الذكاء الاصطناعي رهينة عبور مضيق هرمز.. 200 حاوية هيليوم تائهة في الخليج الفارسي
- الأخبار الأقتصاد
- 2026/08/07 - 14:46
وأفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن إغلاق مضيق هرمز من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية ألحق تأثيرات واسعة بسلاسل الإمداد العالمية، وفي مقدمتها إمدادات الهيليوم. فهذا الغاز الذي يُعرف غالباً باستخدامه في البالونات الاحتفالية، يُعد في الواقع أحد أهم المواد الأساسية لصناعة أشباه الموصلات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وقد أدى توقف المسار التصديري الوحيد للهيليوم القطري إلى خروج ما يقارب ثلث الإمدادات العالمية من هذا الغاز من السوق.
ولفهم أبعاد هذه الأزمة الصامتة، يكفي النظر إلى أربعة جوانب مترابطة. أولها أن الهجمات العسكرية حولت منشآت رأس لفان إلى "قنبلة موقوتة" تتطلب سنوات لإعادة تأهيلها. وفي الوقت نفسه، تتعرض عشرات الحاويات فائقة التبريد المحملة بالهيليوم السائل ــ والتي تبلغ قيمة كل منها نحو مليون دولار ــ لخطر التبخر التدريجي في مياه الخليج الفارسي، لتقترب يوماً بعد آخر من الفقدان الكامل.
وفي المقابل، تعتمد أكبر مراكز تصنيع الرقائق في العالم، أي كوريا الجنوبية وتايوان، على هذه المادة الحيوية إلى درجة أن كل ساعة تأخير في إعادة فتح المضيق ترفع احتمالات توقف خطوط الإنتاج.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على مصانع أشباه الموصلات فحسب، بل تمتد إلى قطاع الذكاء الاصطناعي الذي يشهد نمواً متسارعاً وطلباً متزايداً على الهيليوم، ما يجعل هذا الغاز عنق زجاجة جديداً قد يبطئ وتيرة الابتكار التكنولوجي لسنوات مقبلة.
أولاً: منشآت رأس لفان القطرية.. توقف قد يمتد لسنوات
تُعد المنطقة الصناعية في رأس لفان شمال شرقي قطر أكبر منشأة لتسييل الغاز الطبيعي في العالم، كما أنها المركز الرئيسي لإنتاج الهيليوم في البلاد.
وفي 2 مارس/آذار 2026، أعلنت شركة "قطر غاز" الحكومية وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات الثانوية، بما فيها الهيليوم، عقب هجمات بطائرات مسيرة إيرانية، قبل أن تعلن بعد يومين حالة "القوة القاهرة".
وتصاعدت الهجمات خلال الأيام اللاحقة، إذ تعرضت منشآت رأس لفان لهجومين صاروخيين خلال أقل من 12 ساعة. وأفادت "قطر غاز" بأن الأضرار كانت "واسعة النطاق"، وأن إصلاحها سيستغرق سنوات.
ووفقاً للحكومة القطرية، فإن أعمال الإصلاح الكاملة قد تستغرق ما بين 3 و5 سنوات. كما أكد كليف كين، رئيس شركة "بولسار هيليوم"، أن نحو 33% من إمدادات الهيليوم العالمية خرجت من الخدمة لفترة لا تقل عن ثلاث إلى خمس سنوات. وحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، تتوقع "قطر غاز" تراجع صادرات الهيليوم السنوية بنسبة 14%.
وكانت منشآت رأس لفان تنتج سنوياً نحو 2.4 مليار قدم مكعبة من الهيليوم، أي ما يقارب ثلث الإنتاج العالمي. ومع توقف هذه المنشآت، اختفى من السوق العالمية ما يقرب من 5.2 ملايين متر مكعب من الهيليوم شهرياً.
ومنذ اندلاع الأزمة تضاعفت الأسعار الفورية للهيليوم، فيما يتوقع محللون أن ترتفع الأسعار بنسبة إضافية تتراوح بين 25% و50% إذا استمرت الاضطرابات بين 60 و90 يوماً، ولا سيما بالنسبة للمشترين الذين لا يملكون عقود توريد طويلة الأجل.
ثانياً: 200 حاوية هيليوم سائل عالقة في الخليج الفارسي
إلى جانب توقف الإنتاج، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى احتجاز 200 حاوية متخصصة لنقل الهيليوم السائل في مياه الخليج الفارسي.
وقد جرى تبريد هذه الحاويات عند التحميل إلى درجات تقترب من الصفر المطلق (269 درجة مئوية تحت الصفر)، إلا أنها تبدأ بالاحترار تدريجياً مع مرور الوقت.
وتحمل كل حاوية نحو 41 ألف لتر من الهيليوم السائل. ويحذر الخبراء من أن هذا الغاز سيتبخر تدريجياً خلال فترة تتراوح بين 35 و48 يوماً. وبمعنى آخر، إذا لم تتمكن هذه الشحنات من العبور، فسيتحول الهيليوم إلى حالته الغازية وينطلق إلى الغلاف الجوي، ليُفقد نهائياً.
وتُقدر قيمة كل حاوية متخصصة بنحو مليون دولار. كما أن استمرار احتجاز هذه الحاويات تسبب في نقص عالمي حاد في أوعية نقل الهيليوم، نظراً إلى أن تصنيع هذه الخزانات المتطورة يستغرق وقتاً طويلاً ويتطلب تكاليف مرتفعة.
ثالثاً: اعتماد كوريا الجنوبية وتايوان على الهيليوم القطري
بحسب تقرير وكالة "فيتش ريتينغز"، تُعد كوريا الجنوبية أكثر اقتصادات الدول المصنعة للرقائق تعرضاً لمخاطر أزمة الهيليوم، إذ حصلت في عام 2025 على نحو 64.7% من وارداتها من الهيليوم من قطر.
كما تعتمد تايوان بدرجة كبيرة على الهيليوم القطري، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 69% من احتياجاتها من الهيليوم في عام 2024 كانت تأتي من دول مجلس تعاون الخليج الفارسي، وعلى رأسها قطر.
غير أن الأزمة الراهنة دفعت البلدين إلى تغيير أنماط التوريد سريعاً. ففي النصف الأول من عام 2026:
تراجعت حصة قطر من واردات الهيليوم التايوانية من نحو 88% إلى حوالي 30%.
وانخفضت حصة قطر في السوق الكورية الجنوبية من 55% إلى نحو 34%.
وتواجه شركتا "سامسونغ" و"إس كيه هاينكس" الكوريتان، اللتان تنتجان معاً نحو ثلثي رقائق الذاكرة في العالم، مخاطر كبيرة جراء هذه الأزمة. ووفقاً لتقرير لوكالة "رويترز"، تمتلك الشركتان مخزوناً من الهيليوم يكفي لفترة تتراوح بين أربعة وستة أشهر.
وتُعد شركة "إس كيه هاينكس" المنتج الرئيسي لنحو 62% من رقائق الذاكرة عالية النطاق (HBM)، المستخدمة في جميع وحدات معالجة الرسومات المتطورة الخاصة بشركة إنفيديا.
رابعاً: الهيليوم عنصر أساسي في صناعة الرقائق وعصر الذكاء الاصطناعي
يلعب الهيليوم دوراً محورياً في عدة مراحل أساسية من تصنيع أشباه الموصلات، أبرزها:
تبريد رقائق السيليكون أثناء عمليات النقش والحفر الدقيقة.
تبريد معدات الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) المستخدمة في إنتاج الرقائق الأكثر تطوراً.
كشف التسربات وتوفير بيئات فائقة النقاء داخل مصانع الرقائق.
وباعتباره أبرد سائل معروف بدرجة حرارة تبلغ 269 درجة مئوية تحت الصفر، يتمتع الهيليوم بقدرة استثنائية على تبديد الحرارة من المعدات الحساسة.
وتشير تقديرات صناعية إلى أن الطلب العالمي على الهيليوم من قبل شركات أشباه الموصلات سيتضاعف أكثر من خمس مرات بحلول عام 2035. ويؤكد الخبراء أنه لا يوجد غاز آخر قادر على أداء الوظائف نفسها بالكفاءة المطلوبة في هذه التطبيقات. ومن دون إمدادات كافية من الهيليوم، ستصبح عمليات تصنيع الرقائق أبطأ وأكثر كلفة وأقل كفاءة.
وأكد جاكوب فيلدغويز، المحلل في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورجتاون، أن الهيليوم عنصر لا غنى عنه لإنتاج أكثر الرقائق تقدماً المستخدمة في نماذج الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن تباطؤ إنتاج أشباه الموصلات بسبب نقص الهيليوم سينعكس مباشرة على الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والاقتصاد الرقمي.
وتكشف أزمة الهيليوم القطرية عن نقطة اختناق خفية في سلسلة الإمداد العالمية لصناعة أشباه الموصلات. فاجتماع ثلاثة عوامل رئيسية ــ توقف الإنتاج في رأس لفان لسنوات، واحتجاز 200 حاوية هيليوم في الخليج الفارسي ضمن نافذة زمنية لا تتجاوز 35 إلى 48 يوماً، والاعتماد الكبير لكوريا الجنوبية وتايوان على الإمدادات القطرية ــ خلق ما يشبه "العاصفة الكاملة" في السوق العالمية.
ورغم توجه المشترين الآسيويين سريعاً نحو الولايات المتحدة لتأمين بدائل، فإن هذا التحول مكلف ولا يمكنه تعويض النقص الناجم عن توقف منشآت قطر بالكامل. ومع تسارع الطلب على الهيليوم بفعل التوسع المتواصل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، قد تترك هذه الأزمة آثاراً بعيدة المدى على وتيرة الابتكار في هذا القطاع خلال السنوات المقبلة.
/انتهى/