وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأنه في زاوية من أقدم مدن إيران، حيث تهب الرياح من سفوح جبل الوند على الأزقة التاريخية، ويردد تراب المدينة وحجارتها أصداء حضارة امتدت لآلاف السنين، يرقد تمثال مهيب وصامت. أسد لم يعد يزأر أو يحرس بوابات المدينة، لكن هيبته ما زالت تعبر القرون وتلفت أنظار كل من يمر بجواره.
ولا يُعد الأسد الحجري مجرد تمثال منحوت في الصخر، بل هو رواية محفورة في قلب التاريخ، وبقايا من زمن كانت فيه هكمتانة، العاصمة القديمة للميديين، تتزين ببوابات شامخة تحرسها الأسود الحجرية. واليوم أصبح هذا الأثر واحداً من أهم معالم الجذب السياحي في همدان ورمزاً لهويتها التاريخية وذاكرتها الجماعية.
ويقع التمثال في نهاية شارع «الأسد الحجري» وسط ساحة مربعة تحمل الاسم نفسه. وقد نُحت من حجر بني اللون، ويتميز بجسم عضلي ممدود وصدر عريض ورأس كبير. ويبلغ طوله نحو 2.5 متر، وعرضه 1.15 متر، وارتفاعه أكثر من 1.20 متر. ورغم ما تعرض له من أضرار عبر الزمن، فإن ملامح القوة والعظمة لا تزال واضحة في هيئته.

من بوابة المدينة إلى ساحة الأسد الحجري
قبل أكثر من ألفي عام، كان هذا الأسد يقف إلى جانب تمثال مماثل عند إحدى البوابات الرئيسية لمدينة همدان. وبسبب وجود هذين التمثالين أطلق العرب عند فتح المدينة على تلك البوابة اسم «باب الأسد».
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الأسدين لم يكونا مجرد عنصرين للزينة، بل كانا يرمزان إلى القوة والأمن وحماية المدينة. وقد احتل الأسد الحجري مكانة خاصة في وجدان أهالي همدان باعتباره حارساً للمدينة ورمزاً لمنعتها.
لكن مصير التمثالين تغير في القرن الرابع الهجري، عندما استولى الديلم على همدان سنة 319 هـ. فتعرضت بوابة المدينة والأسود الحجرية للتخريب. وحاول مرداويج الديلمي نقل أحد التمثالين إلى مدينة الري، إلا أن ثقله حال دون ذلك، فتم تدمير أحدهما بالكامل، فيما تعرض الآخر لأضرار جسيمة شملت كسر مخالبه وتشويه أجزاء من هيكله.

روايات تاريخية وأساطير حول صانعه
أحاطت بالأسد الحجري عبر القرون العديد من الروايات والأساطير. فقد ذكره ابن الفقيه الهمداني في كتاباته بوصفه إحدى عجائب همدان، ونسب صنعه إلى «بليناس الرومي»، الذي يرى بعض الباحثين أنه الفيلسوف والعالم الشهير أبولونيوس التياني.
وتروي إحدى الحكايات أن بليناس صنع التمثال بأمر من الملك الساساني قباذ لمواجهة برد همدان القارس وتساقط الثلوج الكثيف، ووضعه عند مدخل المدينة كطلسم يخفف من قسوة الشتاء. ورغم الطابع الأسطوري لهذه الرواية، فإنها تعكس المكانة الخاصة التي احتلها الأسد الحجري في المخيال الشعبي.
أما بشأن الحقبة التي يعود إليها التمثال، فتتباين آراء الباحثين؛ إذ يرى بعضهم، مثل لوكهارت وهرتسفلد وفاندنبرغ، أنه يعود إلى العصر الأشكاني، بينما يرجح آخرون، من بينهم فلاندن وجاكسون وليدشمن، أن جذوره تعود إلى العصر الميدي، ما يزيد من قيمته التاريخية والبحثية.

إحياء الأثر في العصر الحديث
ظل التمثال مهملاً ومطروحاً على الأرض حتى عام 1949، حين أدرك المعماري الإيراني البارز هوشنغ سيحون، مصمم ضريح ابن سينا، أهميته التاريخية، فأعاد نصبه على قاعدة في موقعه الحالي، ليصبح مجدداً أحد أبرز معالم المدينة.
وفي عام 1951، أقدم بعض الأشخاص على تحطيم جزء من صدر التمثال أملاً في العثور على كنز مخبأ داخله، إلا أن السلطات ألقت القبض عليهم، وتم ترميم الأجزاء المتضررة لاحقاً.

الأسد الحجري في الذاكرة الشعبية
لا تكمن قيمة الأسد الحجري في تاريخه العريق فحسب، بل أيضاً في ارتباطه الوثيق بالمعتقدات الشعبية. فقد اعتقدت أجيال متعاقبة من أهالي همدان أن لهذا الأسد قدرات خارقة، وأنه قادر على تحقيق الأمنيات والتوسط بين البشر والقوى الغيبية.
وكان من العادات الشعبية القديمة أن يقوم الناس بسكب الزيت أو الدبس على التمثال، ووضع الحصى الصغيرة في تجاويفه أملاً في تحقيق رغباتهم، وهو ما يعكس حضوره العميق في الثقافة الشعبية والذاكرة الروحية لسكان المدينة.

شاهد حي على تاريخ إيران
يجلس الأسد الحجري اليوم وسط همدان كشيخ وقور وصامت، شهد قروناً من الحروب والدمار والأساطير والتحولات التاريخية، لكنه ظل صامداً في مكانه. ويُعد هذا التمثال من أندر الشواهد الباقية على عمق التاريخ الإيراني، ومن أبرز الرموز التي تربط حاضر همدان بماضي هكمتانة المجيد.
إن زيارة الأسد الحجري ليست مجرد مشاهدة لتمثال أثري، بل هي رحلة قصيرة عبر أكثر من ألفي عام من التاريخ والأسطورة والهوية، في مدينة ما زالت تهمس بأمجادها القديمة تحت ظلال جبل الوند.

/انتهى/