وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن مدينة تويسركان، بما تمتلكه من إرث تاريخي وثقافي وديني غني، تُعدّ إحدى المناطق الواعدة في مجال السياحة بمحافظة همدان. وتحتل المعالم الدينية مكانة خاصة بين مقوماتها السياحية، حيث يقصدها عدد كبير من الزوار للتعرف على تراثها الديني والتاريخي وزيارة مزاراتها المقدسة. ويبرز مرقد حَبقوق النبي (ع) باعتباره أهم معلم ديني في المدينة وأكثرها استقطاباً للزوار.
وتُعدّ السياحة الدينية من أقدم وأهم أنماط السياحة في العالم، إذ ارتبطت زيارة الأماكن المقدسة والمزارات الدينية بثقافات الشعوب المختلفة عبر العصور. ولا تقتصر هذه السياحة على أداء الشعائر الدينية فحسب، بل تشمل أيضاً التعرف على تاريخ الأديان وثقافاتها واختبار الأجواء الروحية التي توفرها تلك المواقع. ومن هذا المنطلق، تمتلك تويسركان، بما تضمه من أضرحة ومزارات ومساجد تاريخية ومدارس دينية، مقومات مهمة لتطوير السياحة الدينية والحوار بين أتباع الأديان المختلفة.
ورغم وجود عدد من المعالم الدينية والتاريخية المهمة في المدينة، مثل المساجد التاريخية وأضرحة أبناء الأئمة والمدرسة العلمية للشيخ علي خان، فإن مرقد حَبقوق النبي (ع) يظل أبرز هذه المعالم لما يتمتع به من مكانة دينية وقيمة تاريخية ومعمارية، تجعله أحد أهم عناصر الهوية الثقافية والسياحية للمدينة.

ويُعرَّف حَبقوق النبي (ع) بأنه أحد أنبياء بني إسرائيل ومن نسل النبي موسى (ع). ويُقال إن اسم «حبقوق» في اللغة العبرية يعني «المحتضَن» أو «المحمول بين الذراعين». وتروي المصادر التاريخية والدينية أنه أُسر بعد غزو الكلدانيين وتدمير هيكل سليمان عام 586 قبل الميلاد، إلى جانب النبي دانيال (ع) وآخرين. وبعد أن حرر الأخمينيون الأسرى إثر فتح بابل، هاجر حبقوق إلى الأراضي الإيرانية، حيث استقر في منطقة تويسركان وتوفي فيها.
ولا تقتصر أهمية حَبقوق النبي على مكانته الدينية فحسب، بل تمتد إلى حضوره في التراث الديني لعدد من الأديان، وهو ما يمنح مرقده أهمية خاصة في مجال السياحة الدينية العابرة للأديان. كما أن الروايات التي تتحدث عن تبشيره ببعثة النبي محمد (ص) تضفي بعداً روحياً وثقافياً إضافياً على هذا الموقع. وحتى في المجال الفني، حظيت شخصية حبقوق باهتمام عالمي، إذ نحت الفنان الإيطالي الشهير دوناتيلو تمثالاً له في مطلع القرن الخامس عشر الميلادي، وهو محفوظ اليوم في أحد متاحف مدينة فلورنسا.

ويقع المرقد في الجهة الجنوبية الغربية من مدينة تويسركان وسط ساحة واسعة، ويتميّز بطرازه المعماري اللافت. ويتخذ المبنى شكلاً مثمناً، ويضم جدراناً من الآجر وقبة آجُرية مؤلفة من اثني عشر ضلعاً، إضافة إلى زخارف وكتابات خزفية. ويبلغ ارتفاع البناء نحو 16.5 متراً، فيما يقع قبر حَبقوق النبي(ع) داخل سرداب أسفل المبنى. ويُنسب تشييد المرقد إلى العصر السلجوقي، حيث يعكس مزيج عناصره المعمارية جمال الفن والعمارة الإيرانيين عبر العصور.
ونظراً لأهميته التاريخية، أُدرج المرقد عام 1974 ضمن قائمة الآثار الوطنية الإيرانية تحت الرقم 969. كما شهد أعمال ترميم وصيانة متواصلة، بدأت عام 1963 على يد المعماري الراحل الحاج هادي كهزادي، أحد أبرز البنّائين في تويسركان، واستمرت خلال السنوات الأخيرة عبر مشاريع لترميم الفضاءات الداخلية والواجهات الخارجية للمبنى.

ويحتل المرقد اليوم موقعاً محورياً ضمن شبكة المعالم الدينية والتاريخية في تويسركان، حيث يقصده الزوار من مختلف المناطق، ليس فقط لأداء الزيارة الدينية، بل أيضاً للتعرف على تاريخ المنطقة وعمارتها وتراثها الثقافي.
وتبرز السمة العابرة للأديان كإحدى أهم نقاط القوة التي يتمتع بها هذا الموقع، إذ يمكن تقديمه ليس كمزار محلي فحسب، بل كوجهة ثقافية وسياحية للمهتمين بتاريخ الأديان والعمارة والتراث الحضاري. ومن شأن استثمار هذه الميزة أن يسهم في تعزيز الحركة السياحية، وإطالة مدة إقامة الزوار، ودعم الاقتصاد المحلي، والتعريف بشكل أوسع بالمكانة التاريخية والثقافية لمدينة تويسركان.

وفي هذا السياق، أعدّت المديرية العامة للتراث الثقافي مشروعاً لتطوير محيط المرقد وحصل على الموافقات اللازمة. ومن المتوقع أن يسهم تنفيذ المشروع في تحسين البيئة المحيطة بالموقع، وتوفير البنية التحتية والخدمات اللازمة للزوار، ورفع الطاقة الاستيعابية للمكان.
وفي المحصلة، يُعدّ مرقد حَبقوق النبي (ع) أحد أهم الكنوز السياحية في تويسركان، حيث تتلاقى فيه عناصر التاريخ والعمارة والروحانية والثقافة. ومن شأن الاهتمام المستمر بهذا المعلم وتطوير السياحة الدينية المرتبطة به أن يعزز مكانة المدينة كواحدة من أبرز وجهات السياحة الدينية والتاريخية في إيران.
/انتهى/