المقاومة اليمنية .. خطوتان أساسيتان

الخبير والمحلل الاستراتيجي الايراني الدكتور سعدالله زارعي:

تشير تطورات الأسبوع الأخير في اليمن إلى أن المنطقة تعيش حالة لا يمكن التنبؤ بطبيعتها. لقد مضت 12 عاماً على بدء حرب التحالف السعودي ضد اليمن، كانت ثلاثة دول عربية (اليمن، السعودية، الإمارات) منخرطة في الحرب لأكثر من ثمانية أعوام، وانتهى الأمر بتفكك التحالف المناهض لليمن، وانسحاب الإمارات من الأراضي اليمنية، وإجراء محادثات بين الرياض وصنعاء لم تسفر عن نتائج ملموسة. الحرب على غزة أدخلت اليمن في معادلة جديدة، استمرت مع الحرب على لبنان والحرب على إيران، محولة اليمن إلى طرف متميز ذي قدرات خاصة في جميع معادلات المنطقة.

أدى فشل أمريكا في الحرب ضد إيران إلى إعادة اليمنيين التفكير في قضاياهم مع السعودية، التي لم تُحل خلال ثماني سنوات حرب وسنتي محادثات، ولم يكن هناك أمل في نتيجة قريبة. خلص اليمنيون إلى خيار المعادلة العسكرية لرفع الحصار البحري والجوي، بحيث ربطوا استمرار الاستخدام السعودي للبحر الأحمر برفع الحصار عن مطارات وموانئ اليمن.

في هذه الأثناء، وجدت السعودية نفسها، بسبب الوضع الجديد في مضيق هرمز والسيطرة الإيرانية التشغيلية عليه، في مأزق زمني، فحركت قدراتها العسكرية ضد اليمن، شاملة القاذفات والقوات القبلية شبه العسكرية، مع إرسال إشارات تفاوضية للطرف الآخر في الوقت نفسه، لكن الهدف لم يكن إحياء المحادثات المتوقفة منذ عامين، بل تحقيق مفاجأة وكسب الوقت.

كان من مصلحة السعودية تخفيف الحصار عن اليمن للسيطرة على الأزمة الناجمة عن الحرب الأمريكية الإيرانية، حفاظاً على الوضع الطبيعي في باب المندب والبحر الأحمر، لكن يبدو أنه لا يوجد في السعودية، كما في أمريكا، شخص حكيم يدرك المصلحة الوطنية الحقيقية، أو أن أي تنازل للمجاهدين اليمنيين الدؤوبين، من وجهة نظر سعودية، سيؤدي إلى توسيع نفوذهم الداخلي والإقليمي. لذا اختارت السعودية طريق الهجوم العسكري الشاق على صنعاء باستخدام القاذفات والمرتزقة.

مع دخول السعودية المرحلة العسكرية ضد الحكومة اليمنية، نفذ السيد المجاهد عبدالملك بدرالدين الحوثي معادلة الحصار بالحصار، وفرض حظراً على حركة السفن والناقلات من وإلى الموانئ السعودية في البحر الأحمر. وطبقت أنصار الله معادلة مطار بمطار وميناء بميناء، وشنت في فترة قصيرة هجمات على عدة قواعد عسكرية ومطارات وموانئ سعودية، وامتدت حتى حقل بقيق النفطي في شرق السعودية.

كان الرد اليمني متعدد الجوانب مفاجئاً، إذ ظهر اليمن بجيش كامل وقوي ومزود بتقنيات حديثة ونظام معلومات عسكرية من الدرجة الأولى. حاولت السعودية إلقاء المسؤولية على الصين وروسيا كعاملين في التحرك التكنولوجي الفاعل للجيش اليمني، وسعت لإشراك العراق في المعركة، فقامت قبل أسبوعين بقصف ست نقاط في محافظات جنوب العراق. وهذا الإسقاط يعتبر اعترافاً بقوة اليمن وضعف قدرة السعودية على مواجهته.

بعد فشل الغارات الجوية وإغلاق البحر الأحمر في وجه السفن السعودية، حاولت الرياض إيجاد مخرج من داخل اليمن. وعليه، قامت بتجميع قوات في ثلاث محافظات (مأرب شرقاً، والجوف شمالاً، وتعز جنوب صنعاء) بهدف السيطرة على صنعاء أو إغراقها في الفوضى. وتشير الأنباء إلى أن السعودية حركت أربعة فرق مشاة ومدرعة على الأقل لتحقيق هذا الهدف، في خطوة لا تعتبر مبتكرة، بعد استخدامها سابقاً في الحرب الماضية. وقبل أربعة أيام (4 أغسطس/ آب)، نفذت أنصار الله عملية استباقية ضد القوات المجمعة، وتمكن اليمنيون من السيطرة على مواقع في المحافظات الثلاث، خاصة في روك، وعبر، والثنية، موجدين خسائر فادحة في صفوف المرتزقة السعوديين، حيث تحدثت رويترز عن عشرات القتلى ومئات الجرحى، وأقرت السعودية بإصابة 88 شخصاً.

أعلنت "التعبئة العامة للجمهورية اليمنية" في بيان، بالتزامن مع هذا التحرك، عن بدء عملية مشتركة للجيش وقوات التعبئة الشعبية لتحرير المناطق المحتلة واستعادة الثروات المنهوبة. وفي هذه الأثناء، استهدف الجيش اليمني موقعاً شمال ينبع، أهم موانئ التصدير السعودية، لتذكير الرياض بعدم البحث عن بدائل.

إن حديث اليمنيين في الوقت نفسه عن تحرير المناطق المنفصلة، التي تشمل ثماني محافظات شاسعة على الأقل، وعن الحصار السعودي على بعد مئات الكيلومترات من سواحل اليمن في البحر الأحمر، وتحركهم عملياً في هذا الاتجاه، يدل على أن أنصار الله لم تكن راكدة منذ وقف إطلاق النار عام 1400هـ (2021م)، بل على الرغم من أدوارها العسكرية لصالح حلفائها (فلسطين، لبنان، إيران) منذ 1402هـ (2023م) حتى الآن، أظهرت قوة مذهلة! وهذا يثير القلق الشديد لأعداء الإسلام، ويملأ الأمة الإسلامية حماسة. إن تنفيذ عملية ثقيلة ضد ثلاثة فرق مشاة ومدرعة سعودية في ثلاث مناطق يمنية، وصفها محمد شوكة، عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله، بالاستباقية، له أثر استراتيجي. تدرك السعودية جيداً أن قدرتها العسكرية المحلية الفاعلة للعمليات البرية والمدرعة أقل من القدرة اليمنية الفاعلة، وأن حشد عناصر مأجورة من بعض قبائل جنوب وشرق اليمن لن يغير المعادلة العسكرية الحالية والتي هي لصالح أنصار الله والجيش اليمني.

لذا، فمن مصلحة السعودية، كما يؤكد اليمنيون، أولاً: عدم عرقلة طريق الوحدة والسلامة الإقليمية لليمن من المهرة على حدود عمان إلى صعدة شمالاً، وعاصمتها صنعاء. وثانياً: رفع الحصار والعوائق الظالمة عن حركة الملاحة الجوية والبحرية إلى اليمن. وهذان المطلبان ليسا مبالغاً فيهما. وإن رأت أنهما مبالغ فيهما، فلتنتظر حدوث هاتين المشكلتين نفسيهما لديها؛ مشكلة في التعامل مع أقلياتها، ومشكلة في تمتعها بالاتصالات الجوية والبحرية مع المحيط الخارجي. كل خير للجميع خير، وكل شر للجميع شر. فلا يجوز تقسيم الخير والشر، بحيث يكون نصيب أمة شراً ونصيب أخرى خيراً.

/انتهى/