باسعيدو.. مقبرة تروي فشل الحلم الاستعماري في الخليج الفارسي
- الأخبار صورة و تعلیق
- 2026/08/08 - 02:25
وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأنه في أقصى غرب جزيرة قشم، حيث تلامس مياه الخليج الفارسي السواحل الإيرانية، تقف مقبرة صامتة في منطقة باسعيدو؛ مقبرة لا تقتصر دلالاتها على الأسماء والتواريخ المنقوشة على شواهدها المتآكلة، بل تختزن بين جنباتها فصولاً من التاريخ المضطرب للخليج الفارسي.
ولا يمكن النظر إلى مقبرة البريطانيين في باسعيدو بوصفها مجرد مكان لدفن عدد من الرعايا الأجانب، بل هي جزء من الذاكرة التاريخية لمنطقة ظلت على مدى قرون ساحةً لتنافس القوى الكبرى الساعية إلى السيطرة على الممرات البحرية وتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
وبفضل موقعها الجغرافي في غرب قشم وقربها من خطوط الملاحة البحرية المهمة، اكتسبت باسعيدو أهمية خاصة في الخليج الفارسي، ما جعلها محط أنظار القوى الأجنبية التي رأت في هذا الممر المائي ركناً أساسياً ضمن شبكاتها التجارية والعسكرية والاتصالية.
وعقب التطورات العسكرية والسياسية التي شهدها الخليج الفارسي خلال عامي 1819 و1820، اتسع النفوذ البريطاني في المنطقة، وتحولت باسعيدو منذ مطلع عشرينيات القرن التاسع عشر، ولا سيما منذ عام 1823، إلى إحدى القواعد البحرية الدائمة لبريطانيا في الخليج الفارسي.
وما تبقى اليوم من تلك المرحلة لا يقتصر على آثار تاريخية متناثرة، بل يمثل شاهداً على زمن كان فيه الخليج الفارسي يحتل مكانة تتجاوز مجرد كونه ممراً مائياً في حسابات القوى الاستعمارية.
فبالنسبة لبريطانيا، التي كانت الهند تمثل أهم مستعمراتها، كان تأمين طرق الملاحة بين أوروبا والهند أمراً بالغ الأهمية. وفي هذا السياق، شكل الخليج الفارسي حلقة استراتيجية في شبكة التواصل بين الشرق والغرب، الأمر الذي منح الجزر والموانئ الواقعة على ضفافه قيمة جيوسياسية خاصة.
غير أن التاريخ لا يهتم فقط بكيفية وصول القوى إلى المناطق المختلفة، بل يهتم أيضاً بمصير وجودها فيها.
ففي باسعيدو اليوم، لم يبق من تلك القوة الاستعمارية الواسعة، ومن أساطيلها ونفوذها الإقليمي، سوى بعض الشواهد التاريخية الصامتة التي تذكر الأجيال الجديدة بأن أياً من القوى، مهما بلغت قوتها، لا يملك ضمانة للبقاء الدائم في أراضي الآخرين.
وتتضح هذه الحقيقة أكثر عند النظر إلى باسعيدو في سياق التاريخ الأوسع للخليج الفارسي. فقبل بريطانيا، حاولت قوى أجنبية أخرى فرض سيطرتها على هذا الممر البحري. ففي القرن السادس عشر أقام البرتغاليون قواعد وحصوناً عسكرية لترسيخ نفوذهم في المنطقة، ثم جاءت بريطانيا بعد قرون لتوسع حضورها بأساليب مختلفة.
تبدلت القوى، وتغيرت الوسائل، وتحولت موازين العالم مراراً، لكن حقيقة جغرافية وتاريخية واحدة بقيت ثابتة: أن لهذه المياه وهذه الأرض ذاكرة أقدم من جميع القوى التي مرت بها.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى مقبرة البريطانيين في باسعيدو باعتبارها أكثر من مجرد معلم تاريخي؛ فهي نقطة تلتقي فيها ذاكرة الاستعمار مع جغرافيا الخليج الفارسي وقضية السيادة الوطنية.
وربما تتحدث شواهد القبور عن حياة وموت أشخاص عاشوا في هذه المنطقة يوماً ما، لكن المقبرة نفسها تروي قصة أكبر؛ قصة القوى التي جاءت لتحقيق مصالحها ثم رحلت، بينما بقيت الجغرافيا على حالها.
ومن هنا يلتقي الماضي بالحاضر.
فاليوم يعود الخليج الفارسي ليحتل موقعاً متقدماً في تنافس القوى الكبرى. وقد استهدفت الهجمات العسكرية والصاروخية الأمريكية والإسرائيلية أجزاء من إيران ومناطق محيطة بالخليج الفارسي. وإذا كانت الأدوات قد تغيرت مقارنة بما كانت عليه قبل قرنين، حيث حلت الطائرات والصواريخ والتقنيات الحديثة محل الأساطيل الاستعمارية، فإن السؤال الجوهري لا يزال قائماً: إلى أي مدى تستطيع القوى الخارجية التأثير في مصير هذه الجغرافيا؟
إن الإجابة التي تقدمها باسعيدو لا تأتي عبر الشعارات، بل عبر صمت التاريخ نفسه.
فالقوة التي خططت يوماً لترسيخ وجودها في الخليج الفارسي لا يمكن رؤيتها اليوم في هذا المكان إلا من خلال بضع شواهد قبور وبقايا مرحلة تاريخية مضت، أما الأرض التي تحتضن هذه الشواهد فما زالت جزءاً من إيران.
وهنا يكمن الفارق بين «الوجود» و«السيادة».
فالصاروخ قد يدمر مبنى أو يستهدف منشأة ويترك آثاراً من الخراب، لكنه لا يستطيع، كما لا تستطيع أي أداة عسكرية أخرى، محو تاريخ أمة أو إعادة كتابة جغرافيتها التاريخية بالأسماء والادعاءات.
كما أن وحدة الأراضي الإيرانية ليست مجرد مفهوم سياسي معاصر، بل تستند إلى تجربة تاريخية طويلة شهدت خلالها البلاد حضور قوى أجنبية متعددة، كما شهدت رحيلها أيضاً.
ومن هذا المنظور، لا تمثل باسعيدو مجرد نقطة صغيرة على الخريطة، بل نافذة تطل على تاريخ أوسع؛ تاريخ يبين أن القوى الخارجية قد تتمكن من الحضور في منطقة ما لفترة من الزمن، لكن وجودها لا يعني امتلاكها لها، كما أن نفوذها لا يساوي السيادة عليها.
والجيل الحالي هو وريث هذه التجربة التاريخية ذاتها؛ جيل يواجه التحديات الجديدة بالوعي نفسه الذي امتلكته الأجيال السابقة، والمتمثل في حماية أرض ترتبط بها هوية الأمة وتاريخها ومستقبلها.
ولعل قيمة مقبرة البريطانيين في باسعيدو لا تكمن فقط في قدم شواهدها الحجرية.
فهي تمثل متحفاً صامتاً للقوى التي جاءت ذات يوم وهي تظن أنها ستبقى، لكنها لم تبق.
ولا تزال شواهد القبور قائمة في باسعيدو حتى اليوم، لا بوصفها رمزاً لقوة الإمبراطورية البريطانية السابقة، بل باعتبارها جزءاً من تاريخ إيران والخليج الفارسي.
وربما يقدم التاريخ، من خلال هذا الصمت، أبسط دروسه:
القوى تأتي وتذهب، أما الأوطان فتبقى، والشعوب التي تعرف تاريخها لا تسمح للآخرين بكتابة مستقبلها نيابة عنها.
ولا تزال باسعيدو قائمة في غرب قشم، هناك حيث يلتقي الخليج الفارسي بإيران، وحيث تواصل شواهد مقبرة قديمة، بعد مرور عقود طويلة، رواية قصة من جاء ومن رحل، وما الذي بقي في النهاية.
/انتهى/