دمعةُ الأرضِ الملعونة؛ من 28 صفر سنة 11 للهجرة إلى زمن العجوز الفلسطينية المثقلة بالمعاناة
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/08/22 - 14:58
وكالة تسنيم الدولية للأنباء؛ فاطمة مراد زاده- فلسطين تعني بكاء هذه العجوز ...
فلسطين؛ هي بكاء هذه العجوز، حين تتحدث عن أرضها، وحين تستطعم حلاوة اسم فلسطين، فالغصّةَ تَخنُق حلقُها، فتنهمر منه قطراتُ دموعٍ تحرق الأكباد.
غصّتها ثقيلة؛ إلى حدّ يمكن أن تستشعر فيها ثقل تاريخٍ مريرٍ ومظلمٍ وطويلٍ يمتد لثمانين عاماً؛ إلى حدّ يمكن أن تقرأ وترى فيها أحزن القصص؛ قصةَ كثير من النساء والرجال والشيوخ والشباب الذين تحطمت حياتهم في يوم «النكبة» وسقطت في التراب الأسود. وكثير من الرضّع الذين وُلدوا في يوم «النكبة» والأيام السوداء التي تلته في فلسطين، أصبحت«النكبة» في سجلّهم وصارت من أسمائهم، وصار الألم والتشرّد حظّهم ورفيق نهارهم وليلهم.
العجوز واحدة من أولئك البائسين الذين استطاعوا أن يتشبثوا ببيوتهم وترابهم طوال 80 عاماً بأظفارهم ونواجذهم وألا يتركوهما. أما الآن، فقد اشتدّ أذى المحتلين اليهود أكثر من أي وقت مضى، وبعد 80 عاماً من العيش في خوف التهجير، وجدت نفسها على بُعد خطوات منه؛ الآن وقد بلغ تهويد فلسطين ذروته، ووصل هدم المنازل والمزارع الفلسطينية إلى حيّها، في أزقّة الضفة الغربية أيضاً.
الآن وقد صار مأوى العجوز إلى المصير نفسه الذي آلت إليه مئات الآلاف من البيوت المهدّمة في فلسطين؛ الآن وقد جلست العجوز في آخر عمرها، بدلاً من أن تستمتع باللعب مع أحفادها، وترى سعادة ابنتها وابنها، وتستريح تحت ظلال أشجار الزيتون، تحت لهيب الشمس الحاد، محاصرةً بأوباش اليهود، قبالة كومة أنقاض حياتها، وقد أذاب الألم والحزن وعذاب العمر، كالرصاص المصهور، دماغها وعظامها؛ الآن تقول بغصّة مدمّرة: أرضي، بلدي هو فلسطين؛ أنا لن أرحل؛ لن أرحل من هنا.
العجوز الآن جالسة على كرسي، قبالة أنقاض حياةٍ أُفسدت و ذكرياتٍ نُهبت؛ لا مكان لديها تذهب إليه ولا عمل لديها تفعله؛ لكن حتماً، إن سمح لها الألم ولم تخرج روحها من قفص صدرها، فلديها وقت أكثر من أي وقت مضى للتفكير؛ للسفر إلى الماضي، إلى ذكريات فلسطين، إلى ذكريات شعبٍ كان، جيلاً بعد جيل، ومنذ آلاف السنين، من أبناء هذه الأرض؛ العرب الفلسطينيين.
العجوز الآن تستطيع أن تجلس في ركنٍ منعزل من خرائب الحياة، وأن تفكر نيابةً عن شعب فلسطين، بل وحتى نيابةً عن كل مسلم في القريب والبعيد؛ أن لماذا؟ وكيف؟ ومنذ أي يوم؟ استقرّ عارُ سرقة تراب فلسطين رملة رملة و تهويده على جبين الأرض المقدسة للأنبياء؛ من الخليل مدينة إبراهيم النبي، إلى بيت لحم مسقط رأس عيسى(ع) والقدس محل معراج محمد(ص).
الآن لدى العجوز ـ التي نرجو أن تبلغ 120 عاماً وأن ترى من جديد نهاية شتاء فلسطين القاسي وتحررها من قبضة اليهود المتوهمين ـ متسعٌ كبير من الوقت لتفكر نيابةً عن جميع شيوخ هذا القوم؛ تفكر في السنوات الماضية؛ في مئة عام مضت، وفي ضعف بعض المسلمين واستسلامهم وخيانة بعض آخر، مما أدى إلى استيلاء الكفار الأوروبيين على أرض الشام وفرض الانتداب البريطاني على تراب فلسطين، وبعد ذلك بدأت المصائب تنهال مصيبةً تلو أخرى على الفلسطينيين من الدخول التدريجي لليهود من أنحاء العالم إلى أرض فلسطين، إلى مؤامرة انسحاب بريطانيا وتسليم شؤون فلسطين إلى اليهود، وإصدار القرار الفتنوي 181 للأمم المتحدة لتقسيم فلسطين بين اليهود وغير اليهود، و نهم القوم اليهود الذي لا يشبع لابتلاع أرض فلسطين بأكملها، بذريعة أن أحد أنبياء الله، قبل ألفي عام ونيف، أقام هناك معبداً باسم هيكل سليمان، والآن يجب إخراج هيكل سليمان من تحت المسجد الأقصى.
أصلاً، فليكن أن داوود النبي وسليمان النبي قد أقاما معبداً قبل ثلاثة آلاف عام، و فليكن أن للقوم اليهود جذوراً هناك؛ وفليكن أن يعقوب النبي وأبناءه (بنو إسرائيل) كانوا من أهل كنعان (فلسطين)، وأن موسى(ع) عبر ببني إسرائيل الذين كانوا تحت ظلم أقباط مصر النيل، وأعادهم مرة أخرى إلى كنعان؛ ما علاقة كل هذا بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية وتحويل البلاد إلى أنقاض والاحتلال وإقامة دولة زائفة باسم إسرائيل؟
سكان الأصليون لتلك الأرض؛ أولئك الذين تمتد جذورهم في فلسطين منذ آلاف السنين، كلهم عرب؛ عرب مسيحيون ويهود ومسلمون؛ عربٌ بقي بعضهم على دين موسى النبي، وبقي يهودياً، وبعضهم اعتنق المسيحية مع بعثة عيسى(ع)، وبعضهم آمن بالنبي الخاتم(ص)، ـ بتوصية وتأكيد من سيدنا عيسى و سيدنا موسى ـ وأسلموا فلسطين، أرضهم جميعاً، وليست أرض قومٍ يتوهم الأفضلية، ويريد بهذا الوهم وبذريعة إعادة إقامة معبد سليمان ـ الذي هدمه المسيحيون قبل ألفي عام ـ فوق المسجد الأقصى للمسلمين، أن يمد يده إلى فلسطين والشام بأسرهما، وإلى كل مكان تطاله يده.
الآن تلك العجوز المظلومة من أهل الضفة، وتلك العجوز المقعدة من أهل رفح التي كانت تزحف على أطرافها الأربعة هنا وهناك تحت قصف المحتلين، أو تلك العجوز التي كانت تقول وهي تبكي: «غزة رحلت ونحن متنا بداخلها»، أو تلك العجوز التي أغرقت عيناها بالبكاء حين رأت بستانها ومزرعتها المهدّمة والمحروقة في جنوب نابلس، أو تلك العجوز الأخرى التي ...
أصلاً لماذا العجوز؟! الآن جميع العجائز والشيوخ العرب، فلسطينيين وغير فلسطينيين، مسلمين وغير مسلمين، حتى وإن لم يكن لديهم الوقت، لعلّه ينبغي لهم أن يفكروا في شيء يتجاوز صهينة فلسطين وإقامة دولة لليهود! لعلّه ينبغي لهم أن يفكروا في ما وراء الكواليس الأشد هولاً من اليوم؛ في ذلك الحقد والضغينة الكبيرين اللذين إذا تتبعت أثرهما وعدت إلى الوراء، وصلت إلى 27 رجب من عام 40 من عام الفيل، (13 عاماً قبل الهجرة)؛ إلى ذلك اليوم الذي أرسل الله فيه إلى ابن آمنة(ع) وعبدالله(ع)؛ ابن أخي أبي طالب وحفيد عبدالمطلب، في غار حراء، الرسالة واختاره للنبوة و... فقئت أعين اليهود وتشققوا من الحسد، اليهود الذين كانوا، وفقاً لوعد موسى(ع)، ينتظرون ظهور نبي آخر الزمان، لكن وهم التفوق في قلوبهم كان قد ألقى في نفوسهم أملاً بأن النبي لا بد أن يكون من طائفتهم! اليهود الذين فقئت أعينهم، ومنذ ذلك الوقت دخلوا في الفتنة والحرب مع رسول الله، وفي إثارة الخلاف بين المسلمين وإشعال الحروب مع المسلمين، وسيظل أثر فتنتهم باقياً على هذا الكوكب المليء بالألم ما بقيت الدنيا.
/انتهى/