هل ستدخل تركيا والكيان الإسرائيلي في اشتباك في سوريا ؟
- الأخبار الشرق الأوسط
- 2026/08/19 - 13:23
وكالة تسنيم الدولية للأنباء:
أثارت التحركات العدوانية لكيان الاحتلال الإسرائيلي في سوريا، المتاعب مجدداً. هذه المرة، شنّ الكيان الإسرائيلي هجوماً خطيراً على قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب. ورغم أن القاعدة كانت معطلة لأكثر من عقد، إلا أن الكيان الإسرائيلي اعتبر إمكانية ترميمها وإعادة تأهيلها تهديداً له.
في الغارة الجوية التي نفذتها طائرات الكيان، تضرر مدرج الطيران وأجزاء من المنشآت، ونظراً لقرب القاعدة من الحدود التركية، يشكل هذا الهجوم سبباً جديداً لقلق المسؤولين السياسيين والأمنيين في أنقرة. وقد طلب رجب طيب أردوغان، رئيس تركيا، في اتصال هاتفي مع دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، من الأخير منع استمرار تحركات نتنياهو.
وأعلنت وسائل الإعلام الصهيونية أن زيارة وفدين عسكريين وفنيين تركيين إلى هذه القاعدة القديمة في الأسابيع الأخيرة، واحتمال وجود اتفاق مشترك بين دمشق وأنقرة لإعادة بناء القاعدة، هما السبب الرئيسي وراء هذا الغارة الجوية.
بهذا، يُصدر الكيان الإسرائيلي الرسالة التالية: منع أي انتشار محتمل للقوات التركية في هذه القاعدة يُعدّ هدفاً استراتيجياً مهماً. تقع قاعدة أبو الظهور في منطقة إدلب، على بُعد حوالي ٧٠ كيلومتراً من الحدود التركية. أصدرت وزارة الخارجية التركية بياناً أدانت فيه بشدة الهجوم على أبو الظهور.
وجاء في البيان: إن الهجوم الإسرائيلي ينتهك سيادة سوريا وسلامة أراضيها، ونطالب المجتمع الدولي باتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه الهجمات الإسرائيلية على سوريا.
كما وصف أسعد الشيباني، وزير خارجية النظام السوري، هذا الهجوم بأنه استفزاز غير مبرر وانتهاك لسيادة سوريا.
وأشار مركز "يتكين ريبورت" التحليلي التركي إلى أن "المسؤولين السياسيين في أنقرة لم ينسوا تهديدات بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، ويسرائيل كاتس، وزير الأمن القومي، حيث قال كلاهما: تركيا ستكون هدفنا التالي بعد إيران. ومن المهم أيضاً أنه وفقاً لتقديرات أنقرة، سيزيد نتنياهو هجماته على الفلسطينيين لتجنب الهزيمة في الانتخابات العامة المقررة في ٢٧ أكتوبر. وتُجرى الانتخابات الإسرائيلية قبل أسبوع واحد فقط من الانتخابات النصفية الأمريكية في ٣ نوفمبر، والتي تعتبر حاسمة بالنسبة لترامب".
وتابع "يتكين ريبورت" التركي قائلاً: "يريد ترامب إنهاء الحرب مع إيران في أسرع وقت ممكن، لكن التوصل إلى اتفاق مع إيران أصبح مستحيلاً بشكل متزايد بسبب المطالب الإسرائيلية المستمرة. ترامب، الذي دخل الحرب مع إيران متبعاً نتنياهو، وقع بين احتياجاته قبل الانتخابات الأمريكية واحتياجات اللوبي الصهيوني قبل الانتخابات الإسرائيلية.
والسؤال الآن: هل سترتكب إسرائيل عملاً متهوراً؟ لذلك، فإن طلب ترامب بوقف الهجمات الإسرائيلية ليس سوى تصريح لين. تذكروا أنه منذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥، والذي ضمنته تركيا أيضاً، قُتل ١٢٦٥ فلسطينياً نتيجة الهجمات الإسرائيلية. هل سيعزز نتنياهو هجماته على سوريا ولبنان بالإضافة إلى هجماته على الفلسطينيين للفوز في الانتخابات الإسرائيلية؟ ورغم أن أردوغان أرسل رسائل وطالب بكبح جماح نتنياهو، إلا أن احتمال اتخاذ ترامب خطوات فعالة ضد مطالب نتنياهو ليس كبيراً، نظراً لقوة اللوبي الإسرائيلي في واشنطن".
من انتهك أي اتفاق؟
يعترض كل من مسؤولي دمشق وأنقرة على أن الكيان الصهيوني الإسرائيلي، بهجومه على قاعدة إدلب، قد ضرب فعلياً عرض الحائط بالاتفاق الأمني. ولكن من ناحية أخرى، ادعى مكتب بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان، أن دمشق كانت على وشك انتهاك "الوضع الأمني القائم" المتفق عليه مع إسرائيل، من خلال السماح بنشر قوات تركية في هذه القاعدة، وأن تل أبيب كانت قد حذّرت سوريا مسبقاً بشأن هذه القضية.
بعبارة أوضح، يطرح الصهاينة، من خلال شن هجوم استباقي، ادعاءً بأنهم عرفوا مسبقاً الوجود العسكري التركي في سوريا كخط أحمر لهم، وأبلغوا بذلك أعضاء فريق التفاوض التابع لحكومة أحمد الشرع. وبهذا، يمكن القول بوضوح: إن هذا الهجوم في الأساس ليس مجرد هجوم على سوريا، بل هو رسالة مباشرة إلى تركيا.
النقطة المهمة بشأن ادعاءات الكيان الإسرائيلي هي أن المفاوضات الأولية لمنع التصعيد ومحاولة تطبيع العلاقات بين سوريا والكيان، قد جرت بتشجيع من أنقرة، وخلال عدة لقاءات ومفاوضات في باكو بأذربيجان وباريس ولندن، أجريت مناقشات مطولة، ورغم أنها أدت إلى تقليل تحركات الكيان الإسرائيلي في ملف الدروز السوريين، إلا أنها لم تتبعها أي ضمانات دفاعية أو أمنية محددة، والآن أثبت مرة أخرى أن الكيان يشكل تهديداً جدياً لسوريا.
تركيا لم تكن على علم
من أهم الأبعاد المتعلقة بالتوتر الأخير بين سوريا والكيان الإسرائيلي وتركيا، هي النقاط التي أشار إليها توم باراك في تصريحاته. توم باراك، السفير الأمريكي في تركيا والممثل الخاص لترامب في عدة ملفات إقليمية بما فيها العراق وسوريا ولبنان، أشار في شرحه إلى النقاط التالية:
١. لم يتم إرسال أي تحذير إلى تركيا وسوريا قبل تحليق الطائرات الإسرائيلية وقصفها لإدلب.
٢. رصد مركز الدفاع الجوي التركي تحرك الطائرات المقاتلة الإسرائيلية في وقت مبكر جداً، ولو لم يكن المسؤولون الأتراك هادئين ومتحفظين لكان بإمكانهم الرد بسرعة.
٣. من الضروري تشكيل آلية تنسيق بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
الآن، يواجه الحدود الحساسة بين تركيا وسوريا حقيقة وهي: محاولات أحمد الشرع لتطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي وتقليل التهديدات العدوانية للكيان لم تنجح، وبهذا الهجوم، أراد نتنياهو أن يظهر لأنقرة أن الوجود العسكري التركي في سوريا هو خط أحمر لإسرائيل.
ومع ذلك، يقترح توم باراك، الممثل الخاص لترامب، في النهاية إنشاء آلية لنقل الرسائل، وألا تتجه تركيا وسوريا نحو التصعيد والرد. وذلك في وقت نواجه فيه في سوريا لوحتين مختلفتين من التنافس بين تركيا والكيان الصهيوني.
في إحداهما، نشهد تحركات وإجراءات دولة تدعى تركيا، لا تكتفي بالنفوذ السياسي والاستخباراتي في سوريا، بل تريد السيطرة على كل شيء بدءاً من إعادة بناء الجيش والمؤسسات الاستخباراتية والشرطية، وصولاً إلى الصناعات الدفاعية والسوق الاستهلاكية ومجالات الطاقة والإعمار والمقاولات.
وفي الجهة الأخرى، يواصل الكيان الإسرائيلي، بالإضافة إلى احتلال عدة مناطق حساسة في سوريا، سعيه لإبقاء سوريا ذات هيكل دفاعي ضعيف، وألا تتواجد أي قوة عسكرية كبيرة أو متوسطة في سوريا.
وهذه هي النقطة التي سبق أن أشارت إليها الصحفية التركية السيدة أسلي أيدين تاش باش في تقرير لها في مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي (ECFR)، وكتبت في يونيو ٢٠٢٥ أنه بعد سقوط الأسد، دخلت تركيا وإسرائيل في تنافس متزايد حول مستقبل سوريا.
وترى تاش باش أن "أنقرة تريد تشكيل سوريا موحدة ومستقرة تحت النفوذ التركي؛ في حين أن إسرائيل قلقة من زيادة قوة سوريا والنفوذ التركي في هذا البلد".
كل هذا في وقت لا تُعتبر فيه سوريا مجرد دولة مجاورة لتركيا. من منظور استراتيجي، أصبحت سوريا بالنسبة لأنقرة العمق الاستراتيجي الجنوبي، وملفاً مرتبطاً بالأكراد، وعودة اللاجئين، وسوق إعادة الإعمار، والطريق التجاري، وأمن الحدود، والنفوذ الإقليمي، ومكاناً لتعزيز المكانة الجيوسياسية لتركيا.
وبالتالي، لا يمكن لتركيا أن تسمح لإسرائيل بتدمير البنية التحتية العسكرية السورية متى شاءت.
يمكن التكهن بأن رئيس النظام السوري، أحمد الشرع، كان قد قال سابقاً للجزيرة، بناءً على نصيحة أنقرة، إن سوريا تسعى إلى اتفاق أمني مع إسرائيل.
وقال أيضاً إن هذا الاتفاق يمكن أن يمهد الطريق لسلام أكثر شمولاً، بشرط ألا يتم تجاهل حقوق سوريا في الجولان. ومع ذلك، حتى الآن، اتخذت كل من دمشق وأنقرة نهج المساواة والحذر في مواجهة الكيان الإسرائيلي، ومن الواضح أن بوابة ميثاق الدفاع المكي مفتوحة أيضاً لمصر، لكنها لا يمكن أن تشمل سوريا، وليس من المقرر أن تتخذ طابعاً معادياً لإسرائيل.
/انتهى/