لا بقاء دون عدو: عندما يصنع الكيان الإسرائيلي خصمه عقيدة لضمان وجوده
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/08/24 - 14:38
أمل شبيب
فمن فلسطين إلى لبنان وإيران وتركيا، تتبدل الأسماء لكن الوظيفة تبقى واحدة: إبقاء حالة الحرب دائمة، لأن السلام يعني فقدان العدو الذي يبرر وجود الكيان وهويته الأمنية.
حين يصبح وجود العدو جزءاً من وظيفة "الدولة"
ليس أخطر ما في الحرب أن يكون لها عدو، بل أن يصبح وجود "العدو" شرطاً لبقاء الكيان نفسه، وأن تتحول الحاجة إلى الخطر من استجابة لتهديد خارجي إلى جزء من بنية الكيان وهويته الأمنية والسياسية. عندها لا يعود السؤال: من يهددنا؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ماذا يحدث لو لم يعد هناك عدو؟
هنا تبدأ واحدة من أكثر المفارقات قسوة في المشروع الصهيوني والكيان الإسرائيلي: مشروع قدّم نفسه بوصفه مشروعاً لإنهاء الشتات والخوف والاقتلاع والاضطهاد، وبناء "وطن" آمن ومستقر، لكنه لم ينجح في التخلص من هاجس الخوف من الزوال؛ بل يبدو أن هذا الهاجس انتقل معه من الشتات إلى الكيان، ومن الذاكرة إلى العقيدة الأمنية، ومن الخوف من الآخر إلى صناعة الآخر بوصفه خطراً دائماً.
كأن المشروع الذي أراد أن ينهي الشتات حمل معه خوف الشتات إلى ما يسميه "الدولة"، وكأن القلق الذي كان يفترض أن ينتهي بقيام "الوطن" تحول إلى جزء من تعريف هذا "الوطن" لنفسه: نحن محاصرون، نحن مهددون، نحن مستهدفون، وهم يريدون إزالتنا.
ومن هنا يمكن فهم جانب أساسي من السلوك الإسرائيلي خلال العقود الماضية: الخصم لا يبقى دائماً خصماً موجوداً، بل يمكن أن يتحول إلى صناعة سياسية وأمنية متواصلة؛ كلما تراجع خصم، جرى البحث عن خطر آخر، وكلما هدأت جبهة، ظهرت جبهة محتملة، وكلما خفت صوت الحرب، ارتفع صوت التحذير من الحرب المقبلة.
وهنا لا نتحدث عن إنكار وجود خصومات حقيقية أو مخاطر حقيقية في المنطقة، ولا عن أن كل تهديد في الخطاب الإسرائيلي مختلق. المسألة أعمق: كيف يتحول الخلاف إلى تهديد، والتهديد إلى خطر وجودي، والخطر الوجودي إلى ضرورة دائمة للقوة والحرب؟
لأن الكيان الذي يحتاج إلى عدو دائم كي يثبت أنه آمن، يكشف في الحقيقة أن الأمن الذي يتحدث عنه لم يتحقق.
والكيان الذي يملك واحداً من أكثر الجيوش تطوراً في المنطقة، ويستند إلى تفوق عسكري واستخباري هائل، ويحتاج باستمرار إلى إعادة رسم خريطة الأعداء من حوله، يكشف مفارقة لا يمكن تجاهلها: قد تكون القوة العسكرية هائلة، بينما يبقى الإحساس بالوجود هشاً.
من هاجس الوجود إلى صناعة الخصم
منذ بدايات المشروع الصهيوني، ارتبطت فكرة "الدولة" بفكرة الخلاص من الشتات والخوف والاضطهاد. كان الوعد المركزي هو بناء مكان آمن لا يستطيع الآخرون اقتلاع اليهود منه كما حدث في مراحل تاريخية مختلفة.
لكن المفارقة تبدأ عندما تتحول الذاكرة التاريخية للخوف إلى عقيدة سياسية دائمة.
فبدلاً من أن يصبح قيام "الدولة" نهاية لحالة الطوارئ، قد تتحول حالة الطوارئ إلى جزء من طبيعة "الدولة" نفسها. وهنا يصبح "الخطر" أكثر من خطر خارجي؛ يصبح وسيلة لتعريف الداخل.
المجتمع يحتاج إلى أن يشعر بأنه مهدد كي تتوحد صفوفه حول فكرة الأمن، والقيادة تحتاج إلى الخطر كي تبرر قراراتها الاستثنائية، والمؤسسة العسكرية تحتاج إلى التهديد كي تبرر استمرار التعبئة والإنفاق والاستعداد، والسياسة تحتاج إلى العدو كي تؤجل الأسئلة التي يصعب الإجابة عنها في زمن السلام.
ومن هنا يصبح العدو وظيفة، ليس بمعنى أن كل عدو وهم، بل بمعنى أن وجود العدو يؤدي وظيفة تتجاوز وجوده الواقعي؛ فالعدو يفسر الخوف، والخوف يفسر السلاح، والسلاح يفسر الحرب، والحرب تعيد إنتاج الخوف، وهكذا تغلق الدائرة على نفسها، وهذا هو المكان الذي تبدأ فيه "صناعة الخصم".
عندما يصبح الخصم ضرورة لا وجوداً
الخصم الطبيعي هو طرف موجود في المعادلة السياسية، يمكن الاختلاف معه أو التفاوض حول المصالح المتعارضة معه، بل وحتى ردعه أو الوصول معه إلى تسوية.
أما حين تتحول صناعة الخصم إلى جزء من العقيدة الأمنية، فإن الأمر يتجاوز وجود العدو نفسه؛ إذ لا يكفي أن يكون الخصم موجوداً، بل يجب أن يُقدَّم بوصفه خطراً، ثم خطراً محتملاً في المستقبل، ثم تهديداً وجودياً لا يمكن التعايش معه. عندها لا يعود الاحتمال مجرد احتمال، بل يتحول إلى مبرر للتحرك قبل وقوع الخطر، ويصبح المستقبل نفسه ساحة للصراع.
فقد لا تكون هناك مواجهة مباشرة مع قوة إقليمية، لكن مجرد احتمال اتساع نفوذها أو تغير موقعها في موازين القوى يكفي لإدخالها في الحساب الأمني، وكأن المطلوب ليس حماية الحدود فحسب، بل التحكم مسبقاً في شكل المنطقة ومن يُسمح له بأن يصبح قوياً فيها.
ومن هنا تتسع دائرة التهديد: قوة تتعاظم في لبنان، قوة إيرانية يتسع نفوذها، موازين تتغير في سوريا، أو قوة إقليمية جديدة تملك القدرة على التأثير في المشهد؛ وكلها يمكن أن تنتقل، في لحظة، من خانة المنافس أو الطرف المختلف إلى خانة "التهديد المحتمل".
وهذه الآلية لا تجعل الاستقرار أكثر أمناً، بل تجعله أكثر هشاشة، لأنها تنظر إلى استقلال الآخرين وتطور قدراتهم بوصفهما مصادر خطر بحد ذاتهما. وحين يصبح احتمال أن تصبح قوة ما أكثر نفوذاً سبباً لضربها قبل أن تتحول إلى خطر فعلي، فإن الحرب تفقد صفتها الدفاعية وتتحول إلى محاولة لفرض شكل المستقبل بالقوة؛ أي أن الكيان لا ينتظر الخطر كي يواجهه، بل يبدأ بمواجهة ما يخشى أن يصبح خطراً، وفي هذه اللحظة تحديداً تصبح صناعة الخصم جزءاً من صناعة الحرب نفسها.
فلسطين.. البداية التي لم تُغلق
فلسطين هي العقدة التي لم يستطع المشروع الصهيوني إغلاقها.
فقيام الكيان لم ينهِ القضية الفلسطينية، بل قام تاريخياً على أرض كان يعيش عليها شعب فلسطيني، وما رافق ذلك من اقتلاع وتهجير ومصادرة للأرض وتحويل الصراع على الأرض إلى صراع وجود. ومنذ ذلك الوقت، بقي الفلسطيني حاضراً في قلب المعادلة، لا بوصفه مجرد خصم عسكري، بل باعتباره السؤال الذي لم يجد المشروع الصهيوني حلاً له.
وهنا تكمن المفارقة.
كلما حاول الكيان أن يحول القضية الفلسطينية من قضية شعب وحقوق وأرض إلى قضية أمن، عاد الواقع نفسه ليذكّره بأن الأمن لا يلغي السياسة.
يمكن بناء الجدران، يمكن تشديد الحصار، يمكن تطوير منظومات الاعتراض، يمكن توسيع أجهزة الاستخبارات، يمكن شن الحروب، لكن لا يمكن إلغاء القضية بمجرد إعادة تعريفها أمنياً.
وعندما يتحول الفلسطيني من صاحب قضية إلى "تهديد"، يصبح من السهل تبرير الإجراءات الاستثنائية بحقه، وحين يصبح قطاع غزة "تهديداً"، يمكن أن تتحول غزة كلها إلى ملف أمني.
طوفان الأقصى.. لحظة انكشاف القلق
كان طوفان الأقصى أكثر من حدث عسكري بالنسبة إلى الكيان الإسرائيلي؛ لقد أصاب الصورة التي بناها عن نفسه.
كيان يقدّم نفسه باعتباره الأكثر تفوقاً استخبارياً وعسكرياً، والأكثر قدرة على مراقبة محيطه، والأكثر استعداداً لأي اختراق، وجد نفسه أمام صدمة أعادت إلى السطح سؤالاً حاول طويلاً أن يدفنه تحت طبقات القوة: هل يمكن للتفوق العسكري أن يصنع شعوراً دائماً بالأمان؟
وهنا ظهر القلق في أوضح صوره. لم يكن الرد مجرد محاولة لاستعادة السيطرة على جبهة محددة، بل اتسع تعريف الحرب وأهدافها، واتسعت معها دائرة الخطر.
غزة لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها مصدر هجوم، بل باعتبارها بيئة يجب إعادة تشكيلها.
والمقاومة لم تعد مجرد قوة مسلحة، بل أصبحت في الخطاب الأمني منظومة يجب منعها من إعادة إنتاج نفسها.
وفجأة ظهرت المسافة بين القوة العسكرية والشعور بالأمان، وهي المسافة التي تكشف جوهر الهشاشة. فالهشاشة لا تعني بالضرورة ضعفاً عسكرياً؛ إذ يمكن لكيان أن يمتلك ترسانة هائلة وتفوقاً استخبارياً وقدرات عسكرية متقدمة، وأن يبقى في الوقت نفسه هشاً في تعريفه لذاته وفي علاقته بمحيطه.
قد يمتلك جيشاً قوياً لكنه يعيش هاجس الخطر من كل اتجاه، وقد يمتلك سلاحاً متقدماً لكنه يحتاج إلى الحرب كي يعيد إلى مجتمعه الإحساس بأنه ما زال آمناً. وهذا هو جوهر الهشاشة التي كشفها طوفان الأقصى: القوة لا تلغي القلق، والتفوق لا يلغي الخوف.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً: إذا كان الكيان يمتلك كل هذه القوة، فلماذا يحتاج إلى تدمير البيئة المحيطة بالخصم كي يشعر بالأمان؟
الجواب يقودنا إلى جوهر "صناعة الخصم".
حين لا يكفي القضاء على المقاتل، يصبح المجتمع نفسه جزءاً من تعريف الخطر؛ وحين لا يكفي تدمير السلاح، يصبح المستقبل الذي قد يعيد إنتاج السلاح هدفاً أيضاً.
لكن هنا تظهر المفارقة التي تهدد المنطق كله: قد تستطيع القوة العسكرية تدمير المباني، لكنها لا تستطيع بالضرورة تدمير الأسباب التي تنتج المقاومة. وقد تستطيع إزالة موقع، لكنها لا تستطيع إزالة الذاكرة. وقد تستطيع فرض الهدوء بالقوة، لكنها لا تستطيع بالضرورة صناعة السلام.
وهكذا يمكن للحرب أن تنجح في تدمير الخصم عسكرياً، لكنها تفشل في القضاء على الأسباب التي تعيد إنتاج الخصومة.
لبنان.. كلما اتسع الخصم اتسعت الحرب
في لبنان، اتخذت صناعة الخصم مساراً آخر.
بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بقيت المقاومة في قلب الخطاب الأمني الإسرائيلي، ثم تصاعد هذا الخطاب بعد حرب تموز 2006، بحيث لم يعد حزب الله يُقدَّم فقط باعتباره قوة مسلحة على الحدود، بل باعتباره جزءاً من شبكة إقليمية أوسع مرتبطة بإيران.
وهنا اتسعت صورة العدو. لم يعد السؤال: أين سلاح المقاومة؟ بل: أين البيئة التي تسمح لها بالبقاء؟ أين الجغرافيا؟ أين البنية؟ أين العلاقات؟ أين المجتمع؟ أين مصادر التمويل؟ أين الحلفاء؟
وهكذا تحولت المقاومة من هدف عسكري محدد إلى منظومة كاملة. وهذا التحول مهم جداً، لأنه يكشف كيف تعمل صناعة الخصم: كلما اتسع تعريف الخصم، اتسعت مساحة الحرب.
وحين يصبح الخصم منظومة، يصبح كل ما يحيط به قابلاً للدخول في الحساب العسكري.
وهنا يصبح الكيان أمام مشكلة أخرى: كلما وسّع دائرة الأهداف، وسّع في الوقت نفسه دائرة الخصومة. وكلما وسّع دائرة الخصومة، أصبح بحاجة إلى قوة أكبر. وكلما احتاج إلى قوة أكبر، أصبح أكثر اعتماداً على الحرب.
وهكذا لا تعود صناعة الخصم مجرد وسيلة لتبرير الحرب؛ تصبح الحرب نفسها أداة لإنتاج خصوم جدد.
إيران.. حين يصبح العدو أكبر من الحدود
مع إيران، انتقل تعريف الخصم إلى مستوى أكثر اتساعاً.
لم تعد طهران مجرد دولة تختلف مع الكيان الإسرائيلي سياسياً، بل أصبحت في الخطاب الأمني الإسرائيلي عنواناً جامعاً لمجموعة كبيرة من المخاطر: البرنامج النووي، الصواريخ، النفوذ الإقليمي، دعم قوى المقاومة، والعلاقات مع أطراف متعددة في المنطقة.
وبذلك لم تعد إيران خصماً واحداً. أصبحت "منظومة تهديد". وهذا النوع من الخصوم أخطر في العقيدة الأمنية، لأنه لا يمكن القضاء عليه بضربة واحدة. فالدولة يمكن ضرب منشأة فيها.
لكن ماذا تفعل بشبكة نفوذ؟ كيف تقضي على فكرة؟ كيف تمنع حليفاً من التحالف مع حليف آخر؟ كيف تمنع دولة من إعادة بناء قدراتها؟ كيف تمنع قوة إقليمية من استعادة نفوذها؟
هنا يصبح "التهديد" مستداماً بحكم تعريفه. وإذا كان التهديد مستداماً، تصبح الحرب قابلة للاستمرار.
وهكذا تتحول إيران من دولة في الحساب الجيوسياسي إلى عنوان دائم للخطر. لكن المفارقة أن تضخيم صورة الخصم لا يؤدي بالضرورة إلى القضاء عليه، بل قد يمنحه مكانة أكبر.
فكلما ارتفعت إيران في الخطاب الإسرائيلي إلى مستوى "العدو الأكبر"، ارتفعت أيضاً أهميتها في الحسابات الإقليمية باعتبارها قوة مركزية في الصراع.
شاحاك.. الخوف الذي يُنتج السياسة
من هنا يصبح استدعاء الناقد الإسرائيلي "إسرائيل شاحاك" مهماً، ليس باعتباره صاحب الإجابة النهائية، بل باعتباره صوتاً نقدياً من الداخل الإسرائيلي حاول أن يقرأ ما وراء الخطاب الرسمي.
ففي كتابه "أسرار مفتوحة"، ركز شاحاك على قراءة السياسة الخارجية والاستراتيجية الإسرائيلية من خلال ما كان يظهر في الصحافة والنقاش الإسرائيلي الداخلي، محاولاً تفكيك المسافة بين الصورة التي يقدمها الكيان الإسرائيلي عن نفسه وما تكشفه مصادره الداخلية.
وتكمن أهمية هذه القراءة في السؤال الذي تتركه وراءها: ماذا لو لم يكن الخوف مجرد نتيجة للصراع، بل أصبح جزءاً من طريقة إدارة الصراع؟
هنا تتغير الصورة. فالخوف من الخارج يمكن أن يوحّد الداخل، ويمكن أن يرفع مكانة المؤسسة العسكرية، ويمكن أن يمنح القيادة السياسية شرعية أمنية، ويمكن أن يؤجل النقاش حول الاحتلال والاستيطان والحقوق الفلسطينية، ويمكن أن يحول السياسة من البحث عن التسوية إلى البحث عن كيفية إدارة الخطر.
ومن هنا لا يصبح السلام بالضرورة نقيضاً للحرب إذا بقيت بنية الخوف كما هي.
فالسلام الحقيقي يجب أن يقلل الحاجة إلى القوة. أما السلام الذي يتعايش مع إعادة إنتاج الخطر، فقد يتحول إلى مجرد فترة فاصلة بين جولتين.
وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات إيلاماً للمشروع الذي يرفع شعار "الأمن".
إذا كان السلام لا يستطيع أن يلغي الحاجة إلى العدو، فما الذي يبقى من معنى السلام؟
من إيران إلى تركيا.. حين تتسع دائرة القلق
وهنا نصل إلى تركيا.
ليس لأن مواجهة الكيان الإسرائيلي وتركيا حتمية، وليس لأن تركيا أصبحت "إيران جديدة" بالمعنى الحرفي، بل لأن دخولها المتزايد إلى الحسابات الأمنية الإسرائيلية يكشف شيئاً أهم من طبيعة الخلاف نفسه. يكشف قابلية خريطة الخصوم للتوسع.
فبعد سنوات طويلة احتلت فيها إيران موقعاً مركزياً في الخطاب الإسرائيلي عن الخطر الإقليمي، بدأت تركيا تظهر بصورة متزايدة بوصفها تحدياً استراتيجياً صاعداً، خصوصاً مع تغير موازين القوى في سوريا.
والأحداث الأخيرة في سوريا جعلت هذا التنافس أكثر وضوحاً، مع الضربة الإسرائيلية لـ"قاعدة أبو الظهور" وما رافقها من اتهامات إسرائيلية بشأن توسع عسكري تركي محتمل، مقابل نفي تركي وسوري لهذه الرواية، ثم تحرك أمريكي لاحتواء التوتر ومنع تحوله إلى مواجهة أوسع.
وهنا يجب ألا يكون السؤال: هل ستندلع حرب إسرائيلية ـ تركية؟
السؤال الأدق هو: كيف تنتقل دولة من موقع الخصم السياسي إلى موقع التهديد الأمني؟
الخلاف السياسي يمكن احتواؤه، والمنافسة يمكن التفاوض حولها، أما "التهديد الاستراتيجي" فيحتاج إلى مراقبة وردع وخطوط حمراء واستعداد عسكري.
وهكذا يمكن أن يبدأ الخصم الجديد قبل أن تبدأ الحرب الجديدة؛ قد يبدأ في تقرير، ثم في تصريح، ثم في تحذير، ثم في "خط أحمر"، ثم في ضربة تقول إنها تهدف إلى منع خطر لم يقع بعد.
وهنا تصبح المفارقة واضحة: يمكن أن تبدأ الحرب من الخوف من حرب لم تقع.
صناعة الخصم لا تقوّي الكيان دائماً
هنا نصل إلى مفارقة غالباً ما تُغفل في قراءة "القوة الإسرائيلية": قد تبدو صناعة العدو، من الخارج، مصدراً لقوة الكيان، فهي قد توحّد الداخل حول الخطر، وتبرّر الإنفاق العسكري، وتمنح القيادة شرعية أمنية، وتفسّر استمرار حالة الطوارئ، لكنها تحمل في داخلها نقطة ضعف عميقة؛ فالكيان الذي يحتاج إلى عدو دائم كي يشعر بالأمان يكشف، في الوقت نفسه، عجزه عن إنتاج الأمان من داخله.
فالقوة العسكرية الهائلة لا تعني بالضرورة استقراراً، والترسانة المتطورة لا تنتج بالضرورة طمأنينة، والتفوق الاستخباري لا يلغي القلق. بل قد يحدث العكس تماماً: كلما اتسعت خريطة التهديدات التي يحتاج الكيان إلى مواجهتها، انكشف أن شعوره بالأمان لا يتناسب مع حجم القوة التي يمتلكها، وكلما ارتفع سقف التفوق العسكري، بقي السؤال أكثر إلحاحاً:
لماذا لا يزال هذا الكيان خائفاً إلى هذه الدرجة؟
وهنا تعمل صناعة الخصم على مستويين متناقضين؛ فهي تقوّي الكيان تكتيكياً، لكنها تضعفه استراتيجياً، تمنحه مبرراً للحرب لكنها تكشف حاجته إليها، توحّد الداخل لكنها تجعله أسيراً للخوف، وتمنح القيادة شرعية أمنية لكنها تجعل أي تراجع أمام الخصم يبدو وكأنه تهديد للوجود نفسه.
ومع الوقت، يتحول الكيان إلى أسير للعقيدة التي صنعها: فإذا أصبح كل خطر "وجودياً"، غدا التراجع عن أي مواجهة تنازلاً وجودياً، وإذا أصبحت كل قوة إقليمية "تهديداً محتملاً"، أصبحت فكرة السلام أكثر صعوبة، وإذا ترسخت قناعة بأن الأمن لا يتحقق إلا بالقوة، أصبحت لحظة الهدوء نفسها مثيرة للقلق، لأنها تطرح السؤال الذي تخشاه هذه العقيدة أكثر من أي سؤال آخر: ماذا نفعل عندما لا تكون هناك حرب؟
الكيان القَلِق.. القوة التي تخاف من غياب العدو
وهنا تتضح الصورة الأعمق: المشكلة ليست في أن للكيان الإسرائيلي خصوماً، فوجود الخصوم أمر طبيعي في العلاقات الدولية، وإنما في أن يتحول الخصم إلى عنصر من عناصر تعريف الذات نفسها: نحن لأنهم موجودون، ونحن أقوياء لأنهم يهددوننا، ونحن موحدون لأنهم يحاصروننا، ونحن بحاجة إلى الجيش لأنهم يريدون إزالتنا.
عندها تصبح الهوية الأمنية قائمة على ثنائية "نحن وهم"، ويصبح استمرار هذه الثنائية مشروطاً ببقاء "الهم" أو بإنتاج "هم" جديد كلما تراجع القديم. فإذا خفّ خطر، ظهر خطر آخر، وإذا هدأت جبهة، بدأ البحث عن جبهة محتملة، وإذا انتهت حرب، ارتفع الحديث عن الحرب التالية.
وهكذا لا يعود القلق مجرد استجابة لتهديد قائم، بل يتحول إلى حالة دائمة تحتاج المنظومة إلى إبقائها حاضرة في الوعي السياسي والأمني.
فالخطر ليس مطلوباً فقط لأنه موجود، بل لأنه يجب أن يبقى قابلاً للظهور في أي لحظة.
ومن هنا تتحول صناعة الخصم من أداة لتفسير الحرب إلى عقيدة تحدد طريقة النظر إلى العالم من حول الكيان، فكل قوة صاعدة يمكن أن تصبح خطراً، وكل تغير في موازين القوى يمكن أن يُقرأ بوصفه مقدمة لتهديد جديد، وكل محاولة لبناء استقلال إقليمي يمكن أن تُفسَّر باعتبارها تحدياً للأمن.
وعند هذه النقطة تصبح المفارقة أكثر قسوة: الكيان الذي يبحث عن الأمان عبر التخلص من "أعدائه" يجد نفسه مضطراً إلى البحث المستمر عن "أعداء" جدد كي يحافظ على تعريفه للأمان.
وفي النهاية، قد لا يكون أكثر ما يخيفه وجود "العدو"، بل اليوم الذي يغيب فيه العدو ولا يعود قادراً على تفسير وجوده من خلال الحرب.
وهذا هو معنى أن تتحول صناعة الخصم إلى عقيدة.
من "نحن محاصرون" إلى "العالم كله خطر"
ومع اتساع دائرة الخطر إلى هذا الحد، لا تعود المشكلة في عدد الخصوم بقدر ما تصبح في طريقة النظر إلى العالم نفسه؛ ففلسطين تُقرأ بوصفها خطراً، ولبنان بوصفه جبهة تهديد، وإيران باعتبارها خطراً استراتيجياً، وسوريا كساحة مفتوحة لاحتمالات الخطر، وتركيا كقوة يمكن أن تتحول إلى تهديد محتمل، حتى يبدو السؤال مشروعاً:
من يبقى خارج هذه الخريطة؟
عندها تتحول المنطقة بأكملها إلى مساحة أمنية مفتوحة، لا يُنظر إلى دولها وقواها بوصفها أطرافاً لها مصالح مستقلة، بل باعتبارها عناصر يجب مراقبتها واحتواؤها ومنعها من امتلاك هامش قوة قد يغيّر موازين المنطقة.
ومثل هذا التفكير لا يصنع سلاماً، بل يبني حصاراً دائماً، والأخطر أن الحصار قد يصبح ذاتياً؛ فالكيان الذي يرى التهديد في كل اتجاه يجد صعوبة في بناء علاقات طبيعية مع محيطه، وصعوبة في تقبّل صعود قوى مستقلة، وصعوبة أكبر في التعايش مع موازين قوى لا يستطيع التحكم بها.
وهكذا يدخل في دائرة تتغذى على نفسها: الخوف من فقدان التفوق يولّد مزيداً من القوة، ومزيد القوة يولّد مخاوف لدى الآخرين، ومخاوف الآخرين تدفعهم إلى مزيد من التسلح والتحالف والمقاومة، ثم يعود الكيان إلى النتيجة التي بدأ منها: "انظروا، الجميع يهددنا".
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً؛ فالخطر الذي يخشاه الكيان لا يأتي دائماً من الخارج وحده، بل يمكن أن يُنتج جزءاً منه عبر الطريقة التي يتعامل بها مع محيطه.
خوفٌ يولّد رد فعل، ورد فعل يولّد خوفاً جديداً، والخوف الجديد يتحول إلى ذريعة لرد فعل آخر؛ حتى يصبح الكيان أسيراً للدائرة التي صنعها بنفسه.
الخصم الذي تصنعه قد يعود ليصنعك
وهنا نصل إلى المفارقة الاستراتيجية الأهم: صناعة الخصم ليست عملية باتجاه واحد. فعندما تعيد تعريف الآخرين كأعداء، فإنهم لا يبقون كما كانوا قبل هذا التعريف، بل يعيدون هم أيضاً حساباتهم ومواقعهم وتحالفاتهم استجابة لما يرونه تهديداً موجهاً إليهم.
الدولة التي تتعرض للضغط تبحث عن تحالفات جديدة، والقوة التي تُستهدف تطوّر وسائل مختلفة للمواجهة، والبيئة التي تُحاصر تنتج أشكالاً جديدة من المقاومة، والمنطقة التي تُفرض عليها معادلة القوة لن تبقى ساكنة إلى ما لا نهاية.
وهكذا قد يتحول الخصم الذي جرى تقديمه بوصفه مشكلة يجب احتواؤها إلى عامل في إعادة تشكيل المنطقة نفسها، وقد يجد الكيان أن سياساته تجاه خصومه أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج بيئة أكثر تعقيداً مما كانت عليه.
وهذه هي المخاطرة الكبرى في صناعة الخصم: يمكنك أن تختار كيف تصف خصمك، وأن تحدد موقعه في خطابك الأمني، لكنك لا تستطيع أن تتحكم إلى الأبد في الطريقة التي سيرد بها العالم على هذا التعريف.
فالقوة تستطيع تدمير هدف، لكنها لا تستطيع ضمان ألا يؤدي تدميره إلى ظهور هدف آخر؛ وتستطيع إسكات جبهة، لكنها لا تستطيع أن تضمن ألا تُفتح جبهة جديدة في مكان آخر؛ وتستطيع ردع دولة لفترة، لكنها لا تستطيع أن تضمن ألا يدفع الضغط عليها إلى تغيير تحالفاتها أو إعادة بناء قدراتها.
وهكذا تنقلب المعادلة: الحرب التي يفترض أن تقلل الخطر قد تصبح نفسها إحدى الآليات التي تعيد توزيع الخطر، وتحوّل الخصوم الذين كان يُراد إضعافهم إلى قوى تعيد تعريف مواقعها وفقاً للحرب.
وعندها لا تعود المشكلة في أن للكيان أعداء كثيرين، بل في أن طريقة تعامله مع أعدائه قد تكون جزءاً من السبب الذي يجعل دائرة الخصوم تتسع بدلاً من أن تضيق.
عدوّ كي يبقى...
في الختام، أخطر ما يمكن أن يحدث لأي كيان ليس أن يكون محاطاً بالأعداء، بل أن يصبح غير قادر على تخيّل وجوده من دونهم. عندها يتحول العدو من خطر خارجي إلى وظيفة داخلية، ويتحول الخوف إلى هوية، وتتحول الحرب من استثناء إلى وسيلة لإعادة إنتاج الشعور بالأمان.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة الكبرى في الكيان الإسرائيلي: مشروع نشأ من هاجر الاقتلاع والشتات، وسعى إلى بناء كيان يضمن ألا يتكرر الخوف من الضياع، لكنه حمل هذا الخوف معه إلى داخله، فتحول هاجر الزوال من ذاكرة تاريخية إلى عقيدة أمنية دائمة.
ومن فلسطين إلى لبنان وإيران وسوريا، وصولاً إلى تركيا بوصفها تحدياً استراتيجياً صاعداً في جزء من الخطاب الأمني الإسرائيلي، تتبدل أسماء الخصوم، لكن اللغة تبقى واحدة: الخطر، الحصار، البقاء، الأمن، والوجود.
وهنا تنكشف المفارقة: صناعة الخصم قد تمنح الكيان قوة تكتيكية، لكنها تكشف هشاشته الاستراتيجية، وتجعل المجتمع أسيراً للخوف، وتجعل الحرب جزءاً من تعريف الأمن نفسه.
فالخصم الذي تصنعه لا يبقى بالضرورة كما أردته؛ فقد يؤدي الضغط إلى تحالفات جديدة، والحرب إلى جبهات جديدة، ومحاولة إضعاف قوة إقليمية إلى إعادة تشكيل موازين المنطقة بطريقة أكثر تعقيداً. وهكذا قد تصبح الحرب، التي يفترض أن تقلل الخطر، إحدى الآليات التي تعيد إنتاجه.
لذلك فإن السؤال الأعمق ليس: كم عدواً يملك الكيان الإسرائيلي؟ بل: لماذا يحتاج إلى أن يبقى العدو حاضراً كي يشعر بالأمان؟
فالسلام الحقيقي لا يعني هدنة مؤقتة ولا توقفاً للمدافع، بل يعني أن يتراجع الاحتياج إلى العدو، وأن يصبح الجار جاراً لا مشروع تهديد، وأن يصبح الأمن نتيجة للاستقرار لا مبرراً دائماً للحرب.
وهنا تحديداً يظهر الاختبار الأصعب: هل يستطيع الكيان أن يعيش إذا لم يعد هناك عدو؟
لأن الكيان الواثق من وجوده لا يحتاج إلى اختراع خصم كلما خفت أصوات المدافع. أما الكيان الذي يبحث عن عدو جديد كلما تراجع عدو قديم، فإنه لا يطارد خصومه فقط؛ بل يطارد خوفه من نفسه ومن اليوم الذي قد يضطر فيه إلى تعريف وجوده من دون حرب.
فالخوف الذي خرج من الشتات لم يعد خارج الكيان؛ لقد استقر في داخله. والخصم الذي يصنعه كي يبرر بقاءه قد يصبح، في النهاية، المرآة التي تكشف هشاشته.
/إنتهى/