شراكة تتجاوز التحالف
- الأخبار الدولی
- 2026/08/18 - 10:58
في خطوة تغيّر قواعد اللعبة، يتجه الكونغرس الأمريكي نحو دمج الجيشين الأمريكي والإسرائيلي بدرجة غير مسبوقة، في وقت يعبر فيه الرأي العام الأمريكي عن مستويات غير مسبوقة من انعدام الثقة في الحكومة الإسرائيلية
هو ليس تحالفاً عابراً، بل اندماجاً تكنولوجياً وصناعياً وعملياتياً، يربط مصير البلدين في حرب واحدة، ويجعل من الصعب على أي إدارة أمريكية مستقبلية التراجع عنه.
لكن التحليل العكسي هنا لا يسأل: هل هذا التحالف جديد؟ بل يسأل: لماذا يحدث الآن، في وقت تتصاعد فيه الأصوات الناقدة للكيان الإسرائيلي داخل أمريكا نفسها؟
"مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" ليست مجرد بند في قانون تفويض الدفاع الوطني، بل هي إعادة هيكلة كاملة للعلاقة العسكرية بين البلدين. القسم 224 من مشروع القانون يقترح: بحث وتطوير ثنائي، إنتاج مشترك للأسلحة، تكامل شبكات، ودمج بيانات عسكرية. هذا يعني أن الجيشين لن يعملا جنباً إلى جنب، بل كجيش واحد، بقيادة واحدة، وأهداف واحدة.
المشروع يتجاوز التعاون التقليدي في الدفاع الصاروخي، ليشمل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والأنظمة المستقلة، والطاقة الموجهة، والفضاء الإلكتروني، والتكنولوجيا الحيوية... إنه اندماج شامل، يضع الكيان الإسرائيلي في موقع لم تحظ به أي دولة أخرى في العالم، حتى أقرب حلفاء واشنطن في الناتو.
وهنا تظهر التناقضات...
التناقض الأول: في وقت يعبر فيه الرأي العام الأمريكي عن مستويات غير مسبوقة من انعدام الثقة في الحكومة الإسرائيلية، يتجه الكونغرس نحو تكامل أعمق. استطلاع نيويورك تايمز: 64% من الأمريكيين يعتبرون الحرب على إيران قراراً خاطئاً. ومع ذلك، يصر الكونغرس على ربط المصير العسكري الأمريكي بالكيان الإسرائيلي، وكأن أصوات الناخبين لا تعني شيئاً.
الأكثر إثارة، أن هذا التشريع يأتي في وقت يشهد فيه الحزب الديمقراطي نفسه انقساماً حول الدعم للكيان.
السيناتور كريس فان هولين كتب في نيويورك تايمز: "الدعم غير المشروط لإسرائيل قوض المصالح الأمريكية". ومع ذلك، يمرر الكونغرس تشريعاً يمنح الكيان نفوذاً غير مسبوق على السياسة الأمريكية، وكأن الانتقادات مجرد كلام في الهواء.
الجمهوريون والديمقراطيون يختلفون على كل شيء، لكنهم يتفقون على دمج الجيشين. حتى النائب مارجوري تايلور غرين، التي تساءلت علناً: "لماذا تضطر أمريكا إلى منح إسرائيل 3.8 مليار دولار؟" بينما ديون أمريكا تبلغ 37 تريليون دولار، تجد نفسها تصوت لصالح تشريع يربط المصير العسكري الأمريكي بإسرائيل.
وهذا هو التناقض الثاني: انتقادات علنية، وتشريعات تخدم الاحتلال، وكأن الأصوات الناقدة مجرد ضجيج لا يؤثر في القرارات الكبرى.
الإعلام العبري قرأ الخطوة بوضوح. صحيفة "إسرائيل اليوم" وصفتها بـ"الجيل القادم من التحالف". موقع "كيكار هشبات" قال إنها "سرية للغاية" و"تربط إسرائيل لعقود قادمة". محللون إسرائيليون يرون في هذه الخطوة تأميناً للعلاقة مع واشنطن، بعيداً عن تقلبات الرأي العام الأمريكي، وتحويلها من مساعدات قابلة للقطع إلى شراكة لا يمكن فكها.
التحليل العكسي يقول: "إسرائيل" لا تريد مساعدات، تريد اندماجاً. لأن الاندماج أصعب في الفك من المساعدات. وأي إدارة أمريكية مستقبلية ستجد صعوبة في فرض عقوبات أو حظر سلاح على شريك مدمج، لأن ذلك سيعني تفكيك بنية صناعية وعسكرية مشتركة، وليس مجرد قطع شيكات.
إذاً، السؤال الحقيقي ليس: هل يدمج الكونغرس الجيشين؟
كم من القيود ستُرفع، وكم من الحروب ستُشن باسم "إسرائيل"، قبل أن يدرك الأميركيون أنهم ليسوا حلفاء، بل رهائن؟
المشروع لا يتحدث عن تحالف، بل عن اندماج يخدم الطرف الأضعف في المعادلة، ويورط أمريكا في حروب الكيان الغاصب إلى الأبد. إنه تحول من "شريك" إلى "دمج"، ومن "دعم" إلى "تزامن مصير"، ومن "مساعدات" إلى "شراكة لا فكاك منها".
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يدرك الكونغرس أنه يوقع أمريكا على حروب لا نهاية لها، أم أنه يدرك تماماً ويمضي قدماً، مدركاً أن هذا الاندماج سيُحدث شرخاً في السياسة الأمريكية، ويجعل من الصعب على أي رئيس مستقبلي أن يقول "لا" لـ"إسرائيل"؟
/إنتهى/