الاستثنائية في هذا الموسم، قائلًا إن أعمال التنقيب أسفرت عن العثور على أدلة لمواد من بينها البيض، وبقايا منسوجات وجلود، وهي مكتشفات تتمتع بأهمية خاصة من الناحية الأثرية.

وأوضح شيرازي أن المواد العضوية في المواقع الأثرية تتعرض عادة للتلف والزوال بفعل الظروف البيئية والعمليات الطبيعية ومرور الزمن، ولذلك فإن الحفاظ عليها يوفر فرصة نادرة لدراسة أساليب الحياة والتقنيات والاقتصاد وأنماط الاستهلاك لدى المجتمعات القديمة بصورة مباشرة.

كما أعلن اكتشاف مشط عظمي يحمل زخارف محفورة، باعتباره أحد المكتشفات المهمة في الموسم الحادي والعشرين، موضحًا أن هذا المشط لا نظير له حتى الآن في هذه المنطقة، بينما أُبلغ عن نماذج مشابهة له في بعض المواقع الأثرية بآسيا الوسطى فقط.

ماذا يكشف المشط العظمي غير المسبوق؟

وأكد رئيس بعثة التنقيب في «المدينة المحروقة» أن المشط العظمي والزخارف المحفورة عليه يمكن أن يشكلا موضوعًا مهمًا للدراسات المتخصصة ومتعددة التخصصات مستقبلًا، لما يمكن أن يقدماه من معلومات عن الفن، وتقنيات التصنيع، وأساليب الزخرفة، والعناية بالشعر، فضلًا عن العلاقات الثقافية والاجتماعية لسكان «المدينة المحروقة».

وشدد شيرازي على ضرورة مواصلة الدراسات والأبحاث الأثرية في الموقع، قائلًا إن استمرار أعمال التنقيب يمكن أن يكشف المزيد من الجوانب المجهولة لهذه الحضارة، التي تحمل شواهد على مسار الانتقال من نمط حياة ريفية محدودة إلى نشوء مدينة واسعة ومنظمة ومعقدة.

وأضاف أن أهمية «المدينة المحروقة» لا تقتصر على قدمها التاريخي، بل تتيح دراسة واحدة من أهم تجارب نشوء المدن في الألفية الثالثة قبل الميلاد، مشيرًا إلى أن كل موسم جديد من أعمال التنقيب يمكن أن يكشف جانبًا جديدًا من قصة حياة الإنسان في تلك الحقبة التاريخية أمام المجتمع العلمي.

دراسات الحمض النووي والكربون 14 ضمن برنامج الباحثين

وأشار رئيس بعثة التنقيب في «المدينة المحروقة» إلى إجراء دراسات متعددة التخصصات خلال الموسم الحادي والعشرين، موضحًا أن مجموعة من الدراسات المتخصصة أُدرجت ضمن برنامج العمل، من بينها أخذ عينات بتقنية التأريخ بالتلألؤ المحفَّز بصريًا (OSL)، وأخذ عينات لتأريخ المواد العضوية في المنطقة السكنية والمقبرة باستخدام الكربون 14، إلى جانب الدراسات الأنثروبولوجية، وأخذ عينات لإجراء تحاليل الحمض النووي القديم ودراسة الأمراض والإصابات القديمة لدى البشر استنادًا إلى بقايا العظام.

وقال شيرازي إن دمج البيانات المستخلصة من أعمال التنقيب الأثري مع نتائج الدراسات متعددة التخصصات يمكن أن يسهم في إعادة بناء أكثر دقة لمختلف جوانب حياة سكان «المدينة المحروقة»، وعلاقاتهم الاجتماعية، وأنماط معيشتهم، وتقنياتهم، وحالتهم الصحية، وروابطهم الثقافية.

وأكد أن نتائج هذه الدراسات يمكن أن تسهم بصورة أكبر في إبراز مكانة «المدينة المحروقة» بوصفها أحد المصادر الرئيسية لفهم الحضارات الحضرية في الألفية الثالثة قبل الميلاد.

/انتهى/