زارعي لـ"تسنيم": هناك شكوك بشأن استمرارية «اتفاقية مكة» كما هو الحال مع التحالفات الأخرى
- الأخبار الدولی
- 2026/08/08 - 18:46
وقال سعد الله زارعي في حديث مع مراسل وكالة تسنيم الدولية للأنباء بشأن توقيع الاتفاقية الأمنية بين السعودية وتركيا وباكستان، إن هذه الاتفاقية تتمتع بخصائص ومواصفات خاصة. وأضاف أن عقد الاجتماع الخاص بالاتفاقية في مكة أظهر أن ثقل السعودية فيها أكبر من ثقل باكستان وتركيا.
اتفاقية مكة مكمل لحلف الناتو في المنطقة
وأضاف زارعي أن الملاحظة الثانية تتعلق بوجود تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما يدل على أن هذه الاتفاقية الأمنية تمثل مكملاً للناتو في منطقتنا، وبالتالي لا يمكن اعتبارها اتفاقية مستقلة.
البعد المعادي لإيران في هذا التحالف ليس هامشياً
وأشار خبير شؤون غرب آسيا إلى أن الدول الموقعة على اتفاق مكة تقع جنوب إيران (السعودية)، وشرقها (باكستان)، وغربها (تركيا)، معتبراً ذلك الملاحظة الثالثة بشأن الاتفاق. وقال: «شاءوا أم أبوا، فإن هذا التحالف لا يُعرَّف ضمن إطار الأمن القومي الإيراني. ورغم إعلان أطرافه أنه ليس موجهاً ضد أي دولة، فإن الموقع الجغرافي للدول الثلاث الأعضاء يُظهر أن البعد المعادي لإيران فيه ليس أمراً ثانوياً أو محدوداً».
مخاوف من انهيار اتفاقية مكة
وبحسب زارعي، فإن الملاحظة الرابعة تتمثل في خشية الأطراف الموقعة من أن يتعرض اتفاق مكة للانهيار منذ بدايته، ولذلك شددوا على أنه اتفاق دفاعي وليس موجهاً ضد أي دولة. وأضاف: «إذا لم تكن هناك شكوك لدى الدولة المحورية في هذا الاتفاق، فإن الاتجاه نحو إنشاء تحالف أمني لا يكون له معنى أو مبرر».
توقيع اتفاقية مكة جاء في ظل إخفاق أمريكي وانتصار إيراني
وتابع قائلاً إن النقطة الأخيرة تتمثل في أن اتفاق مكة وُقِّع خلال الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وفي ظروف تفوح منها رائحة الهزيمة الأمريكية والانتصار الإيراني. لذلك يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره نتيجة للمخاوف التي أعقبت فشل واشنطن في تلك الحرب. وأضاف أن هذه ملاحظات عامة يمكن طرحها بالنظر إلى أهمية الاتفاقية.
استمرارية اتفاقية مكة تواجه تهديدات جدية
وعن مستقبل الاتفاق واستمراريته، قال زارعي إنه عند مراجعة التجارب السابقة يتضح أن المنطقة شهدت تحالفات واتفاقيات مماثلة، بل إن بعضها كان أكثر أهمية من اتفاق مكة. وضرب مثالاً بالتحالف الذي ضم 19 دولة خلال حرب اليمن عام 2015، والذي شاركت فيه باكستان وتركيا والأردن ودول الخليج الفارسي، بل وحتى مصر، إلى جانب عضوية بعض الدول الأوروبية والغربية تحت قيادة السعودية.
وأوضح أن هذا التحالف تقلص لاحقاً ليصبح تحالفاً سعودياً ـ إماراتياً، ثم نشبت خلافات بين الرياض وأبوظبي انتهت بانسحاب الإمارات من اليمن وبقاء السعودية وحدها هناك. وأضاف أن هذه التجربة تثير الشكوك حول قدرة اتفاق مكة على الاستمرار.
وأضاف أن النقطة الثانية تتعلق بما إذا كان هذا التحالف، وفقاً لما ورد في نص الاتفاق، يمثل بالفعل اتفاقية دفاع مشترك، إذ إن أوضاع الدول الأعضاء فيما يتعلق بالحرب في اليمن والصراع بين صنعاء والرياض لا تزال غامضة. وقال: «هل يعني اتفاق مكة أن الجيشين الباكستاني والتركي سيدخلان في مواجهة مع اليمنيين؟ لا يوجد ما يشير إلى ذلك».
اليمنيون يسعون إلى هدفين رئيسيين
وأوضح زارعي أن ما يجري في اليمن اليوم يتمثل في سعي اليمنيين لتحقيق هدفين أساسيين:
إنهاء الحصار الجوي والبحري المفروض على اليمن منذ اثني عشر عاماً.
توسيع نطاق سلطة حكومة صنعاء على بقية الأراضي اليمنية.
وأضاف أن هذين الهدفين يندرجان في إطار قضية داخلية يمنية، سواء فيما يتعلق بإنهاء الحصار أو بفرض سلطة الحكومة على كامل الأراضي اليمنية.
متى تفقد اتفاقية مكة مبرراتها؟
وطرح زارعي تساؤلاً حول ما إذا كانت تركيا وباكستان ستتدخلان في النزاع اليمني في ضوء اتفاق مكة، موضحاً أن هناك احتمالين:
الأول: أن تتدخلا في الحرب اليمنية، وفي هذه الحالة ستكونان قد انخرطتا في حرب أهلية، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً بالنسبة إلى أنقرة وإسلام آباد، إذ إن التدخل في نزاع داخلي لدولة أخرى ليس قراراً سهلاً.
الثاني: أن ترفضا التدخل بحجة أن النزاع سابق على الاتفاق وأن الاتفاقيات لا تسري بأثر رجعي، أو باعتبار أن الصراع ليس حرباً بين دولتين. وفي هذه الحالة يصبح اتفاق مكة عديم الجدوى والتأثير، ويفقد مبرر وجوده عملياً.
اتفاقية مكة تواجه تساؤلات مفاهيمية وعملية
وأكد الخبير في شؤون غرب آسيا أن الاتفاق يواجه تحديات وتساؤلات من حيث المفهوم ونطاق التطبيق، موضحاً أنه لا يمكن الجزم حالياً بأنه يمثل تحالفاً أساسياً، لا سيما أن نصه يتضمن إشارات إلى قضايا اقتصادية وتنمية البنى التحتية والعلاقات الاقتصادية، كما يستخدم أحياناً مصطلحات مثل «الشراكة الشاملة» و«التكنولوجيا».
وأضاف أن ذلك يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تركيا وباكستان قد وقعتا الاتفاق سعياً وراء مكاسب اقتصادية أكثر من اهتمامهما بالجوانب الأمنية، خصوصاً أن الاتفاق الأمني لا يقدم فائدة مباشرة لباكستان.
غموض في نوايا تركيا وباكستان
وتابع قائلاً: «إذا دخلت باكستان في مواجهة مع الهند، فهل ستخوض تركيا أو السعودية حرباً إلى جانبها ضد الهند؟ بالتأكيد لا. وإذا واجهت تركيا نزاعاً في مكان ما، فهل ستتدخل السعودية أو باكستان دعماً لأنقرة؟ من المؤكد أن الجواب أيضاً لا».
وأضاف أن القضية الأساسية هنا تتعلق بالسعودية والتهديدات المستجدة التي تواجهها، لكن يبقى السؤال مطروحاً حول الدوافع الحقيقية لتركيا وباكستان من توقيع هذا الاتفاق مع الرياض في مكة.
اتفاقية مكة استجابة لمخاوف الرياض
وعن مدى فاعلية الاتفاق في مرحلة ما بعد الحرب، قال زارعي إن الاتفاق يمثل استجابة للمخاوف السعودية. وأضاف أن النفوذ الأمريكي في المنطقة بات أضعف، في حين أن المنظومة الأمنية السعودية كانت مرتبطة بصورة وثيقة بالنظام الأمني الأمريكي في الخليج الفارسي وغرب آسيا، وهو نظام يشهد حالياً حالة من التراجع والتفكك.
وأوضح أن السعودية تشعر بالقلق لأنها لا تستطيع بمفردها مواجهة التهديدات المحتملة، ولذلك اتجهت إلى البحث عن بدائل، معتبرة أن تركيا وباكستان من الدول ذات القدرات العسكرية المهمة.
الرياض تسعى إلى ملء الفراغ الأمني الأمريكي
وفي ختام حديثه، قال زارعي إن السعودية تحاول من خلال إنشاء منظومة أمنية إقليمية ملء الفراغ الناجم عن تراجع النظام الأمني الذي كانت ترتكز فيه على الولايات المتحدة. لكنه تساءل عن مدى مشاركة تركيا وباكستان للمخاوف الأمنية السعودية.
وأضاف: «أعتقد أن تركيا لا تشعر بقلق أمني مماثل لأنها مرتبطة بمنظومة الناتو، كما أن باكستان تمتلك بنية أمنية داخلية قوية نسبياً، ويكاد يقتصر تحديها الأمني الرئيسي على الهند، وهو تحدٍّ تمكنت من إدارته».
وختم بالقول إن غياب رؤية أمنية مشتركة وشعور موحد بالتهديد بين السعودية وتركيا وباكستان يجعل وجود اتفاق مكة، ولا سيما استمراريته، عرضة لتهديدات جدية.
/انتهى/