تل نوشيجان التاريخي في ملاير.. جوهرة الحضارة الميدية المخفية بين سهول همدان

وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن إبراهيم جليلي، أوضح خلال مؤتمر صحفي، أن الفعالية المرتقبة، التي تُقام تحت شعار «من الميديين إلى الدولة الزندية»، تمثل فرصة مهمة للتعريف بالمواقع التاريخية التي لم تحظَ بما تستحقه من اهتمام، وتسليط الضوء على الإرث الحضاري العريق لمدينة ملاير.

وأشار إلى أن التحضيرات الجادة للمؤتمر بدأت منذ العام الماضي، حيث جرى التركيز على المحور التاريخي الممتد من تل نوشيجان إلى شخصية كريم خان زند، باعتباره أحد أهم الكنوز الثقافية في ملاير. وأضاف أن كريم خان زند، مؤسس الدولة الزندية وأحد أبرز حكام إيران في القرن الثامن عشر، ينحدر من قبيلة زند التي تعود جذورها إلى منطقة ملاير.

وأكد جليلي أن العديد من المصادر التاريخية تثبت ارتباط أسرة كريم خان زند بملاير، خلافاً للاعتقاد الشائع الذي يربطه بمدينة شيراز فقط، مشيراً إلى أن سيرته ونهجه في الحكم يحظيان بمكانة إيجابية في الذاكرة التاريخية الإيرانية، ويمكن استثمار هذا الإرث في تنشيط السياحة التاريخية بالمدينة.

يُعدّ تل نوشيجان الأثري في مدينة ملاير بمحافظة همدان واحداً من أبرز الكنوز التاريخية في إيران، وأحد أقدم المعابد الطينية المعروفة في العالم. ويستقطب الموقع سنوياً آلاف الزوار والمهتمين بالتاريخ والحضارات القديمة، رغم أنه لا يزال من المعالم الأثرية الأقل شهرة على الصعيد الدولي.

ويقع الموقع على بعد نحو 20 كيلومتراً من مدينة ملاير و60 كيلومتراً من همدان، فوق تلة ترتفع وسط سهل شوشاب الواسع، الذي تتحول بعض أجزائه في مواسم الأمطار إلى بحيرات موسمية خلابة. ويعود تاريخ التل إلى نحو 2800 عام، ما يجعله شاهداً حياً على واحدة من أقدم الحضارات الإيرانية.

اكتشاف استثنائي يكشف أسرار الميديين

اكتُشف تل نوشيجان عام 1964، قبل أن تبدأ بعثة أثرية بريطانية بقيادة عالم الآثار الشهير ديفيد ستروناخ أعمال التنقيب عام 1967. واستمرت الحفريات قرابة عقد من الزمن، وأسفرت عن اكتشاف مجمع معماري طيني فريد يتألف من طبقات تعود إلى العصور الميدية والأخمينية والبارثية.

ويُنظر إلى الموقع على أنه أفضل أثر معماري محفوظ من العصر الميدي، كما يُصنف بين أقدم دور العبادة المبنية بالطين في العالم. وقد كشف التنقيب عن معابد وقاعات وأبراج دفاعية وأنفاق وغرف تخزين، ما يؤكد أن الموقع كان يؤدي وظائف دينية وعسكرية وإدارية في آن واحد.

معبد وحصن فوق التلة

يتميز مجمع نوشيجان بمساحته الواسعة التي تمتد لنحو 80 متراً طولاً و30 متراً عرضاً، ويضم سلسلة من الغرف المتصلة والأنفاق والساحات الداخلية. ويعتقد الباحثون أن الميديين شيدوا هذا الصرح خلال العصر الحديدي بين القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد.

وأظهرت الدراسات أن الموقع كان حصناً دفاعياً في مواجهة الأخطار الخارجية، إلى جانب كونه مركزاً للعبادة وممارسة الطقوس الدينية، وهو ما يفسر وجود أكثر من معبد داخل المجمع.

قاعة «أبادانا».. تحفة معمارية مبكرة

من أبرز معالم نوشيجان قاعة الأعمدة المعروفة باسم «أبادانا»، وهي من أقدم النماذج المعمارية للقاعات ذات الأعمدة في إيران القديمة. وكانت القاعة تضم 12 عموداً تحمل سقفها، فيما تشير الدراسات إلى أنها لعبت دوراً دينياً مهماً إلى جانب وظيفتها المعمارية.

كما يضم الموقع نفقاً عميقاً يصل عمقه إلى نحو 18 متراً، ويُعتقد أنه استُخدم لأغراض دينية أو دفاعية. وتبرز في مداخل القاعة أقواس معمارية تعد من أقدم النماذج المعروفة للأقواس في العمارة الإيرانية.

المعبد المركزي.. جوهرة نوشيجان

يُعتبر المعبد المركزي أجمل أجزاء المجمع وأكثرها تميزاً، إذ يتميز بتصميم معماري فريد ذي شكل متعدد الأضلاع، ويضم مذبحاً للنار وغرفاً جانبية وسلالم داخلية.

ويشير خبراء الآثار إلى أن هذا المعبد يمثل إحدى أقدم النماذج المعروفة للمعابد المغلقة في المنطقة، كما يعكس تطوراً هندسياً متقدماً ترك تأثيره على العمارة الأخمينية والساسانية، وصولاً إلى العمارة الإسلامية لاحقاً.

سرّ البقاء عبر القرون

من أكثر الجوانب إثارة في الموقع أن أجزاءه الرئيسية دُفنت عمداً تحت طبقات كثيفة من الطين والحجارة، الأمر الذي ساعد على حمايتها من عوامل الزمن والتآكل. ويرى بعض الباحثين أن هذه العملية تمت خلال بدايات العصر الأخميني للحفاظ على المعابد القديمة، وهو ما يفسر الحالة الاستثنائية التي وصلتنا بها المباني اليوم.

وجهة سياحية واعدة

لا يقتصر سحر نوشيجان على قيمته الأثرية فحسب، بل يمتد إلى موقعه الطبيعي وإطلالته البانورامية على السهول المحيطة. وقد شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ مشاريع لتطوير البنية السياحية في الموقع، شملت تحسين الخدمات، وتوفير مرافق للزوار، وإنشاء مناطق للاستراحة والتخييم، إلى جانب توفير مرشدين سياحيين للتعريف بتاريخ المكان.

وفي عام 2015 تحول الموقع إلى قاعدة وطنية للتراث الثقافي بهدف تعزيز أعمال الحفظ والترميم وتطوير البنية التحتية السياحية. كما أُدرج ضمن المواقع المرشحة للتسجيل على قائمة التراث العالمي، نظراً لما يضمه من ابتكارات معمارية وعناصر فريدة تُعد من الأوائل على مستوى العالم.

ويستقبل تل نوشيجان آلاف الزوار سنوياً، حيث تجاوز عدد زواره خلال عطلة عيد النوروز الأخيرة ثلاثة آلاف سائح، ليواصل ترسيخ مكانته كأحد أهم المقاصد التاريخية والثقافية في غرب إيران.

وسُجل الموقع رسمياً ضمن قائمة الآثار الوطنية الإيرانية في 23 كانون الثاني/يناير 1969، ليبقى شاهداً على عراقة الحضارة الميدية وإرثها المعماري الفريد.

/انتهى/