من «سفير» إلى «سرير».. مسار تطور مركبات الإطلاق الفضائية الإيرانية
- الأخبار تکنولوجیا الفضاء
- 2026/08/24 - 19:30
وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأنه يُنظر إلى امتلاك قدرات إطلاق مستقلة بوصفه أحد أهم مرتكزات السيادة الفضائية، إذ تمثل مركبات الإطلاق الحلقة الأساسية في منظومة التكنولوجيا الفضائية، وتمنح الدول القدرة على وضع أقمارها الصناعية في المدار بعيداً عن الاعتماد على الجهات الخارجية.
تحول في الاستراتيجية الفضائية
وتشير التصريحات الأخيرة لرئيس منظمة الفضاء الإيرانية حسن سالارية إلى تحول نوعي في البرنامج الفضائي للبلاد، يتمثل في الانتقال من مرحلة اختبار التقنيات إلى مرحلة التثبيت التشغيلي وبناء المنظومات الفضائية المتكاملة.
وأكد سالارية أن مركبتي الإطلاق «سيمرغ» و«قائم 100» حققتا مستوى من الاعتمادية يسمح باستخدامهما في إطلاق الحمولات الحكومية والخاصة الحساسة. كما أشار إلى خطط تطوير تقنية الإطلاق المتعدد للأقمار الصناعية ضمن مهمة واحدة، وهي خطوة تعد ضرورية لإنشاء منظومات الأقمار الصناعية واسعة النطاق.
الاقتصاد الرقمي والبيانات الفضائية
ويرى المسؤولون الإيرانيون أن تطوير مركبات الإطلاق لا يقتصر على البعد التقني، بل يشكل ركيزة لدعم الاقتصاد الرقمي. فإطلاق أقمار الاستشعار عن بعد يتيح إنتاج بيانات يمكن الاستفادة منها في مجالات إدارة الموارد المائية، ومراقبة النشاط الزراعي، والتنبؤ بالكوارث الطبيعية، واستكشاف الثروات المعدنية، بما يحقق عوائد اقتصادية كبيرة مقارنة بحجم الاستثمارات الأولية.
الوصول إلى المدار الجغرافي الثابت
وتولي الاستراتيجية الفضائية الإيرانية أهمية خاصة للوجود في المدار الجغرافي الثابت (GEO) على ارتفاع نحو 36 ألف كيلومتر، نظراً لما يوفره من مزايا في مجال الاتصالات والخدمات الفضائية. وترى طهران أن الحفاظ على حقوقها المدارية يتطلب تسريع تطوير الحاملات الفضائية الثقيلة ومنظومات النقل المداري القادرة على إيصال الأقمار إلى هذه المدارات.
التوجه نحو الإطلاق الجوي
كما تشمل الخطط المستقبلية تطوير أنظمة الإطلاق الجوي، التي تعتمد على حمل الصاروخ بواسطة طائرة إلى طبقات الجو العليا قبل إطلاقه. وتتيح هذه التقنية مرونة أكبر في اختيار المدارات وتقليل الاعتماد على منصات الإطلاق الثابتة، فضلاً عن تحسين القدرة على نشر الأقمار الصناعية في زوايا مدارية متنوعة.
«سفير».. البداية
يُعد «سفير-1» أول صاروخ حامل للأقمار الصناعية في إيران، وقد نجح عام 2009 في وضع القمر الصناعي «أميد» في المدار، لتصبح إيران بذلك من الدول القليلة القادرة على إطلاق أقمارها الصناعية محلياً. وكان الصاروخ ثنائي المراحل وقادراً على حمل حمولة تزن نحو 50 كيلوغراماً إلى المدار الأرضي المنخفض.
«سيمرغ».. الانتقال إلى الفئة المتوسطة
مثّل «سيمرغ» خطوة استراتيجية نحو زيادة قدرات الإطلاق، إذ صُمم لنقل أقمار أثقل إلى مدارات أعلى. ويبلغ ارتفاعه 27 متراً ووزنه عند الإطلاق 87 طناً. وبعد سلسلة من الاختبارات والتعديلات الهندسية، تمكن في عام 2024 من إطلاق ثلاثة أقمار صناعية دفعة واحدة، ما أكد دخوله مرحلة التشغيل الفعلي.
ومن المقرر أن تتمكن النسخة المطورة «سيمرغ المحسن» من حمل ما يصل إلى 500 كيلوغرام إلى مدار بارتفاع 500 كيلومتر.
«ذوالجناح» و«قائم».. ثورة الوقود الصلب
في موازاة ذلك، طورت إيران جيلاً جديداً من الحاملات الفضائية يعتمد على الوقود الصلب، لما يتميز به من سرعة التجهيز وسهولة التخزين والجاهزية التشغيلية العالية. ويأتي «ذوالجناح» في مقدمة هذه المشاريع، بصفته حاملاً فضائياً ثلاثي المراحل يجمع بين الوقود الصلب والسائل، وقادراً على نقل حمولات تتراوح بين 200 و220 كيلوغراماً إلى مدار بارتفاع 500 كيلومتر.
أما عائلة «قائم» التي تطورها قوات الجوفضاء التابعة للحرس الثوري، فتستند إلى مفهوم الإطلاق السريع ومنخفض التكلفة. وبدأت هذه السلسلة بالحامل «قاصد» الذي نجح في وضع أقمار «نور» العسكرية في المدار، قبل أن يتطور إلى «قائم 100» العامل بالكامل بالوقود الصلب، والقادر على إيصال حمولة تزن 80 كيلوغراماً إلى مدار بارتفاع 750 كيلومتراً.
كما يجري العمل على «قائم 105» و«قائم 120»، اللذين يستهدفان زيادة الحمولة والوصول إلى المدارات العليا، بما في ذلك المدار الجغرافي الثابت.
«سرير» و«سروش».. نحو الحاملات الثقيلة
وفي إطار خططها المستقبلية، تطور إيران الحامل الفضائي الثقيل «سرير»، الذي يوصف بأنه نقلة نوعية في الصناعة الفضائية الوطنية. ويبلغ ارتفاعه 35 متراً وقطره 4.5 أمتار، مع قدرة على حمل نحو 1.5 طن إلى المدار الأرضي المنخفض. كما يُنتظر أن يكون قادراً على إطلاق عدة أقمار صناعية في مهمة واحدة أو إرسال أقمار مستقلة إلى المدار الجغرافي الثابت.
أما مشروع «سروش»، فيمثل المرحلة الأكثر تقدماً، إذ يستهدف نقل حمولات تتراوح بين 6 و15 طناً باستخدام محركات كريوجينية تعتمد على الهيدروجين والأكسجين السائلين، وهي تقنية تعد من أكثر تقنيات الدفع الفضائي تطوراً، وقد تفتح المجال مستقبلاً أمام الرحلات المأهولة والبعثات الاستكشافية البعيدة.
منظومات النقل المداري
وتولي إيران اهتماماً متزايداً لما يعرف بـ«وحدات النقل المداري»، وهي أنظمة تتولى بعد عملية الإطلاق نقل الأقمار الصناعية من المدار الأولي إلى مداراتها النهائية أو توزيع عدد من الأقمار داخل المدار نفسه. وتُعد هذه التقنية أساسية لإنشاء المنظومات الفضائية الكبيرة والوصول إلى المدار الجغرافي الثابت بكفاءة أعلى.
آفاق المرحلة المقبلة
ويرى خبراء ومسؤولون في قطاع الفضاء الإيراني أن نجاح مشاريع الإطلاق الجديدة سيمنح البلاد استقلالية أكبر في الوصول إلى الفضاء، ويخفض تكاليف إطلاق الأقمار الصناعية، ويعزز دور الشركات المحلية العاملة في الصناعات الفضائية. كما يمكن أن يفتح الباب أمام تقديم خدمات الإطلاق لدول أخرى مستقبلاً، بما يعزز الحضور الإيراني في سوق الفضاء العالمية.
باتت إيران على أعتاب مرحلة جديدة من برنامجها الفضائي، تقوم على تطوير متوازٍ للحاملات الثقيلة والأنظمة العاملة بالوقود الصلب وتقنيات النقل المداري، بهدف تعزيز حضورها في الاقتصاد الفضائي العالمي وترسيخ قدراتها المستقلة في الوصول إلى الفضاء.
/انتهى/