عندما تكون السيادة رهينة التحالف

 

 

تدفع دول الخليج الفارسي التي تستضيف قواعد أميركية لاستهداف إيران تدفع ثمناً باهظاً، إذ تحوّل أراضيها إلى درع بشري للجيش الأميركي ورهينة في حروب لا تخدم مصالحها. وحسن الجوار لا يُبنى على قواعد عسكرية أجنبية، بل على احترام السيادة، والاعتراف بأن الأمان الحقيقي يأتي من التفاهم الإقليمي، لا من تحويل الوطن إلى منصة لعدوان الجار.

يُقال الجار ثم الدار. لكن في سياسات بعض دول الخليج الفارسي، تحولت القاعدة العسكرية الأمريكية إلى بديل عن الجوار، والقصف الإسرائيلي أصبح عنواناً للتحالف.  دول تستضيف قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، تقصف من خلالها جارتها إيران، وتحتضن منصات لإطلاق طائرات مسيرة باتجاهها، بينما ترفع شعارات حسن الجوار.

لكن التحليل العكسي هنا لا يسأل: هل يحق للدول استضافة قواعد أجنبية؟ بل يسأل: كيف تبرر هذه الدول استخدام أراضيها لاستهداف جارتها، تحت غطاء "اتفاقيات دفاع" لا تحميها، بل تورطها؟

القانون الدولي يقر سيادة الدولة على إقليمها، ويسمح لها بإبرام اتفاقيات دفاع مع دول أخرى. لكن هذه السيادة ليست مطلقة؛ إذ لا يجوز أن تتحول أراضي الدولة إلى منصة لارتكاب أعمال تشكل انتهاكاً للقواعد الآمرة في القانون الدولي .

اتفاقيات وضع القوات الأمريكية (SOFA) لا تنقل السيادة إلى الدولة الأجنبية، لكنها تمنحها حقوقاً محددة. المسؤولية الدولية قد تظهر عندما تتجاوز الدولة المضيفة دور المستضيف المحايد إلى دور المساعد أو الشريك في العمليات العسكرية، عبر السماح باستخدام القواعد لتنفيذ أعمال عسكرية غير مشروعة .

هنا يبرز عدة تناقضات:

التناقض الأول: دول الخليج الفارسي التي تستضيف القواعد الأمريكية ترفع شعارات حسن الجوار، بينما أراضيها تستخدم لاستهداف إيران. قطر تستضيف قاعدة العديد، البحرين تستضيف الأسطول الخامس، الكويت مركز لوجستي أمريكي. هذه القواعد لم تعد مجرد وجود دفاعي، بل أصبحت رأس حربة في الحرب على إيران.

محللون عسكريون يرون أن الدول المضيفة باتت في موقف قانوني حساس؛ فهي من جهة تمارس حقها السيادي في عقد اتفاقيات دفاع، لكنها من جهة أخرى تتحمل التزاماً دولياً بعدم السماح باستخدام إقليمها بطريقة تؤدي إلى انتهاك قواعد القانون الدولي .

لكن الأكثر إثارة هو التناقض الثاني: واشنطن تستخدم القواعد في الخليج الفارسي لضرب إيران، بينما الدول المضيفة تتفرج، وتدعي أنها ليست جزءاً من الحرب. وفي الوقت نفسه، إيران تستهدف القواعد الأميركية في المنطقة، لأنها أصبحت درعاً بشرياً للجيش الأميركي.

وهذا ما حذرت منه إيران مؤكداة أن أمريكا تستخدم "رأس مال وثروات وبنية تحتية واستراتيجية دول المنطقة كدرع دفاعي لجيشها الضعيف" . أي أن الدول المضيفة تدفع الثمن، وتتحمل العواقب، بينما أمريكا تحقق أهدافها.

التحليل العكسي يقول: القواعد الأمريكية في المنطقة ليست دفاعاً عن الدول المضيفة، بل رهائن. الدول التي تستضيف هذه القواعد فقدت السيطرة على قرارها السيادي، وأصبحت جزءاً من مشروع عسكري لا يخدم مصالحها. وحين تتوسع الحرب، تكون هي أول من يحترق.

فالوجود العسكري الأجنبي، مهما كانت مبرراته، لا يوفر أماناً حقيقياً، بل يخلق تهديداً دائماً، ويحوّل أراضي المضيف إلى ساحة مواجهة، ويجعله رهينة لإرادة القوى الكبرى. وحسن الجوار لا يُبنى على قواعد عسكرية أجنبية، بل على احترام السيادة، وعدم تحويل أراضي أي دولة إلى منصة لاستهداف أخرى.

إذاً، السؤال الحقيقي ليس: هل يحق للدول استضافة قواعد أمريكية؟

بل: كم من القواعد الأمريكية ستصبح أهدافاً، وكم من الدول المضيفة ستحترق في حروب ليست حروبها، قبل أن تدرك أن حسن الجوار لا يُبنى على قواعد عسكرية أجنبية؟

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستمر هذه الدول في رهانها على القواعد الأمريكية، أم تدرك أن الجار الحقيقي ليس من يستضيف قواعد عسكرية لاستهدافه، بل من يحترم سيادته ولا يحوّل أراضيه إلى ساحة حرب؟

/إنتهى/