نافذة خروج سعودية؛ دبلوماسية لشراء الوقت في ملف اليمن

أحمد حاجي صادقيان

وضعت هذه التطورات الميدانية السعودية في موقف لم يعد فيه استمرار مسار المواجهة بلا تكلفة. وفي ظل هذه الظروف، ظهرت أنباء عن مساعٍ دبلوماسية تبذلها الرياض لإنهاء الصراع واستئناف المسار الدبلوماسي بين الطرفين؛ مساعٍ ينبغي تقييمها أكثر في إطار الضغوط التي تتعرض لها الرياض حالياً، لا مجرد كونها دليلاً على تغيير في نهج السعودية.

وأصدر محمد عبد السلام، رئيس الهيئة الدبلوماسية لأنصار الله، بياناً أمس على صفحاته الرسمية أشار فيه إلى مساعي الوسطاء لحل القضية الراهنة بين أنصار الله والسعودية، معلناً أن حل هذه القضية يكمن في تنفيذ بنود خارطة الطريق الموقعة في اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022. يرسم هذا الموقف للوهلة الأولى مساراً واضحاً لحل القضية؛ لكن في الظروف الحالية، قد ينطوي الإصرار على العودة إلى الإطار نفسه على مخاطر. فالمسألة أن الظروف التي تشكل فيها اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022 ليست هي الظروف نفسها اليوم، كما تغيرت المواقع الميدانية للطرفين.

 

ومن ثم، فإن متابعة هذه السياسة في الظروف الراهنة قد تكون خطوة خطيرة وخاطئة، وينبغي على أنصار الله التعامل معها بدقة وحذر. فأي اتفاق سياسي لا يكتسب معناه إلا إذا عكس الحقائق الموجودة على الأرض. وإذا أصبح الإطار الذي تشكل في ظروف الماضي أساساً للمفاوضات الجديدة دون مراعاة تغير المعادلات، فإن هناك خطراً من أن تُستهلك الإنجازات التي تحققت في الميدان قبل أن تتحول إلى نتائج سياسية في عملية التفاوض.

تختلف وضعية السعودية اليوم اختلافاً جوهرياً عن الماضي بسبب مجموعة من الإجراءات الميدانية لأنصار الله. فقد فرض الهجوم على البنى التحتية للطاقة في جازان وينبع، وكذلك إعلان الحصار البحري على صادرات النفط السعودية من البحر الأحمر، ضغطاً كبيراً على الرياض. وتزداد أهمية هذه الإجراءات في ظل الوضع الخاص الذي يشهده مضيق هرمز. وفي مثل هذه الحالة، لا يقتصر الضغط على مسارات التصدير والبنى التحتية للطاقة في السعودية على ضغط عسكري محدود، بل يرتبط مباشرة بقدرة الرياض على إدارة أوضاعها الاقتصادية والأمنية.

إلى جانب ذلك، كانت الضربات الدقيقة التي وجهتها قوات صنعاء إلى مرتزقة السعودية داخل الأراضي اليمنية فعالة أيضاً. فقد أظهرت هذه الضربات أن السعوديين ليسوا في موقع يسمح لهم بزيادة الضغط على أنصار الله في الجبهات البرية دون تحمل تكاليف. وهكذا تشكل الضغط على الرياض على عدة مستويات في آن واحد؛ من البنى التحتية للطاقة ومسارات تصدير النفط إلى الجبهات البرية. وهذه المجموعة من الضغوط هي التي وضعت السعودية في موقف أصبح فيه السعي إلى إدارة الوضع ومنع توسع الصراع ضرورة بالنسبة لها.

ولا ينبغي إغفال عامل آخر في هذا السياق، وهو الظروف الخاصة للاقتصاد الأمريكي وسوق النفط نتيجة الحرب الأمريكية مع إيران. فقد جعل الوضع القائم الولايات المتحدة أيضاً معارضة لمزيد من التصعيد. وبالتالي، فإن الرياض لا تتمتع حتى من ناحية الدعم السياسي والعسكري الأمريكي بالظروف التي تسمح لها بدخول مسار مواجهة واسعة بثقة الماضي. ونتيجة لذلك، وضعت العوامل القائمة المملكة العربية السعودية في موقف ضعف جدي أمام أنصار الله.

في مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن تبذل الرياض كل جهدها لإدارة الوضع الراهن وتجاوز هذه المرحلة بالوعود والعهود. لذا فإن المسألة الأساسية ليست لماذا عادت السعودية مجدداً إلى الدبلوماسية؛ بل المسألة الأهم هي الهدف الذي تُتبع من أجله هذه الدبلوماسية وما النتيجة التي يُراد تحقيقها. هل الرياض مستعدة فعلاً لقبول الشروط الجديدة وتقديم تنازلات لليمن، أم أنها تحاول من خلال تفعيل مسار التفاوض شراء الوقت وتجاوز الضغط القائم؟

تقدم تجربة المفاوضات الجارية خلال حرب رمضان إجابة جديرة بالتأمل على هذا السؤال. فقد حالت هذه المفاوضات عملياً دون دخول أنصار الله في مواجهة مع أمريكا في تلك الفترة، لكن ما حدث بعد ذلك أظهر أن تراجعات السعودية والغرب لا تعني بالضرورة تغييراً في استراتيجيتهما. ويُظهر نقض السعودية والغرب لعهودهما بعد تلك التجربة أن التراجع الحالي أيضاً ليس قراراً استراتيجياً بقدر ما هو إجراء تكتيكي لإدارة الوقت.

ولهذه التجربة أهمية كبيرة. فإذا تمكنت السعودية في الظروف الراهنة من استخدام المسار الدبلوماسي لتخفيف الضغط القائم ومنع أنصار الله من الدخول في مراحل لاحقة من الصراع، دون أن تنفذ التزاماتها المحددة والعملية، فإنها تكون قد نجحت في تجاوز الأزمة دون دفع التكلفة المتناسبة مع موقعها الحالي.
وفي مثل هذه الحالة، يمكن أن تحل الوعود الدبلوماسية محل الإجراءات الحقيقية، وبعد تجاوز الظرف الزمني الصعب تتوفر الأرضية للعودة إلى السياسات السابقة.

وعلى هذا الأساس، فإن التوصية الأكيدة لصنعاء هي الامتناع عن منح نافذة خروج للسعودية وأمريكا. ففي الظروف الراهنة، تتمثل المسألة الأهم في الحفاظ على الإنجازات التي تحققت في الميدان ومنع زوال الضغط القائم قبل أن يتحول إلى نتيجة سياسية. يمكن أن تكون الدبلوماسية جزءاً من مسار حل القضية، لكن ينبغي ألا تتحول إلى أداة لإنقاذ الطرف المقابل من الظروف الصعبة التي وضع نفسه فيها نتيجة إجراءات أنصار الله.

في هذا الإطار، ينبغي على صنعاء تجاوز الاتفاقات السابقة المنتهية وتحديث مطالبها استناداً إلى الظروف الحقيقية في المنطقة. فظروف اليوم تختلف عن عام 2022، وموقع الطرفين ليس هو الموقع نفسه في الماضي. وبالتالي، إذا كان لا بد من تشكيل مسار سياسي جديد، فيجب أن يُحدد هذا المسار على أساس الظروف الواقعية القائمة لا على أساس الاتفاقات التي تشكلت في الماضي وفي ظروف مختلفة.

والأهم من ذلك أنه لا ينبغي قبول أي وعد كنتيجة للمفاوضات. فتخفيض التوتر يجب أن يُنفذ فقط عندما تقابله إجراءات عملية من جانب العدو السعودي. ويجب أن يكون معيار اتخاذ القرار هو السلوك الحقيقي للطرف المقابل، لا الوعود التي يُؤجل تنفيذها إلى المستقبل. وقد أظهرت التجربة السابقة أن المسافة بين الوعد والإجراء يمكن أن تكون النقطة التي تُبطل فيها الإنجازات الميدانية على طاولة المفاوضات.

 

وقد أظهرت التجربة المتكررة للمقاومة في المنطقة واليمن أن العدو، عندما يواجه ظروفاً خاصة ويحتاج إلى تخفيف الضغط لتجاوز أزمة ما، يمكن أن يتراجع ويعد ويُفعل مسار التفاوض؛ لكنه بعد تلبية احتياجاته وتجاوز ظروفه الخاصة يعود مجدداً إلى مخططاته السابقة. وهذه المخططات تتابع الهدف نفسه السابق، وهو القضاء التام على المقاومة.

لذلك فإن المسألة الأساسية بالنسبة لصنعاء ليست معارضة الدبلوماسية؛ بل منع تحول الدبلوماسية إلى أداة لخروج السعودية وأمريكا من الضغط الراهن. وإذا كان لا بد من إعادة تفعيل المسار السياسي، فيجب أن يتشكل هذا المسار على أساس الظروف الواقعية الجديدة ومقابل إجراءات عملية من الطرف المقابل. وإلا فإن تكرار التجارب السابقة قد يمنح السعودية والغرب مرة أخرى فرصة لتجاوز موقف صعب، ثم استئناف سياساتهما السابقة بعد انتهاء هذه الظروف. وما يهم صنعاء هو ألا تسمح بأن تزول إنجازات الميدان بالوعود الدبلوماسية قبل أن تظهر نتيجتها الحقيقية على طاولة المفاوضات.

/إنتهي/