المولد النبوي وتجديد معاني الاتباع والرحمة والعزة

أ.د/ عبد الملك محمد عيسى - عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة صنعاء .

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].

ومن أبلغ الآيات التي يمكن الوقوف أمامها في هذه المناسبة قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ فهذه الآية لا تقدم وصفا لجيل مضى فحسب وإنما تقدم منهجا متكاملا لبناء الإنسان المؤمن والمجتمع القادر على حمل الرسالة.

تبدأ الآية بقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ وهذه الحقيقة هي أساس العلاقة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهي ليست علاقة عاطفة أو احتفاء موسمي فقط وإنما علاقة اتباع واقتداء والتزام بالرسالة التي جاء بها، ولذلك فإن المعنى الحقيقي للمولد النبوي يظهر عندما يتحول حب رسول الله إلى سلوك وإلى أخلاق وإلى صدق وأمانة وعدل ورحمة ومسؤولية.

ثم يأتي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ليؤكد أن المعية الحقيقية لرسول الله ليست معية زمن أو مكان وإنما معية منهج وموقف وقيم أن يكون الإنسان مع رسول الله في الصدق وفي نصرة الحق وفي مواجهة الظلم وفي خدمة الناس وفي تحمل المسؤولية وفي الشدة على الكافرين.

ويكتمل هذا البناء القرآني بقوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وهي معادلة دقيقة تجمع بين القوة والرحمة قوة في مواجهة العدوان والظلم والاستكبار الذي يمثله الأمريكي والكيان الإسرائيلي ورحمة داخل المجتمع وتعاون وتكافل وتماسك بين أبنائه بما يمثله الشعوب المظلومة فالرحمة ليست ضعفا كما أن الشدة ليست ظلما أو قسوة وإنما هي ثبات وعزة أمام الباطل ورحمة ومسؤولية تجاه المؤمنين والمجتمع.

إن إحياء المولد النبوي الشريف لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بالمناسبة العزيزة بل يجب أن يكون محطة لمراجعة علاقتنا برسول الله ومنهجه .

كم من أخلاقه حاضرة في حياتنا؟ وكم من قيم القرآن تحولت إلى واقع في سلوكنا ومواقفنا؟ وهل نحقق في أنفسنا معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؟

إن المجتمع الذي نحتاج إليه اليوم هو المجتمع الذي يجمع بين العلم والأخلاق وبين الوعي والموقف وبين القوة والرحمة مجتمع يمتلك وضوح الهوية ويتماسك داخليا ويواجه الظلم والعدوان بثبات ويجعل من الرحمة والتكافل والمسؤولية أساسا لعلاقاته الداخلية.

ومن هنا فإن ذكرى المولد النبوي الشريف هي مناسبة لتجديد الصلة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتجديد الالتزام بالمنهج الذي جاء به وتحويل المحبة إلى عمل والانتماء إلى موقف والاقتداء إلى سلوك.

ويبقى قول الله تعالى جامعا لمعنى هذه المناسبة ورسالتها:

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.

فالمولد النبوي ليس مجرد ذكرى نحتفي بها بل هو دعوة متجددة لأن نكون أقرب إلى رسول الله في أخلاقنا ومواقفنا ومسؤولياتنا وأن نحول حضوره في وجداننا إلى حضور فعلي لمنهجه في واقعنا وحياتنا.

/إنتهي/